تتسارع خطى السلطة الحاكمة نحو إعادة هندسة المشهد الإداري عبر تدشين برامج نخبوية مغلقة تمتد 30 شهرًا، بينما يقبع آلاف الباحثين من حملة الماجستير والدكتوراه على أرصفة البطالة والتهميش الوظيفي الممنهج.
​
​
وحيث أثار إعلان قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي تأهيل كوادر محددة لتولي رئاسة الجمهورية والمناصب السيادية موجة غضب واسعة، في ظل انسداد الأفق أمام أصحاب المؤهلات العليا وعجزهم عن نيل حقوقهم المشروعة.

 

 

صناعة الولاء بديلا عن معايير الكفاءة
​
​
إذ يؤكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور حسن نافعة أن الأنظمة الشمولية تلجأ دومًا إلى خلق هياكل موازية عبر دورات تدريبية تابعة للأجهزة الأمنية بهدف ترسيخ الولاء المطلق وليس بناء رجل دولة يمتلك الكفاءة.
​
​
وعلاوة على ذلك، فإن قصر الترقيات الإدارية والمناصب القيادية العليا على خريجي دورات محددة يفرغ المؤهلات الأكاديمية والدرجات العلمية الرفيعة من قيمتها الحقيقية، محولًا المؤسسات العامة إلى مساحات خاضعة للموالين دون غيرهم.
​
​
وبناء على ذلك، تبرز المفارقة الصادمة بين اشتراط الحصول على درجة الدكتوراه للترشح للمناصب العليا وبين تعطيل قدرات أصحاب هذه الدرجات العلمية أنفسهم داخل الجامعات والمراكز البحثية الخاضعة لسياسات التقشف الحكومي.
​
​
ومن هذا المنطلق، لم تعد الدرجة العلمية في حسابات النظام سوى واجهة شكلية تمنح الشرعية لقرارات مسبقة، بينما يُحرم الباحثون الحقيقيون من أبسط درجات التمثيل والمشاركة وصناعة القرار الوطني.
​
​
وفضلا عن ذلك، تؤكد الدكتورة ناهد ماهر الحاصلة على دكتوراه في القانون أن معايير الانتقاء المتبعة تغيب عنها الشفافية، حيث تُستبدل الكفاءات القانونية الراسخة بأشخاص جرى تأهيلهم وفق ولاءات معلنة تخدم بقاء السلطة.
​
​
وفي السياق عينه، يشير الباحثون إلى أن إدارة الدولة لا تتطلب فقط برامج مغلقة تحت إشراف أجهزة تنفيذية، بل تستوجب فهمًا عميقًا للواقع المجتمعي والاقتصادي الذي يعيشه ملايين المواطنين يوميًا.
​
​
وبالمثل، يرى أستاذ الأراضي بجامعة القاهرة الدكتور نادر نور الدين أن الإدارة الرشيدة تحتاج رؤية سياسية وحكمة ميدانية، وليست مجرد نصوص نظرية يتم تلقينها عبر دورات تدريبية شكلية تديرها جهات سيادية.
​
​
وعلى ضوء ذلك، تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يروج للتمكين العلمي، وبين الواقع البائس الذي يجبر الكفاءات الأكاديمية على الانخراط في مهن هامشية لتأمين متطلبات المعيشة الأساسية.

 

 

تسويف حكومي وأرقام حصر مجهولة
​
​
ومن جهته، يوضح أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة حلوان الدكتور مصطفى كامل السيد أن تعمد السلطة إخفاء نتائج حصر الباحثين يمثل تنصلًا كاملًا من الالتزامات الدستورية بالاستثمار في التعليم والبحث العلمي المنتج.
​
​
وبينما وجه المجلس الأعلى للجامعات خطابات في شهر برمودة 2026 لحصر حملة الماجستير والدكتوراه خلال 10 سنوات ماضية، لا تزال تلك الإحصاءات حبيسة الأدراج لتفادي فتح باب التعيينات العامة.
​
​
وتأكيدًا لذلك، لم تكن تلك التحركات سوى حلقة في سلسلة مماطلة ممتدة تعود إلى عام 2019 ومبادرات عام 2021 الوهمية، التي لم تسفر إلا عن تكديس البيانات وتخدير غضب الخريجين.
​
​
وفي الإطار ذاته، كشف النائب رضا عبد السلام عن حرمان نحو 300 ألف باحث من حملة الماجستير والدكتوراه وأوائل الخريجين من الوظائف الرسمية منذ عام 2013، في ظل استمرار تجميد التعيينات الحكومية.
​
​
ورغم أن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وثق منح نحو 122.9 ألف درجة علمية خلال عام 2024 بزيادة 22.2% عن عام 2023 البالغ 100.5 ألف درجة، إلا أن مصير أصحابها ظل مجهولًا.
​
​
ومن المفارقات المسجلة، بلوغ عدد المقيدين بالدراسات العليا 232.3 ألف طالب خلال العام الدراسي 2023/2024، توزعوا بين 41.1% للدبلومات و42.1% للماجستير و16.8% للدكتوراه دون أي خطط تشغيل حكومية.
​
​
ومن جانب آخر، تصدر مجال التعليم قائمة الدرجات بنحو 53.3 ألف درجة بنسبة 43.4%، يليه قطاع الأعمال والقانون بنحو 24.9 ألف درجة، ثم قطاع الصحة بنحو 17.8 ألف درجة.
​
​
وفي المقابل تمامًا، تراجعت الدرجات في مجالات الاتصالات والتكنولوجيا إلى 361 درجة فقط وبنسبة 0.3%، مما يعكس تخبط التخطيط التعليمي وعزلته الكاملة عن احتياجات التطوير التكنولوجي الحديث.
​
​
وبناء عليه، تطالب صفحة "حملة الماجستير والدكتوراه في مصر" بإعلان نتائج الحصر وتحديد خطة تشغيل واضحة، تفند ذرائع تقليص الإنفاق الحكومي وتحمي كرامة الكوادر الوطنية من سنوات الانتظار الطويلة.

 

 

تهجير العقول وإهانة الكفاءات الوطنية
​
​
في حين يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الخالق فاروق أن تدني الحوافز المالية الممنوحة للعلماء العاملين يعبر عن سياسة رسمية متعمدة لتجريف الجهاز الإداري ودفع خيرة العقول إلى الهجرة القسرية.

وعلى سبيل التوضيح، أشار النائب إيهاب منصور إلى تقديم الدولة علاوة هزلية قدرها 100 جنيه لحامل الماجستير و200 جنيه لحامل الدكتوراه، وهو ما يشكل إهانة صريحة لقيمة البحث العلمي ومكانته.
​
​
واتصالًا بذلك، يضطر حملة الشهادات العليا للقبول بأعمال متدنية، وتبرز واقعة مصطفى سالم الحاصل على دكتوراه في القانون ويعمل في محطة وقود كشاهد عيان على انسداد سبل العيش الكريم.
​
​
وتأكيدًا لهذا التدهور، أعلن الدكتور محمود السعيد استنادًا لبيانات دولية عن استقرار 86 ألف باحث مصري بالخارج، بينهم 1883 عالمًا بمجالات نووية نادرة، هروبًا من مناخ الإحباط الداخلي.
​
​
وإضافة إلى ما سبق، يقود علماء مصر 42 جامعة عالمية، ويتولى أحدهم حقيبة البحث العلمي في كندا، فضلًا عن وجود 3 أعضاء مصريين بمجلس الطاقة الإنمائي من أصل 16 مقعدًا.
​
​
ومع ذلك، يصر نواب في البرلمان مثل نيفين فارس ومحمد نصر الأسيوطي على تقديم مقترحات لمسابقات مركزية ومراكز بحث تطبيقي ترتطم جميعها بجدار التجاهل الحكومي وغياب المخصصات المالية الحقيقية.
​
​
ونتيجة لذلك، يتجه ميزان أولويات الدولة نحو إغداق الموارد على دوائر الحراسة والولاء، تاركًا الباحثين فريسة سهلة للضياع والفقر وتدني الأجور داخل المؤسسات التي أمضوا سنوات لتطويرها.
​
​
وعليه، يظل برنامج الـ 30 شهرًا واجهة زائفة لتوريث المواقع الحيوية، مكرسًا سياسة هدر الموارد البشرية وإقصاء العقول الأكاديمية لحساب طبقة إدارية هجينة تدين بالولاء لشخص الحاكم فقط.