تندفع أسواق الخضروات في مصر نحو موجة غلاء جديدة غير مسبوقة، بالتزامن مع اقتراب سعر قفص الطماطم من 500 جنيه خلال تعاملات شهر نوفمبر الحالي، ليعيد المشهد تفجير التساؤلات العميقة حول غياب الرقابة على تداول السلع.
​
​
ويأتي هذا الارتفاع المتسارع ليربك ميزانيات ملايين الأسر الفقيرة التي تعتمد على هذا المحصول كعنصر غذائي يومي رئيسي، في وقت تتسع فيه الفجوة بين قدرات المواطنين الشرائية والأسعار المفروضة جبرًا في محلات التجزئة بمختلف المحافظات.

 

 

انهيار المساحات المزروعة يعمق الأزمة
​
​
إذ يؤكد نقيب عام الفلاحين والخبير الزراعي حسين عبدالرحمن أبو صدام، أن وصول سعر القفص حاليًا إلى 350 جنيهًا يسقط الادعاءات الرسمية التي تحصر أسباب الأزمة فقط داخل الإطار المناخي الضيق لفاصل العروة المعتاد سنويًا.
​
​
ويضيف أبو صدام في تشخيصه الفني للوضع الميداني، أن الأزمة الجارية تنبع مباشرة من الانخفاض الحاد في المساحات المنزرعة بالمحصول، نتيجة تعرض آلاف المزارعين لخسائر مالية قاسية خلال المواسم السابقة دون تقديم أي ضمانات حكومية لتعويضهم.
​
​
وبناءً على ذلك، اضطر صغار الفلاحين إلى هجر زراعة الطماطم هذا الموسم والتحول نحو محاصيل بديلة أقل تكلفة ومخاطرة، بعدما عجزت أسعار البيع بالحقول في الأشهر الماضية عن تغطية التكاليف التشغيلية ومصروفات الإنتاج المتصاعدة باستمرار.
​
​
وفي السياق ذاته، تسهم برودة الطقس المتوقعة مع نهاية الخريف في تأخير نضوج الثمار بالأراضي الزراعية، الأمر الذي يقلص المعروض التراكمي في أسواق الجملة بصورة يومية ويدفع الأسعار إلى مستويات قياسية تفوق طاقة المستهلكين.
​
​
علاوة على ذلك، لجأ كبار المنتجين في المناطق الصحراوية المستصلحة حديثًا إلى تأخير جني المحصول وإبقائه على الشجيرات عمدًا، بهدف التحكم في الكميات المتدفقة للأسواق والمناورة بالأسعار قبل أن ينفد المعروض تمامًا وتتلاشى قدرتهم على التخزين.
​
​
ونتيجة لتلك الممارسات العشوائية، تتجه وتيرة صعود الأسعار نحو انفلات حاد مع حلول شهر ديسمبر القادم، خصوصًا في ظل عجز الجهات الإدارية المعنية عن ضبط حركة تداول المحاصيل من الحقل مباشرة حتى محال بيع التجزئة.
​
​
ومن جهة ثانية، تبرز هذه التطورات هشاشة إدارة المنظومة الإنتاجية في البلاد، حيث تترك الدولة الفلاح فريسة للتقلبات السعرية دون تفعيل أدوات دعم واضحة، ما يجعل التراجع في حجم المعروض نتيجة حتمية لغياب التخطيط الشامل للرقعة الزراعية.
​
​
وعلى صعيد موازٍ، يواجه الفلاحون عبئًا ماليًا خانقًا بسبب قفزات أسعار المحروقات والأسمدة في السوق الحرة، مما يحرمهم من تحقيق أي هوامش ربح عادلة تدفعهم لمواصلة زراعة المحاصيل الإستراتيجية ذات الاستهلاك الشعبي الواسع في الوادي والدلتا.
​
​
تبعًا لذلك، تبدو موجة الغلاء الراهنة محطة جديدة في سلسلة أزمات متصلة تصيب السلع الغذائية الأساسية، مما يعكس غياب الإرادة الإدارية لتنظيم حركة الإنتاج الزراعي وتوفير مستلزمات التشغيل بأسعار تناسب المزارعين الصغار في القرى والنجوع.

 

 

تخبط التخطيط الحكومي يهدد الإنتاج
​
​
وفي هذا المضمار، يرى أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة الدكتور جمال صيام، أن وصول مصر للمركز الخامس عالميًا بإنتاج يتجاوز 400 ألف فدان طوال العام، يتناقض جذريًا مع حدوث انفلات جنوني متكرر لأسعار الطماطم بالأسواق المحلية.
​
​
ويوضح صيام أن غياب السياسات التسويقية المتوازنة يضع المنتج والمستهلك معًا في دائرة استنزاف مستمرة، حيث يدفع الفلاح ثمن فائض الإنتاج بانهيار الأسعار وتراكم الديون، بينما يتحمل المواطن وحيدًا أعباء الغلاء الصارخ عند شح المعروض.
​
​
ومن هذا المنطلق، تظهر السياسات الزراعية عاجزة عن امتصاص الصدمات السعرية وتوفير مخزونات كافية من خلال التصنيع الغذائي، إذ تُهدر آلاف الأطنان من المحصول دوريًا في مواسم الوفرة دون وجود بنية تحتية ملائمة لتجفيفها وتصنيعها لحساب الدولة.
​
​
فضلًا عن ذلك، يدفع إصرار الأجهزة التنفيذية على تجاهل إنشاء صندوق مالي لدرء مخاطر الكوارث الزراعية، آلاف المزارعين نحو حافة الإفلاس الحتمي، مما يجردهم من قدرتهم المالية على تمويل العروات الإنتاجية التالية وإعادة زراعة أراضيهم الشاغرة.
​
​
وبالتوازي مع ذلك، يتفاقم الغلاء بفعل تحكم طبقات متتالية من الوسطاء والسماسرة في أسواق العبور و6 أكتوبر، دون أن تطبق السلطات المعنية أي سقوف سعرية رقابية عادلة توقف هوامش التربح غير المبررة على حساب جيوب المواطنين.
​
​
استنادًا إلى هذه المعطيات، يتبين أن تحميل العوامل المناخية وفواصل العروات مسؤولية الغلاء يعد التفافًا على جوهر المشكلة الحقيقية، المتمثلة في عشوائية إدارة الملف الزراعي وتهميش متطلبات صغار المزارعين لحساب مستوردي مستلزمات الإنتاج والتجار المحتكرين للأسواق.

غير أن السياسات الاقتصادية الراهنة التي يقودها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي تمضي في تقليص مخصصات الدعم الزراعي وإلغاء التسعير العادل، مما تسبب في إضعاف الأمن الغذائي القومي للمصريين ورفع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية.
​
​
إلى جانب ذلك، تسهم قرارات رفع أسعار السولار والكهرباء المتلاحقة في مضاعفة تكلفة الري والنقل، مما يجبر المنتجين على تحميل تلك الزيادات الإضافية مباشرة على سعر بيع السلعة النهائي للمواطن في كافة شوارع الجمهورية.
​
​
ومع استمرار هذا النهج التفكيكي للدور الاجتماعي للدولة، تتحول السلع الاستراتيجية مثل الطماطم إلى عبء مالي باهظ على الأسر البسيطة، بينما تتنصل الوزارات المعنية من واجباتها في التدخل لضبط توازن الأسواق وتوفير الدعم الحقيقي للمزارعين.

 

 

غياب الزراعة التعاقدية يعصف بالفلاح
​
​
وفي السياق نفسه، يشدد أستاذ الأراضي والسياسات الزراعية بجامعة القاهرة الدكتور نادر نور الدين، على أن بقاء ملف استيراد تقاوي الطماطم بالكامل تحت رحمة الشركات الأجنبية يكرس التبعية للخارج ويزيد تكلفة الزراعة بنسب مضاعفة سنويًا.
​
​
ويشير نور الدين إلى أن الحل الحقيقي يفرض التوسع الفوري في استنباط التقاوي محليًا وتفعيل الزراعة التعاقدية الشاملة، لحماية الفلاحين من الوقوع فريسة لتقلبات السوق الحرة وكسر شوكة المحتكرين المتلاعبين بمدخلات ومخرجات الإنتاج الزراعي في مصر.
​
​
انطلاقًا من ذلك، يستدعي تصحيح مسار القطاع الزراعي وضع خريطة محاصيل دقيقة وجدول زمني ملزم للمواسم الزراعية، بما يحقق التوازن المنشود بين متطلبات الاستهلاك الشعبي المحلي والطاقات الإنتاجية الحقيقية المتوفرة في مختلف الأراضي المصرية.
​
​
بيد أن الجهات المسؤولة تواصل تعطيل القوانين الملزمة للزراعات التعاقدية في المحاصيل البستانية، مما يمنح التجار الكبار سلطة فرض أسعار متدنية على الفلاح في الحقول، ثم بيع المحصول ذاته بأسعار خيالية وجائرة للمستهلكين في المدن.
​
​
إزاء هذا الواقع المرير، تزداد مخاوف الجمعيات الفلاحية من استمرار موجات انكماش الرقعة المخصصة للخضروات الإستراتيجية خلال العام المقبل، نتيجة انعدام الأمان الاقتصادي وتكرار كوارث الخسائر المالية غير المعوضة في صفوف جموع المزارعين الصغار.
​
​
ومرد ذلك إلى غياب رؤية استراتيجية حكومية مستدامة تحول دون تحول الأزمات الموسمية المتكررة إلى أزمات هيكلية دائمة، وهو ما يجعل المواطن البسيط والمزارع الصغير الطرفين الوحيدين اللذين يتحملان كامل فاتورة هذا الفشل الإداري.
​
​
وعليه، فإن استمرار تصاعد أسعار قفص الطماطم نحو حاجز 500 جنيه يبعث بإنذار خطير حول ما ستؤول إليه أسعار بقية السلع الغذائية الشتوية، في حال استمر غياب الدعم الحكومي وتجاهل أزمات المستلزمات التي تكبل المزارعين.
​
​
ختامًا، يقف المستهلك المصري مجددًا أمام مشهد معيشي قاحل يلتهم ما تبقى من مدخراته، وسط غياب تام لأي معالجات جذرية تنتشل قطاع الزراعة من أزماته المتراكمة وتحمي السلع الأساسية من سطوة التحرير السعري العشوائي.