تفرض الأزمة الاقتصادية الطاحنة في مصر تساؤلات جوهرية حول مصير الوظيفة الاجتماعية المستقلة للمجتمع المدني التي تعرضت للتجريف منذ يوليو 2013، عقب مصادرة مئات الجمعيات والمستشفيات والمدارس بدعوى ملاحقة جماعة الإخوان المسلمين.
وفي هذا السياق، تتجاوز القضية مجرد الدفاع عن تنظيم سياسي أصاب وأخطأ في برنامج حزب الحرية والعدالة عام 2007 وتصريحات ما بعد الانقلاب العسكري، لتتصل بإنقاذ شبكة التكافل المجتمعي الشاملة.
تفكيك شبكات التكافل وتفاقم الفقر
وعلى أرض الواقع، لم تكن منظومة الرعاية السائدة قبل يوليو 2013 ملكية حصرية لفصيل سياسي منفرد، بل شكلت فضاء واسعا ضم جمعيات إسلامية مستقلة ومساجد ولجان زكاة ونقابات وأطباء ومعلمين ومهندسين وتجارا.
غير أن تلك التجربة شابتها ثغرات بنيوية نتيجة اختلاط العمل الدعوي بالحزبي والاجتماعي، وضعف الحدود المؤسسية، وغياب الشفافية الكافية، مما جعل ارتباط بعض الكيانات بشخصيات سياسية ثغرة عصفت بها لاحقا.
وفي المقابل، أطبق النظام بعد يوليو 2013 على المجال الأهلي عبر مصادرة عشرات المدارس والمستشفيات والجمعيات الخيرية، متجاوزا محاسبة الأفراد قانونيا إلى تقويض البنية التحتية للعمل التطوعي المستقل في البلاد.
ورغم إعلان الحكومة في أغسطس 2026 تغطية برنامج تكافل وكرامة لنحو 4.7 مليون أسرة تضم 17 مليون مواطن بميزانية سنوية تبلغ 54 مليار جنيه، فإن أثر هذه المخصصات يظل غائبا.
وعلاوة على ذلك، عجز التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي، الذي أسسه قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بموجب القانون رقم 171 لسنة 2023 ولائحته التنفيذية في 2024، عن تعويض المبادرات الشعبية.
ونتيجة لذلك، خسرت مصر 5 ركائز حيوية شملت التعددية المؤسسية، والشبكات المحلية بالقرى، ورأس المال التطوعي، وتحويل القيم الدينية لممارسة منظمة، والقدرة على امتصاص الصدمات التي أطالت حكم مبارك 30 عاما.
ومن ناحية أخرى، تتجلى المفارقة التاريخية في قفزة مستفيدي تكافل وكرامة من 1.7 مليون أسرة عام 2015 إلى 4.7 مليون أسرة خلال عامي 2025 و2026 بالتزامن مع تهاوي الجنيه واتساع الفقر.
وفي ضوء هذه المعطيات، يؤكد الدكتور عبد الخالق فاروق، الخبير الاقتصادي ومدير مركز النيل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن السياسات الحكومية الراهنة فاقمت إفقار الطبقة الوسطى، وأن المعاشات النقدية لا تعوض شبكات التكافل.
وفضلا عن ذلك، تضطر السلطة نفسها للإقرار بعجزها المنفرد عن سد الفجوة المعيشية، إذ تعجز قواعد البيانات الرسمية عن رصد أرملة تفتقر لثمن الدواء أو إرسال متطوعة أسبوعيا لرعاية يتيم.
القبضة الأمنية وتجريف العمل الأهلي
وعلى صعيد متصل، طغى الهاجس الأمني على تعامل أجهزة الدولة مع المجتمع الأهلي في خضم الصراع السياسي، فتحول الاشتباه إلى بديل عن الدليل، وبات الانتماء الفكري تهمة تعطل المبادرات السلمية.
وبناء على ذلك، أدى تجميد الأنشطة الخيرية بسبب المواقف السياسية لمؤسسيها إلى حرمان الفقراء من الرعاية، بينما يقتضي الأمن الحقيقي مراقبة المال ومنع العنف دون مصادرة حق الشباب في التطوع.
وفي غضون ذلك، استبدلت السلطات القانون رقم 70 لسنة 2017 بقانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019 ولائحته التنفيذية الصادرة عام 2021، متضمنا بابا للتطوع وصندوقا لدعم المشروعات.
إلا أن الممارسات التنفيذية والقيود الإدارية لا تزال تمنح الأجهزة الرقابية سلطة واسعة للتدخل في شؤون الجمعيات، مما فجر أزمة ثقة عميقة بين الدولة والمواطنين والمتبرعين حول مصير العمل القانوني.
ومن جهته، يوضح الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن تأميم المجال العام وإخضاع الجمعيات للوصاية الأمنية شل قدرة المجتمع على التنظيم الذاتي.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن تقييم خسائر مصر بعد يوليو 2013 يتجاوز اختزال الأزمة في غياب جماعة سياسية، ليرصد تراجع كفاءة المؤسسات المتحفظ عليها وتآكل رأس المال الاجتماعي والشبكات التطوعية المستقلة.
ومع ذلك، تقتضي الموضوعية الإقرار بأن غياب الإخوان ليس السبب الوحيد لارتفاع الفقر، كما لم تتوقف جميع المؤسسات المصادرة عن تقديم الخدمات، بل تضافرت أخطاء الإدارة الحكومية في تعميق التدهور.
ومن هذا المنطلق، تتركز الوظيفة الرقابية السليمة للدولة في مكافحة غسل الأموال والفساد والاستيلاء على التبرعات واستغلال الأطفال، ضمن معادلة تضمن شراكة بلا تبعية ورقابة قانونية بلا وصاية سياسية تعسفية.
وتأسيسا على ما سبق، يدفع المريض والطالب واليتيم ثمن الصراعات السياسية حين تعاقب السلطة المؤسسات على الهوية لا الفعل، متجاهلة أن كل جنيه تطوعي وكل طفل متعلم يخففان أعباء الدولة.
شروط استعادة المجتمع لوظيفته المستقلة
وفي موازاة ذلك، تتطلب عودة الحركات ذات المرجعية الإسلامية للعمل العام استعادة 5 وظائف مجتمعية بدلا من المكاتب، تشمل تأهيل الأسرة، ورعاية الأيتام والأرامل، والعيادات المخفضة، ودعم التعليم، والتنمية الاقتصادية.
وإلى جانب ذلك، يفرض الانهيار المعيشي تدخلا وقائيا لحماية الطبقة الوسطى الهشة قبل سقوطها في الفقر، عبر مساندة موظف فقد عمله لمدة 6 أشهر أو طبيب شاب أو طالب جامعي.
ومن ثم، يبرز الفصل الكامل بين الدعوي والحزبي والخيري كأهم مراجعة ضرورية، فلا يرأس الحزب جمعية، ولا يوزع المرشح الانتخابي الإعانات، ولا تتحول المستشفيات والمدارس إلى واجهات للاستقطاب والتجنيد السياسي.
وبالمثل، تتحول المرجعية الإسلامية من أداة فرز إلى دافع للخدمة العامة حين يعالج المستشفى المسلم والمسيحي والمؤيد والمعارض دون تمييز، ويشارك الطبيب والمتبرع المسيحي كشريك وطني فاعل في بناء النسيج الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، يرى الدكتور كمال حبيب، الباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية والعمل الأهلي، أن قمع الدولة للمبادرات الخيرية أضر بالمجتمع، وأن نجاح الإسلاميين مرهون بتقديم الكفاءة على الولاء.
ولذلك، تحتاج المؤسسات الحديثة إلى إدارة محترفة ومراجعة مالية خارجية تنشر سنويا مصادر التمويل والمصروفات والرواتب، مع توظيف التكنولوجيا لوضع خطط تضمن إخراج الأسرة من دائرة العوز خلال 3 سنوات.
وكذلك، تقتضي الحوكمة الرشيدة توجيه أموال الزكاة والصدقات عبر 5 مراحل متدرجة تبدأ بالإنقاذ الغذائي والدوائي، ثم حماية الأيتام والمسنين، فالتأهيل التعليمي، والتمكين المهني، وصولا إلى الاستقلال الاقتصادي التام للأسرة.
وعلاوة على ما تقدم، يقاس نجاح الشبكة عبر 10 مؤشرات تشمل 1 عدد الأسر المخدومة، و2 نسبة مصروفات الخدمة، و3 ساعات التطوع، و4 نسبة الخارجين من الاحتياج، و5 استمرار الأطفال بالتعليم.
كما تتضمن المؤشرات 6 علاج المرضى، و7 توفير الوظائف، و8 حل الشكاوى، و9 تنوع المستفيدين، و10 المراجعة المالية السنوية، بجانب تقديم 8 ضمانات تنبذ الإدارة السرية والتمويل المجهول واحتكار الفضيلة.
ومن جانب آخر، تترسخ الهوية الإسلامية بالأفعال لا بالخطب، حين يترجم الشباب قيم الإيثار وإعانة المحتاج عبر إطعام الأسر وخدمة المرضى وكفالة الأيتام، لتصبح الهوية عبادة وخلقا وخدمة ومسؤولية مجتمعية.
وبالإضافة إلى ما سبق، لا ينبغي للمواطن المصري انتظار انتهاء الصراع السياسي ليمارس التكافل، فالصدقة ليست موقفا سياسيا، وعلاج المريض ليس بيانا حزبيا، وإصلاح الأسرة يظل وظيفة أصيلة للمجتمع الحي المتماسك.
وختاما، يظل التغيير الحقيقي في مصر رهنا باستعادة المجتمع قدرته الذاتية على التضامن عبر المسجد والكنيسة والجمعية والنقابة، بعيدا عن احتكار السلطة للخير أو تحويل المتطوع إلى مشتبه به أمنيا.

