تتسارع نذر مواجهة إقليمية غير محسوبة العواقب عقب توجيه قيادة جماعة أنصار الله الحوثي في اليمن رسالة شديدة اللهجة إلى رئيس مجلس النواب المصري هشام بدوى لتحذيره من مغبة الانخراط العسكري دفاعا عن حكام الرياض.

 

وفي هذا السياق، شدد مراقبون على أن انزلاق القوات المسلحة في هذا المسار الدموي يشكل خطرا جسيما ومباشرا على الأمن القومي المصري وسلامة الاستقرار الداخلي، محذرة من تكرار تجارب تاريخية مدمرة للجيش.

 

مقامرة عسكرية تهدد الاستقرار الداخلي

 

وبناء على ذلك، أحدث هذا التحذير المباشر ارتباكا واسعا داخل الأوساط السياسية بعد إعلان التلفزيون الحكومي يوم السبت من شهر أكتوبر انعقاد جلسة طارئة يوم الأحد لتفويض قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بالحرب.

 

علاوة على ذلك، استنكرت بعض الرسائل مساعي الزج بالدولة المصرية في معارك خاسرة بدأت منذ أكثر من 12 عاما من العدوان والحصار المستمر، مشددة على رفض اصطفاف الجيش في خندق واحد مع الاحتلال.

 

ومن هذا المنطلق، يؤكد الدكتور عصام عبد الشافي أستاذ العلوم السياسية والدراسات الإستراتيجية أن استدعاء التفويض البرلماني يمثل انصياعا مذلا لضغوط التمويل الخارجي وتفريطا فجا في الثوابت العسكرية لحساب أجندات لا تعني الشعب المصري.

 

إلى جانب ذلك، يوضح الأكاديمي المتخصص أن الاندفاع لتوريط الجنود في مستنقع الجزيرة العربية يعكس رغبة مكشوفة في تصدير الأزمات الاقتصادية الخانقة، ومحاولة بائسة لمقايضة دماء أبناء المؤسسة العسكرية بودائع ومساعدات مالية خليجية عاجلة.

 

وعلى صعيد متصل، تواجه هذه التحركات رفضا واسعا داخل الأوساط الشعبية التي ترى في الجلسة العامة للبرلمان مجرد مسرحية شكلية لتمرير قرارات كارثية تلحق أفدح الأضرار بالمكانة التاريخية للقاهرة وتجردها من هيبتها الإقليمية.

 

فضلا عن هذا، حذرت القيادات في صنعاء من ارتهان السياسة المصرية لتحالفات مشبوهة تلتقي مصالحها مع قوى التطبيع، محملة رئيس البرلمان هشام بدوى المسؤولية التاريخية والدستورية الكاملة عن التبعات المترتبة على أي تدخل عسكري.

 

إزاء هذه المعطيات، يستحضر المراقبون مرارة التجربة التاريخية في ستينيات القرن الماضي حين استنزفت حرب اليمن آلاف الجنود والضباط المصريين وتسببت في شلل تام للقدرات الدفاعية للدولة، مما مهد لهزيمة عسكرية قاسية آنذاك.

 

ونتيجة لهذا المسار، تقف مصر اليوم على حافة منزلق استراتيجي بالغ الوعورة نتيجة الإصرار على تكرار الخطايا ذاتها دون أدنى اعتبار لحجم الانهيار الداخلي والأعباء المعيشية التي تطحن ملايين المواطنين في كل المحافظات.

 

تفويض البرلمان يكرس التبعية الخارجية

 

استنادا إلى ذلك، استند هذا التصعيد المفاجئ إلى كلمة قائد الإنقلاب  عبدالفتاح السيسي خلال حفل تخرج الكليات العسكرية، حيث أعلن استعداده التام لتنفيذ أي إجراء تطلبه الرياض لحماية أراضيها تحت شعار الدفاع.

 

في غضون ذلك، يرى أحمد مولانا الباحث المتخصص في شؤون الأمن القومي والنزاعات الإقليمية أن التعهد بحماية أراضي الآخرين يتجاهل عن عمد المخاطر الوجودية الحقيقية التي تحاصر الحدود المصرية على الاتجاهين الجنوبي والغربي.

 

تأسيسا على هذا، يشير الباحث الأمني إلى أن استغلال بيان مجلس الأمن الدولي الصادر يوم الخميس ضد الهجمات الصاروخية هو محاولة رخيصة لتوفير غطاء دولي زائف لعملية عسكرية تفتقر إلى أي شرعية وطنية.

 

بالموازاة مع ذلك، تثبت التطورات الميدانية عجز منظومات الدفاع الجوي الخليجية طوال 12 عاما عن حماية منشآت الطاقة والمطارات، مما يجعل فكرة إقحام القوات المصرية هناك انتحارا عسكريا معلوما النتائج للجميع مسبقا دون شك.

 

من جهة أخرى، يرى خبراء الشؤون العسكرية أن رهن تحركات الجيش بطلب دولة أجنبية يفرغ مفهوم السيادة الوطنية من مضمونه الحقيقي ويحول القوات المسلحة من درع للوطن إلى قوة تابعة تخدم مصالح أطراف خارجية.

 

بيد أن الجبهة الداخلية تعاني من احتقان اجتماعي غير مسبوق في ظل تآكل الطبقة الوسطى وارتفاع التضخم، وهو ما يجعل تمويل أي مشاركة خارجية عبئا لا يمكن تحمله مطلقا من الناحية الاقتصادية واللوجستية.

 

وعلاوة على ما سبق، يمثل فتح جبهة عداء مباشر مع جماعات تمتلك ترسانات ضخمة من المسيرات والصواريخ الدقيقة استدراجا مجانيا للبلاد إلى حرب استنزاف طويلة الأمد لن تجني منها مصر سوى المزيد من الخسائر.

 

وبناء على هذه الوقائع، يزداد القلق في صفوف النخب السياسية المستقلة من تحويل الدولة إلى طرف منخرط في صراعات وكالة إقليمية لا تخدم سوى أطراف دولية تسعى لتفتيت المنطقة واستنزاف جيوشها الوطنية الكبرى.

 

تداعيات مدمرة تهدد الملاحة الدولية

 

وعلى خلفية ذلك، يضع هذا التصعيد مجرى الملاحة في البحر الأحمر على فوهة بركان، في ظل قدرة الحوثيين المؤكدة على استهداف السفن المتجهة إلى قناة السويس وشل حركة التجارة الدولية في باب المندب.

وفي سياق متصل، يؤكد الدكتور مصطفى شاهين أستاذ الاقتصاد السياسي بالجامعات الأمريكية أن إيرادات قناة السويس تراجعت بالفعل بأكثر من 60 بالمئة خلال عامي 2024 و2025 جراء التوترات السابقة في البحر الأحمر.

 

إضافة إلى ذلك، يوضح المستشار الاقتصادي أن دخول مصر في صدام مسلح مباشر سيعطل الممر المائي تماما، مما يحرم الخزانة العامة من مليارات الدولارات سنويا ويسرع بوتيرة انهيار العملة المحلية بصورة يصعب احتواؤها لاحقا.

 

وعلى هذا النحو، أصاب الإنذار الحوثي جوهر الأزمة بتأكيده أن أولى الخسائر ستطال الاستقرار الداخلي المصري، حيث ستتحمل الموانئ وسلاسل الإمداد ومحطات الطاقة تكلفة باهظة لأي توتر عسكري محتمل في المياه الإقليمية الجنوبية.

 

فضلا عن ذلك، تثبت المعطيات الجيوسياسية أن تحويل الممرات الملاحية إلى ساحات حرب مفتوحة سيقضي على أي أمل في التعافي المالي، في وقت ترزح فيه الدولة تحت وطأة ديون خارجية هائلة تتجاوز الخطوط الحمراء.

 

غير أن السلطة التنفيذية تواصل تجاهل كل هذه الحقائق والتحذيرات الصريحة، مراهنة على صفقات سياسية غير معلنة تضمن استمرار تدفق القروض والمنح لإنقاذ السياسات المالية الفاشلة التي أوصلت البلاد إلى هذه الهاوية السحيقة.

 

بالمحصلة، تجمع القراءات التحليلية المتخصصة على أن تفويض البرلمان لا يعدو كونه خطوة استعراضية كارثية تفتح أبواب الجحيم على الأمن القومي، وتضع المؤسسة العسكرية في مواجهة أخطار وجودية تهدد سلامة أراضيها ومستقبل شعبها.

 

تتويجا لهذا المشهد، تظل الكلفة الباهظة لهذه المغامرة تلاحق قائد الانقلاب العسكري العسكري عبدالفتاح السيسي شخصيا، إذ يضع حاضر الدولة المصرية ومستقبلها على مذبح الولاء الإقليمي لحسابات ضيقة لا تخدم سوى عروش الآخرين.