تواصل آليات الاحتلال الإسرائيلي ارتكاب مجازرها المروعة بحق المدنيين في مختلف مناطق قطاع غزة، مخلّفة عشرات الضحايا والجرحى بين أنقاض البيوت المهدمة ومخيمات الإيواء المستهدفة بالقذائف الحارقة.
وحيث تتصاعد وتيرة الاغتيالات الميدانية عبر الطائرات المسيرة، يسقط الشهداء تباعاً في دير البلح والنصيرات، وسط دمار هائل يبتلع مقومات الحياة والبنى التحتية المحاصرة منذ شهور طويلة.
حمم المسيرات تدمر مراكز الإيواء
إذ استهدفت طائرة مسيرة تابعة لجيش الاحتلال محيط الجامعة الإسلامية بمدينة غزة بعدة صواريخ، ما أسفر عن وقوع إصابات بالغة في صفوف النازحين المتواجدين داخل مراكز الإيواء المجاورة.
وعلاوة على ذلك، استشهد مواطن فلسطيني إثر قصف مباشر نفذته مسيرة إسرائيلية استهدف تجمعاً للمدنيين شرقي مدينة دير البلح، في مشهد يعكس الإصرار على تصفية كل حركة بشرية في المنطقة.
في حين لفظت طفلة أنفاسها الأخيرة داخل المستشفى متأثرة بجراحها الخطيرة، عقب إصابتها برصاص قناصة الاحتلال المتمركزين على مشارف دير البلح، وسط عجز طبي حاد في غرف العناية المركزة.
ومن جهة أخرى، ألقت الطائرات المسيرة قنابل متفجرة شديدة التأثير فوق منازل المواطنين في الأحياء الشرقية لمدينة غزة، لتروع العائلات المحاصرة داخل الغرف المتبقية من منازلهم المتصدعة بفعل الغارات.
وبناءً عليه، يرى أستاذ القانون الدولي وفض النزاعات في جامعة جنيف، ماركو ساسولي، أن توجيه المقذوفات الذكية نحو تجمعات الإيواء يمثل انتهاكاً جسيماً لمعاهدات جنيف ومبدأ التمييز الإنساني الملزم.
ومع استمرار هذا التصعيد، أطلقت الزوارق الحربية نيران رشاشاتها الثقيلة وقذائفها المدفعية باتجاه الشريط الساحلي لقطاع غزة، مستهدفة قوارب الصيادين ومخيمات اللاجئين المقامة على طول الشاطئ المحاصر.
وعلى صعيد متصل، أسفرت الأعيرة النارية الحية التي أطلقها جنود الاحتلال قرب قرية المصدر وسط القطاع عن ارتقاء شهيد جديد، ظل ينزف لساعات طويلة بسبب منع طواقم الإسعاف من الوصول إليه.
فضلاً عن ذلك، تؤكد البيانات الميدانية أن حصيلة الضحايا تجاوزت منذ أكتوبر الماضي أرقاماً غير مسبوقة في التاريخ الحديث، بعدما تحولت الأحياء المكتظة بالسكان إلى مقابر جماعية مفتوحة أمام العالم.
وبالتوازي مع ذلك، ترتفع معدلات بتر الأطراف بين المصابين يومياً داخل المستشفيات المتبقية، جراء استخدام أسلحة محرمة دولياً ومقذوفات انشطارية تصيب أجساد الأطفال والنساء بجروح يستحيل علاجها محلياً.
عمليات نسف ممنهجة تعيد الترسيم
بينما أقدمت الفرق الهندسية التابعة لجيش الاحتلال على تنفيذ عمليات نسف واسعة النطاق لمربعات سكنية بأكملها شرقي مدينة غزة، لتسويتها بالأرض بصورة تفصل القطاع إلى معازل معزولة تماماً.
وفي غضون ذلك، نفذت القوات المتوغلة عمليتي تفجير ضخمتين في محيط مخيم البريج، أسفرتا عن تدمير عشرات المنازل الواقعة داخل ما يسمى الخط الأصفر، وحرمان آلاف العائلات من مأواهم.
كذلك وجهت الدبابات المتمركزة فوهات مدافعها صوب مخيم النصيرات، حيث أطلقت النار بكثافة وبصورة مباشرة نحو الخيام المؤقتة المصنوعة من القماش والبلاستيك، لتوقع خسائر بشرية ومادية فادحة.
ومن هذا المنطلق، يؤكد مدير برنامج رصد النزاعات في معهد ستوكهولم الدولي، دان سميث، أن إبادة الأحياء السكنية بالمتفجرات الهندسية تهدف لفرض أمر واقع ديموغرافي وجغرافي يستحيل إصلاحه مستقبلاً.
وبالإضافة إلى ذلك، تمنع القوات الإسرائيلية الآليات الإنسانية وفرق الدفاع المدني من انتشال جثامين العشرات المدفونين تحت أنقاض الكتل الخرسانية المنهارة، متجاهلة كافة النداءات الحقوقية والطبية الصادرة بهذا الخصوص.
وعلى هذا الأساس، يواصل الطيران الحربي فرض أحزمة نارية متواصلة تحاصر المناطق الشرقية، لعزل السكان وحرمانهم من الوصول إلى الآبار المتبقية أو المرافق الأساسية الصالحة للاستخدام الإنساني الآدمي.
تبعاً لذلك، تواجه بلديات القطاع شللاً كاملاً في إزالة الركام وفتح الشوارع المغلقة، ما يهدد بانهيار بيئي كارثي وانتشار الأوبئة الفتاكة تحت الأنقاض التي تحوي جثثاً متحللة لم تُنتشل بعد.
واستناداً إلى الواقع، تفرض هذه الإجراءات الميدانية واقعاً احتلالياً قسرياً يلتهم المساحات الزراعية المتبقية في المنطقة الوسطى، لحرمان الفلسطينيين من مصادر غذائهم الذاتية وتجويعهم بصورة منهجية غير مسبوقة.
حصار خانق يخنق أنفاس السكان
في المقابل تتفاقم الأزمة الصحية باطراد مخيف نتيجة إغلاق المعابر ومنع تدفق المستلزمات الطبية والوقود المشغل لمولدات المستشفيات، ما يهدد بإطفاء أجهزة دعم الحياة عن آلاف المرضى والمصابين.
ومن زاوية أخرى، يؤدي الشلل التام للقطاع الاقتصادي إلى اتساع رقعة المجاعة بين مئات آلاف النازحين المتكدسين في المناطق الوسطى والجنوبية، في ظل ندرة حادة في مياه الشرب والمواد الغذائية.
وعلى صعيد الحراك، يقابل هذا الإجرام بصمت رسمي من قبل قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، الذي يواصل إحكام السيطرة على معبر رفح، مانعاً تدفق المساعدات وحركة الجرحى بصورة منتظمة.
إلى جانب ذلك، يرى كبير باحثي السياسات في مركز الشرق الأوسط ببروكسل، مايكل ماير، أن إغلاق الحدود في وجه المحاصرين يشكل مشاركة فعلية في فرض سياسة الإخضاع الجماعي القسري.
نتيجة لذلك، يضطر الأطباء لإجراء العمليات الجراحية المعقدة دون استخدام مواد التخدير الأساسية، مستعينين ببدائل بدائية في محاولة يائسة لإنقاذ أرواح المصابين بالقصف المدفعي والجوي المتواصل ليل نهار.
وفي هذا السياق، ارتفعت حصيلة الضحايا بحلول يناير الجاري لتسجل أرقاماً مفزعة تفضح زيف المنظومة الدولية، التي تعجز عن محاسبة قادة الاحتلال أو ردعهم عن سفك دماء الأبرياء المحرومين من الحماية.
تأسيساً على ذلك، تنهار منظومة التعليم والصحة تماماً في غزة، بعد تحول المدارس والمستشفيات إلى أهداف مستباحة لقذائف المدافع ونيران الأسلحة الرشاشة المنطلقة من الزوارق والدبابات المتوغلة في الشوارع.
واستمراراً للمأساة، يعيش سكان القطاع تحت وطأة الرعب اليومي المستمر، حيث تلاحقهم القذائف من البحر والجو والبر دون وجود مكان آمن يحميهم من آلة الموت الإسرائيلية المستعرة.
وختاماً يثبت الواقع الميداني أن استمرار هذه الممارسات العدوانية الوحشية لن يكسر إرادة الشعب الفلسطيني الصامد، رغم شراسة التدمير والتواطؤ الإقليمي والدولي الذي يغذي استمرار المذبحة المفتوحة بلا هوادة.

