تتفاقم أزمة الديون والفساد في مصر مع غياب الرقابة، وسط تحذيرات أطلقها البروفيسور ناجي عباس من انفجار وشيك يقود لمحاسبة قاسية، مستلهمًا تجارب أمريكا اللاتينية في ملاحقة اللصوص واسترداد الأموال المنهوبة عبر مشاريع الطرق.
​
​
ويحذر البروفيسور ناجي عباس من استمرار نهج المحسوبية واللصوصية وتجاوز القانون في مصر، مؤكدًا أن العقود المغلقة وبيع الأصول والاقتراض دون رقابة معلنة ستقود حتمًا إلى أزمة كبرى تعصف بالمسؤولين الفسدة في نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي ما يدفع العلماء للهروب للخارج.
​
​
وترتبط هذه الممارسات بتراكم الديون وزيادة القهر والضغط المعيشي على المواطن المصري مع هجرة الكفاءات للخارج، حيث يتجلى الفساد بوضوح في أسعار الدواء وجودة المستشفيات والمدارس والخدمات وضياع فرص العمل لصالح المحاسيب دون المستحقين.
​

​

فضائح الطرق والرشاوى في القارة اللاتينية
​
​
وفي هذا السياق، يبرز البروفيسور عباس كيف دفعت أمريكا اللاتينية ثمنًا باهظًا لتتعلم درس الفساد الذي لا يظهر في ميزانية الدولة وحدها، مستشهدًا بفضائح شركة أوديبريخت البرازيلية التي تعد أكبر شركة إنشاءات في القارة الأمريكية.
​
​
وعلاوة على ذلك، اعترفت الشركة أمام القضاء الأمريكي بدفع حوالي 788 مليون دولار كرشاوى لمسؤولين وأحزاب سياسية في 12 دولة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2001 و 2016، وذلك لاقتناص مشاريع إنشائية ضخمة لا تستحقها.
​
​
ومن ناحية أخرى، أدارت الشركة هذه العمليات المشبوهة عبر قسم سري داخلي مخصص لدفع الرشاوى، مما سمح لها بالتغلغل في مفاصل الدول وتوجيه القرارات الحكومية لصالحها على حساب المال العام ومصالح الشعوب في تلك البلدان.
​
​
وعلى صعيد متصل، شهدت دولة بيرو نموذجًا صارخًا لهذه الممارسات، حيث قامت إدارة الرشاوى بشركة أوديبريخت برشوة رئيس بيرو السابق أليخاندرو توليدو لتمرير صفقات مشبوهة بطرق غير قانونية، مما استدعى تدخل السلطات القضائية لفتح تحقيقات موسعة.
​
​
وبناءً على تلك التحقيقات والمستندات الرسمية، حُكم على توليدو بالسجن لأكثر من 20 عامًا عقب ثبوت تلقيه 35 مليون دولار، وذلك مقابل منح الشركة صفقة شق الطريق الذي يربط بلاده بالبرازيل دون وجه حق.
​
​
ونتيجة لهذا التلاعب والفساد المباشر، قفزت التكلفة الإجمالية لمشروع شق هذا الطريق الحيوي بشكل جنوني من 850 مليون دولار لتصل إلى 2.1 مليار دولار، وهو ما يوضح حجم النهب المنظم الذي طال خزينة الدولة.
​
​
وبالإضافة إلى ذلك، لم تتوقف المحاسبة في بيرو عند هذا الحد، بل حُكم أيضًا على الرئيس السابق أولانتا هومالا بالسجن لمدة 15 عامًا، وذلك بعد إدانته بتمويل حملاته الانتخابية عبر أموال الرشاوى غير المشروعة.
​
​
ومع توالي هذه القضايا، باتت الملاحقات القضائية والتحقيقات الجنائية تطال تقريبًا كافة الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم بيرو خلال هذا القرن، مما يعكس حجم التورط الرسمي في شبكات الفساد المالي والإداري داخل البلاد.
​
​
محاسبة الرؤساء الفاسدين واستقلال السلطة القضائية
​
​
وفي سياق مماثل، امتدت يد العدالة في الأرجنتين لتطال الرئيسة السابقة كريستينا كيرشنر، حيث تمت إدانتها رسميًا بتوجيه 51 عقدًا من عقود الطرق العامة للدولة لصالح شركة يملكها صديقها الفاسد لازارو باييز بطريقة غير قانونية.
​
​
وعقب انتهاء المداولات، أيدت المحكمة العليا الحكم الصادر ضد تلك الرئيسة الفاسدة بالسجن لمدة 6 سنوات، بالإضافة إلى حرمانها مدى الحياة من ممارسة أي عمل عام، ليكون ذلك رادعًا لكل من يستغل منصبه للتربح.
​
​
أما في البرازيل اليوم، فقد صدرت أوامر قضائية تلزم الفاسد فلافيو بولسونارو بتسليم جوازاته الدبلوماسية بعد خسارته جولة الإعادة، وذلك ضمن تحقيقات موسعة تتعلق بقيامه بعمليات غسيل أموال قذرة مرتبطة بشركات ومراهنات إلكترونية مشبوهة.
​
​
ورغم هذه الإجراءات المشددة، تمكن اللص البرازيلي من الهروب عبر الأراضي الأرجنتينية متجهًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية قبل إلقاء القبض عليه، مما يؤكد أن ملاحقة الفاسدين تتطلب يقظة مستمرة وتعاونًا دوليًا لمنع إفلاتهم من العقاب.
​
​
ومن هذا المنطلق، يؤكد البروفيسور ناجي عباس أن تحقيق العدالة الناجزة يحتاج إلى استقلال حقيقي للقضاء لمحاسبة الفسدة والمرتشين، مشيرًا إلى أن أسلوب اللصوص يتكرر دائمًا عبر تبخر المال العام في مشاريع إنشائية يجري تضخيمها عمدًا.
​
​
وبالتزامن مع تضخيم تلك المشاريع، يتم التوسع في الاقتراض ومراكمة ديون ضخمة باسمها، ثم تُسرق هذه الأموال في النهاية ويتم تحويلها إلى حسابات الفاسدين في الخارج، مما يترك البلاد غارقة في أزمات مالية طاحنة.
​
​
غياب الشفافية في مصر وحتمية الحساب

 

ولهذا السبب، تظهر هذه النتائج الكارثية حين تتحكم في مؤسسات الدولة معايير الولاء لمن يدفع وتنتشر الرشاوى بدلًا من الكفاءة، وهو واقع يتكرر في كل البلدان التي يشعر فيها المواطن بغياب سيادة القانون والدستور.
​
​
وبطبيعة الحال، يؤدي هذا الخلل المؤسسي الكبير إلى تراجع معدلات الاستثمار وضعف شعور الانتماء الوطني لدى المواطنين، فضلًا عن تراجع الأخلاق والضمائر في المجتمع نتيجة هيمنة اللصوصية وغياب العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين الأفراد.
​
​
وجدير بالذكر أن حجم الفساد في دول أمريكا اللاتينية قد عُرف للعلن بفضل استقلالية القضاء والإعلام والصحافة هناك، بينما يبقى الفساد غير مرئي، لا غير موجود، في الدول التي تغيب فيها الشفافية وتتوحش أجهزتها الأمنية.
​
​
وختامًا، يشدد البروفيسور عباس على أن استمرار الصفقات المغلقة والاقتراض بلا رقابة في مصر سيقود لأزمة تعجز السلطة عن السيطرة عليها، وحينها سيبدأ الحساب بقسوة وبثمن هائل، لذا فالأرخص بدء المساءلة والتحقيقات قبل انفجار الأزمة.