عمر سمير
كاتب وباحث مصري
في خطابه، في 14 أكتوبر الجاري، ضمن الندوة التثقيفية 44 للقوات المسلحة المصرية، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي، في كلمة مطولة، إنه تحدث إلى شيخ التنقيب الذي أكد له أن الدولة المصرية لا تملك ثروات، قائلًا: "معندناش ثروات.. وبقولكم كلكم.. علشان محدّش يتوهم أنه في الدولة المصرية ثروات.. جبت شيخ التنقيب وكان عنده 85 سنة.. بقوله إيه أخبارنا على خريطة الثروة المعدنية؟.. قالي عندنا ثلاث حاجات.. وأنا لما بتكلم عن ثروة يعنى حجم هائل.. وعلشان يبقى عندك كميات كبيرة تمثل دخل ريعي.. واللي عندنا رمل ورخام وحجر جيري.. وكل الناس المعنية بهذا الأمر يردّوا عليا ويقولوا غير ده". فهل حقًا لا تملك مصر سوى هذه الأشياء الثلاثة بكميات هائلة تشكل دخلًا ريعيًا؟
يتناقض هذا الحديث مع خطابات الرئيس ووزير البترول والثروة المعدنية في افتتاح منتدى مصر للتعدين في نهاية سبتمبر الماضي، وأن الدولة ملتزمة بإنجاح استثمارات المستثمرين في مصر، واستعراض الثروات التي تمتلكها البلاد. ويا للعجب، لم يكن من بينها عرضٌ حول الرمل أو الرخام أو الحجر الجيري، بل جرى عرض فيلم تسجيلي عن منجم السكري. وشمل البرنامج كذلك كلمتي الرئيس التنفيذي لمجموعة أستراليا - أفريقيا للمعادن والطاقة دوج هوراك، والرئيس والمدير التنفيذي للمجلس الدولي للتعدين والمعادن روهيتش داوان، ثم كلمة المديرة العالمية لقطاع المعادن والخامات في مجموعة البنك الدولي نامراتا ثابار، والتي تلاها بث مباشر من عدة مواقع للتعدين المختلفة في مصر، فهل قيل لأهم مسؤولي التعدين في العالم إن مصر لا تملك سوى الرمل والحجر الجيري والرخام مثلًا؟
العجيب أن وزير البترول والثروة المعدنية المهندس كريم بدوي ذكر في كلمته المنشورة على موقع الهيئة العامة للاستعلامات في 28 سبتمبر الماضي، في افتتاح فعاليات النسخة الخامسة لمنتدى مصر للتعدين، أن مصر تعمل على رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 6% في المرحلة المقبلة، وزيادة الاستثمارات والشركات العاملة، والتوسع في مشروعات التصنيع وتعظيم القيمة المضافة. كما أعلن الوزير أن الأشهر الثلاثة الأولى منذ إطلاق نظام طرح القطاعات التعدينية بنظام المناطق المفتوحة في 10 يونيو الماضي شهدت تقدم 119 شركة، من بينها أكثر من 14 شركة أجنبية من دول شملت أستراليا والمملكة المتحدة وكندا والسعودية وتركيا وجنوب أفريقيا والهند والصين. وأوضح أن هذه الشركات قدمت 403 عروض على 118 قطاعًا من إجمالي 335 قطاعًا تم طرحها، تمتد على مساحات تقارب 45 ألف كيلومتر مربع، وتشمل قطاعات واعدة لخامات الذهب والفوسفات والتلك والكاولين وغيرها من خامات ومعادن. فهل هناك دولة لا تملك سوى الرمل والحجر والرخام يمكن أن تستهدف هذه الأرقام وتقيم منتدى للتعدين دوريًّا وتحضره هذه الأعداد من مسؤولي الشركات؟ أم هل كانت هذه التعاقدات في الرمال والحجر والرخام؟
ويا للمفارقة، جاءت مصر في المرتبة الـ31 عالميًا من حيث إنتاج المعادن عام 2024، وفقًا لتقرير بيانات التعدين العالمية لعام 2026، كما أنه ووفقًا لبيانات التجارة الخارجية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت قيمة صادرات مصر من المعادن الثمينة 3261.9 مليون دولار في 2024، تليها صادرات الحديد بنحو 2208.7 ملايين دولار، والنحاس بنحو 1041.2 مليون دولار، ثم المعادن الثمينة، وليس من بين هذه الأشياء لا الرخام ولا الحجر الجيري أو الرمل أيضًا.
صحيحٌ أن الصادرات الاستخراجية إذا ما استبعدنا منها البترول ومشتقاته لا تزال محدودة، لكن هذا لا يدعو إلى القول إن مصر لا تملك سوى رمل ورخام وحجر جيري أبدًا، فهذا كلام مضلل وغير دقيق بالمرّة، فوفقًا لوزارة البترول والثروة المعدنية، تمتلك مصر ثروات وفرصًا واحتياطيات هائلة في الذهب، والفوسفات، والتلك (معدن طبيعي) والكاولين (طين أبيض ناعم) بالإضافة للحديد والنحاس وخامات أخرى، وهي فرص وثروات تؤكّدها التقارير الدولية أيضًا، كما أن ضعف إنتاج بعض هذه المعادن لا يعني عدم وجودها بكميات كبيرة، يمكن أن تشكل دخلًا ريعيًا مهمًّا للدولة المصرية.
ألم تكن مصر من أكبر مصدّري الغاز الطبيعي المسال ومركزًا إقليميًا لتصدير الطاقة وفق خطابات سابقة للرئيس نفسه ووزرائه؟ هل استنزفنا هذه الثروة حتى تحولنا مستوردين كبارًا في سنوات معدودة، ومن المسؤول عن هذا؟ هل هم المائة مليون مواطن الذين يقول الرئيس السيسي أنه "محدّش يقدر يكون مسؤل عنهم وحده"؟
لدى الحكومة والمسؤولين والرئيس، إذًا، خطاب عند الحديث للمستثمرين وآخر عند الحديث للمصريين، يبرز في خطاب المسؤولين للمستثمرين التفاؤل بالفرص والثروات والإمكانات والاستقرار والبنية التحتية والإنجازات التي تسهل أعمالهم، فيما يبرز في خطابهم للمصريين خطاب التخويف من المستقبل وعدم الاستقرار والتشاؤم بشأن ضعف الثروات والإمكانات وحديث الأعباء والمسؤوليات المشتركة، فأي الخطابين نصدّق: خطاب المستثمرين أم خطاب المواطنين؟
في الأخير، قد لا تكون مصر ضمن الأغنى في المعادن عالميًا، لكنها تمتلك ثروات معدنية في الحدود التي تسمح بتنميتها على الدوام عبر الاستكشافات وبناء صناعات استراتيجية حولها، والحكومات ينبغي أن يتسّق خطابها الموجّه إلى الداخل والخارج معًا، وأن تبيع للناس الأمل بلا أوهام وأن تضمن نجاح استثمارات المواطنين، مثل ما تتعهّد كثيرًا بضمان نجاح الاسثتثمارات الأجنبية، وتقدّم لها المزيد من التسهيلات والتعديلات في القوانين والسياسات.

