انتقد مزارعون في عدد من المحافظات الزيادة التي أعلنتها الحكومة في السعر المستهدف لتوريد القمح خلال الموسم الزراعي المقبل، والمقدرة بنحو 150 جنيهًا للأردب، معتبرين أنها لا تتناسب مع الارتفاعات المتلاحقة في تكاليف الزراعة، من الأسمدة والسولار إلى أجور العمالة والكهرباء. وطالبوا برفع سعر التوريد إلى 3000 جنيه للأردب بدلًا من 2650 جنيهًا، لضمان عائد اقتصادي يشجع على زراعة المحصول ويحد من عزوف المزارعين عنه.

 

 

زيادة لا تواكب تكاليف الزراعة

 

وأعلنت الحكومة قبل أيام استهداف رفع سعر توريد أردب القمح من 2500 جنيه إلى 2650 جنيهًا خلال الموسم الزراعي المقبل، بزيادة تبلغ 150 جنيهًا. كما رفعت السعر المستهدف لتوريد طن بنجر السكر إلى 2300 جنيه، مقابل 2000 جنيه سابقًا، وفقًا للبيانات المعلنة.

 

لكن هذه الزيادات لم تلقَ قبولًا لدى عدد من المزارعين، الذين يرون أن تحديد أسعار المحاصيل الاستراتيجية يجب أن يرتبط بحسابات التكلفة الفعلية للإنتاج، وليس بمجرد إضافة مبلغ ثابت إلى السعر السابق.

 

وقال المزارع بالأقصر أحمد أسامة إن السعر المعلن لتوريد القمح لا يتناسب مع الارتفاعات التي شهدتها تكاليف الأسمدة والسولار والكهرباء والعمالة، موضحًا أن المزارع يتحمل أعباء متزايدة منذ بداية الموسم وحتى حصاد المحصول، في حين لا ترتفع أسعار التوريد بالمعدل نفسه.

 

وأضاف أسامة، أن الفارق بين سعر القمح الذي تحصل عليه الدولة من المزارعين وأسعار بعض المنتجات المرتبطة به، مثل الردة والأعلاف، قد يدفع بعض مربي الحيوانات إلى استخدام القمح بديلًا للأعلاف، وهو ما يعكس، بحسب تقديره، اختلالات في تسعير المحاصيل وتوزيعها بين الاستخدامات المختلفة.

 

وتتجاوز المشكلة، وفقًا لهذه الرؤية، مجرد تحديد سعر شراء المحصول في نهاية الموسم، إذ ترتبط بقدرة المزارع على تغطية النفقات طوال دورة الإنتاج، وتوفير هامش ربح يسمح له بمواصلة زراعة القمح في المواسم التالية.

 

 

مزارعو المحافظات تحت ضغط الأسمدة والوقود

 

من جانبه، اتفق نقيب الفلاحين السابق عماد حسين مع انتقادات المزارعين، مشيرًا إلى أن أسعار العديد من مستلزمات الإنتاج الزراعي تضاعفت مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يرفع تكلفة زراعة الفدان ويقلل العائد المتوقع من المحصول.

 

وتظهر هذه الضغوط بصورة واضحة في احتياجات المزارعين اليومية، إذ تمثل الأسمدة والوقود والعمالة عناصر أساسية في تحديد التكلفة النهائية للقمح. كما أن ارتفاع أسعار هذه المدخلات لا يقتصر أثره على مرحلة واحدة، بل يمتد إلى تجهيز الأرض والزراعة والري ومكافحة الآفات والحصاد والنقل.

 

وفي ظل هذه الظروف، يرى مزارعون أن زيادة سعر الأردب بمقدار 150 جنيهًا لا توفر تعويضًا كافيًا عن ارتفاع النفقات، خصوصًا بالنسبة إلى أصحاب الحيازات الصغيرة الذين يعتمدون على دخل المحصول في تغطية احتياجاتهم الزراعية والمعيشية.

 

 

ارتفاع السولار يزيد الأعباء

 

يمثل الوقود أحد أبرز مصادر الضغط على تكلفة الإنتاج الزراعي، بعدما رفعت الحكومة سعر لتر السولار بنحو 17.4% في مارس الماضي، ضمن زيادات شملت مختلف أنواع الوقود، في ظل الضغوط المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.

 

ويستخدم السولار في تشغيل عدد من المعدات والآلات الزراعية، فضلًا عن عمليات نقل المحاصيل ومستلزمات الإنتاج، وهو ما يجعل أي زيادة في سعره قابلة للانعكاس على تكلفة الزراعة في مراحل متعددة.

 

ورغم نفي الحكومة إجراء زيادة جديدة في أسعار الوقود خلال الشهر الحالي، فإن استمرار التوترات الإقليمية والحرب الإيرانية يضيف حالة من عدم اليقين بشأن تكاليف الطاقة خلال الفترة المقبلة.

 

ويقول المزارعون إن تحديد سعر توريد القمح قبل بدء الموسم ينبغي أن يأخذ في الاعتبار المخاطر المرتبطة بتغير أسعار المدخلات، خصوصًا أن المزارع يتخذ قراره بشأن المحصول في وقت مبكر، بينما قد تتغير تكاليف التشغيل قبل انتهاء الموسم.

 

ومن ثم، فإن تثبيت سعر التوريد عند مستوى لا يعكس بصورة كافية التغيرات المحتملة في النفقات قد يضع المزارعين أمام فجوة بين التكلفة الفعلية والعائد الذي يحصلون عليه عند تسليم المحصول.

 

 

الأسمدة أزمة متجددة في الحقول

 

وتبرز الأسمدة ضمن أبرز المشكلات التي يستند إليها المزارعون في المطالبة بإعادة النظر في السعر المستهدف للقمح، في ظل التفاوت بين الأسعار المعلنة وتكلفة الحصول على بعض المستلزمات من السوق الحرة.

 

وقال رئيس اتحاد الفلاحين محمد فرج إن الزيادة المعلنة في سعر الأردب لا تغطي حتى الفارق في أجور العمالة بين الموسم الماضي والموسم المقبل، مع استمرار ارتفاع تكاليف الزراعة.

 

وأضاف فرج، أن سعر شيكارة الأسمدة في السوق الحرة يصل إلى نحو 1200 جنيه، بينما تتراوح أسعارها لدى بعض تجار القطاع الخاص بين 1400 و1700 جنيه، مشيرًا إلى وجود فجوة بين التصريحات الرسمية بشأن توافر الأسمدة وما يواجهه المزارعون فعليًا عند محاولة الحصول عليها.

 

ويعني هذا التفاوت أن تكلفة الإنتاج قد تختلف من مزارع إلى آخر وفقًا لمصدر حصوله على الأسمدة ومدى توافر الكميات التي يحتاج إليها، وهو ما يصعّب تحديد هامش الربح المتوقع، خصوصًا لدى المزارعين الذين يضطرون إلى اللجوء للسوق الحرة لتغطية احتياجاتهم.

 

كما أن ارتفاع أسعار الأسمدة يضع المزارع أمام معادلة صعبة، تتمثل في تحمل تكلفة المدخلات بالأسعار المتاحة أو تقليص استخدامها، بما قد يؤثر في إنتاجية الأرض. وفي الحالتين، تتزايد الضغوط على العائد النهائي، سواء بسبب ارتفاع النفقات أو احتمال تراجع المحصول.

 

ومن هنا، لا ترتبط مطالب رفع سعر التوريد بالسعر وحده، بل تشمل أيضًا ضرورة تحسين إتاحة مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، وتقليص الفجوة بين الأسعار المدعومة والأسعار المتداولة خارج القنوات الرسمية.

 

 

سعر القمح بالدولار يكشف الفجوة

 

وتتصل اعتراضات المزارعين أيضًا بتراجع القيمة الفعلية لسعر التوريد عند احتسابه بالدولار، في ظل انخفاض قيمة الجنيه أمام العملة الأمريكية خلال الفترة الأخيرة.

 

وقال المدير العام لشركة «ميدترنين للتجارة» هشام سليمان إن السعر المستهدف للموسم المقبل لا يعكس زيادة كافية مقارنة بالموسم السابق، موضحًا أن سعر توريد القمح خلال الموسم الماضي، البالغ 16500 جنيه للطن، كان يعادل نحو 320 دولارًا عند سعر صرف يبلغ 47 جنيهًا للدولار.

 

وأضاف سليمان، في تصريحات لموقع «المنصة»، أن السعر المستهدف للموسم المقبل يعادل نحو 315 دولارًا للطن، وفقًا لسعر صرف يبلغ أكثر من 56 جنيهاً للدولار، بما يعني أن القيمة الدولارية للسعر الجديد تقل عن المستوى المسجل خلال الموسم السابق، رغم الزيادة الاسمية بالجنيه.

 

وكان سعر صرف الدولار قد تجاوز 56 جنيهًا في بعض التعاملات خلال الأسبوع الحالي، مع خروج تدفقات من الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين على خلفية تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، وهو ما يزيد الضغوط على تكلفة السلع والمدخلات التي تتأثر بالأسعار العالمية.

 

وأشار سليمان إلى أن السعر العالمي للقمح يبلغ نحو 325 دولارًا للطن، معتبرًا أن السعر المحلي المستهدف لا يوفر حافزًا كافيًا للمزارعين، وأن رفع سعر التوريد إلى 3000 جنيه للأردب سيكون أقرب إلى تحقيق عائد مجزٍ، ويشجع على التوسع في زراعة المحصول.

 

وتكشف هذه المقارنة عن اختلاف بين الزيادة الاسمية التي تعلنها الحكومة بالجنيه والقيمة الفعلية للسعر عند احتسابها بالدولار. لكن تقييم جدوى السعر المحلي لا يتوقف على المقارنة الدولية وحدها، بل يتطلب أيضًا مراعاة تكاليف الإنتاج المحلية، ومستويات الإنتاجية، ونفقات النقل والتخزين، إلى جانب آليات تسليم المحصول.

 

 

مطالب بزيادة السعر إلى 2750 جنيهًا

 

في المقابل، يرى ممثلو قطاع الحبوب أن رفع سعر التوريد قد يكون ضروريًا في ضوء الزيادات المتوقعة في تكاليف الإنتاج، لكن تقديراتهم بشأن السعر المناسب تختلف عن مطالب المزارعين.

وقال نائب رئيس غرفة الحبوب باتحاد الصناعات عبد الغفار السلاموني إن هناك مطالبات بزيادة سعر توريد القمح بنحو 100 جنيه إضافية للأردب، متوقعًا أن يصل السعر خلال موسم التوريد المقبل إلى نحو 2750 جنيهًا، في ضوء الزيادات المحتملة في الأسعار.