تعد وحدة الصف وإصلاح ذات البين من أعظم الركائز التي حث عليها الإسلام لبناء مجتمع متماسك تسوده المودة والأمان. إن الواجب الديني والأخلاقي يفرض على المتنازعين من الإخوة المسلمين أن يتقوا الله في أنفسهم وأمتهم، وأن يسارعوا إلى وأد الخصومات، والاستجابة الصادقة لكل مسعى يهدف إلى الصلح ورأب الصدع.
فالاستنكاف عن قبول الصلح بدافع العزة بالإثم، والإصرار على المقاطعة والهجر، ليس سوى حرمان من فضل الله وقبول الأعمال الصالحة، وانسياق وراء نزعات التناحر التي حذر منها الشرع الحنيف.
أولاً: التحذير من اللجاج وفضل المبادرة بالسلام
جاءت النصوص الشرعية صريحة في ذم التمادي في الخصومة والتعنت فيها؛ فقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم بغض الله لمن اتخذ الجدال والنزاع ديدناً له، فقال عليه الصلاة والسلام: «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ» (صحيح البخاري، رقم: 2457).
والألد هو الشديد في اللدد والجدال بالباطل؛ وهو بلا شك معول هدم في مجتمعه، وخطر داهم على أمن واستقرار بيئته، إذ يزرع الإفساد والشقاق بدلاً من البناء والوئام.
وفي المقابل، فإن الشخص الذي يبادر إلى الصلح، ويرغب فيه بقلب سليم، يُعد من خيار الناس وأكرمهم خلقاً؛ إذ رفعت السنة النبوية شأنه وأثنت على خلقه الرفيع، كما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم:
«وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» (صحيح البخاري، رقم: 6077).
إن المبادرة إلى التسامح برهان ناصع على طهارة القلب، وسمو النفس، وطيب المعدن، وهي خصال تجعل صاحبها أهلاً لفضل الله وعظيم مثوبته.
ثانياً: مكائد الشيطان وعواقب التنازع على الأمة
إن الشيطان لا يفتأ يتحين الفرص للتحريش بين الناس وزرع بذور الأحقاد والضغائن، ساعياً لتفكيك الأسر وتفريق المتحابين؛ وقد حذرنا القرآن الكريم من هذا العداء المستحكم في قوله تعالى: "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ" (سورة فاطر: الآية 6).
كما كشف النبي صلى الله عليه وسلم عن خطورة هذا المسلك الشيطاني الدفين حين قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» (صحيح مسلم، رقم: 2812).
ومن هنا، فإن الإنسان العاقل الرشيد هو من يعي هذه الحقيقة، فيحرص على وحدة الصف، ويتجاوز الجراح والآلام الماضية، مقدماً العفو عمن ظلمه، والبذل لمن حرمه. فالتنازع لا يثمر إلا الفشل وتمزق النسيج الاجتماعي، ويقود في نهايته إلى إضعاف كيان الدولة ومؤسساتها، الأمر الذي يفتح الباب واسعاً أمام أعداء الأمة للتدخل في شؤونها، فضلاً عن كونه مدخلاً شيطانياً لإشاعة الكراهية وقطع أرحام الأسر والآباء والأبناء.
ولنا في سِيَر الصالحين قدوة بالغة لكيفية وأد الإساءة بالحكمة؛ فقد رُوي عن الواعظ البر أبي ذر عمر بن ذر أن رجلاً أفرط في شتمه يوماً، فما زاد على أن قال له بتؤدة ورشد: «يا هذا، لا تُغْرِقَنَّ في شتمنا ودع للصلح موضعاً، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه» (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصفهاني، المجلد 5/ الصفحة 113).
ثالثاً: فقه التنازل والشواهد النبوية على استدامة الصلح
لكي يؤتي الصلح ثماره وتلتئم القلوب، ينبغي على صاحب الحق في كثير من الأحيان أن يتنازل عن جزء من حقه، طلباً لتأليف النفوس، وتهدئة لثورات الغضب، وتقريباً لوجهات النظر المتفاوتة. وهذا السلوك الراقي مستمد من تطبيقات عملية شهدتها الساحة النبوية الكريمة؛ ومن ذلك موقف كعب بن مالك رضي الله عنه مع غريمه، حين ارتفعت أصواتهما بالمسجد في طلب دين، حتى سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوتهما وهو في بيته:
فخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى كشف سجف حجرته، ونادى: «يا كعب!» فقال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده الشريفة: «أن ضع الشطر» (أي تنازل عن نصف الدين)، فقال كعب: قد فعلت يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمدين: «قُمْ فَاقْضِ» (صحيح البخاري، رقم: 2710؛ وكتاب إصلاح ذات البين، كامل أحمد القاضي، ص 141).
فالتنازل هنا لم يكن ضعفاً، بل كان إحساناً ومعروفاً قاد إلى إنهاء الخصومة وحفظ المودة.
رابعاً: الموقف التاريخي الأبرز.. تنازل الحسن بن علي وحقن الدماء
يظل موقف سبط رسول الله، الإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما، المرجعية التاريخية الكبرى في تغليب المصلحة العليا للأمة على المناصب والملك. ففي لحظة فارقة من التاريخ، تنازل رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، ليوحد صفوف المسلمين بعد سنوات من الفرقة، حتى سُمي ذلك العام بـ «عام الجماعة» (البداية والنهاية، لابن كثير، المجلد 8/ الصفحة 16).
ولم يكن تنازل الحسن ناتجاً عن قلة في العتاد والرجال؛ إذ كانت كتائبه العسكرية تسير أمثال الجبال، وإنما كان بدافع الإيمان، وتحقيقاً للبشارة النبوية التي قال فيها جده رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (فتح الباري، رقم: 2704).
لقد ترك الحسن الملك رغبة فيما عند الله، وإيثاراً لحقن دماء المسلمين، ورعاية لمصلحة الدين واستقرار الأمة؛ ضارباً أروع الأمثلة في أن القيادة الحقيقية تتجلى في الشجاعة الأخلاقية لتقديم التنازلات النبيلة التي تحفظ الأرواح وتحمي الأوطان من ويلات النزاع والتشرذم.

