حذّرت سنام فاكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس»، وفارع المسلمِي، الباحث في البرنامج نفسه، من أن تصاعد الحرب في اليمن يكشف محدودية الخيارات العسكرية السعودية ونقاط الضعف الأمنية التي تواجه دول الخليج، مؤكدين أن احتواء الحوثيين بالقوة لن يحقق تسوية مستدامة للصراع. وأشار الكاتبان إلى أن تجدد المواجهات يفرض على دول مجلس التعاون الخليجي صياغة استراتيجية موحدة تجاه اليمن، بالتوازي مع التوصل إلى تسوية سياسية ذات مصداقية بين الأطراف اليمنية.
ونشر «تشاتام هاوس» المقال مستعرضًا تداعيات التصعيد العسكري على الأمن الإقليمي، والخيارات الصعبة التي تواجه الرياض، والخلافات السعودية الإماراتية التي تعرقل جهود إنهاء الحرب. ودعا الكاتبان دول الخليج إلى تجاوز بيانات التضامن والإدانة، والعمل على دعم حكومة يمنية أكثر فاعلية، وإرساء مسار سياسي يستوعب القوى اليمنية المتنافسة ويعالج جذور الصراع بدلًا من الاكتفاء باحتواء تداعياته.
تصعيد الحوثيين يكشف محدودية الخيارات العسكرية السعودية
تصاعد الصراع اليمني بصورة ملحوظة خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما استهدفت ضربات حوثية مطارات في الرياض وأبها والدمام، وأسفرت عن مقتل 20 شخصًا على الأقل وإصابة مئات آخرين، بالتزامن مع تعرض منشآت نفطية سعودية لهجمات. وداخل اليمن، أعادت المواجهات التي اندلعت عقب هجوم حوثي في محيط مضيق باب المندب الاستراتيجي البلاد إلى حرب واسعة النطاق، ما يثير مخاوف من اتساع نطاق المواجهة وتأثيرها على أمن البحر الأحمر.
وأعاد التصعيد إلى الأذهان التدخل العسكري الذي قادته السعودية في اليمن عام 2015، بعدما سيطر الحوثيون المدعومون من إيران على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014 وأطاحوا بالحكومة المعترف بها دوليًا من السلطة. وبعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب، لا يزال الحوثيون يرسخون نفوذهم ويبدون ثقة متزايدة بقدراتهم، بينما تعاني الحكومة اليمنية الانقسام، وتبدو فرص التوصل إلى تسوية سياسية بعيدة المنال.
وسعت السعودية، منذ الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في أبريل 2022، إلى تقليص انخراطها العسكري في اليمن والتوصل إلى اتفاق تفاوضي مع الحوثيين، وشهدت المحادثات زخمًا خلال عام 2023. لكن انخراط الحوثيين في حرب غزة، بما شمله من هجمات على السفن في البحر الأحمر وإسرائيل، عرقل المسار السياسي، فيما أفضت حملة القصف المكثفة التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الحوثيين إلى اتفاق منفصل لوقف إطلاق النار بين واشنطن والجماعة في مايو 2025، من دون إحراز تقدم نحو حل الصراع اليمني.
وتواجه الرياض حاليًا خيارات صعبة، إذ قد تلجأ إلى تصعيد عسكري يشمل استئناف الغارات الجوية ودعم هجوم تشنه القوات اليمنية المتحالفة مع الحكومة، غير أن هذا المسار قد يعيدها إلى حرب مكلفة افتقرت إلى التخطيط والتنفيذ الفعالين، وسعت على مدى سنوات إلى الخروج منها. وأثبت الحوثيون أن بإمكانهم إلحاق أضرار اقتصادية وسياسية تفوق حجم الهجمات المحدودة التي يشنونها، وهو ما منحهم أوراق ضغط عجز التفوق العسكري التقليدي السعودي عن تحييدها.
وقال الكاتبان إن السعودية لا تستطيع الانتصار في الحرب بمفردها، كما لا يمكنها إسناد مسؤولية حلها إلى أطراف خارجية.
ولم ينجح احتواء الحوثيين وحده في معالجة التهديد، إذ أسهم الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة 2022 في خفض الهجمات العابرة للحدود، لكنه أتاح للجماعة تعزيز سيطرتها على الأراضي وتطوير قدراتها العسكرية، قبل أن تستأنف هجماتها على السعودية. ويظل التفاوض المسار الأكثر ملاءمة للتوصل إلى تسوية دائمة، إلا أن اعتقاد الحوثيين بأنهم يحققون مكاسب ميدانية يقلل استعدادهم لتقديم تنازلات.
ولا تبدو الولايات المتحدة مستعدة بالضرورة لفتح جبهة جديدة أو دعم حملة عسكرية طويلة في اليمن، في ظل احتمالات تجدد المواجهة مع إيران، بينما قد يعزز اتفاق الدفاع السعودي مع تركيا وباكستان قدرات الردع والدفاع، لكنه لا يقدم حلًا للتهديد الحوثي أو للانقسامات السياسية العميقة داخل اليمن. ويرى الكاتبان أن تجربة العقد الماضي أثبتت أن الضغط العسكري، في غياب استراتيجية سياسية متماسكة، يعيد إنتاج الظروف التي ساعدت الحوثيين على ترسيخ نفوذهم.
حرب اليمن تهدد أمن الخليج وتفرض استراتيجية مشتركة
أكد الكاتبان أن اليمن والحوثيين أصبحوا مصدر تهديد أمني مشترك لدول الخليج، ما يجعل التعامل مع الأزمة باعتبارها صراعًا داخليًا يخص اليمن أو مشكلة أمنية سعودية فحسب خطأً استراتيجيًا. وكشفت الهجمات على المطارات السعودية مدى تعرض البنية التحتية الحيوية في دول مجلس التعاون الخليجي للصواريخ والطائرات المسيّرة وغيرها من أساليب الهجوم غير التقليدية.
ولا يقتصر هذا الخطر على السعودية، إذ استهدف الحوثيون في يناير 2022 منشآت نفطية ومطارًا في أبوظبي، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة ستة آخرين. وتزداد خطورة هذه التهديدات على دول الخليج، التي تعتمد خططها لتنويع اقتصاداتها على استقرار حركة الطيران والخدمات اللوجستية والسياحة والاستثمار، فضلًا عن توافر بيئة إقليمية آمنة.
كما تهدد الهجمات على البنية التحتية للنقل في السعودية طرق الإمداد الحيوية التي تعتمد عليها دول الخليج، خصوصًا بعدما اكتسبت الروابط البرية الواسعة للمملكة أهمية متزايدة بوصفها مسارات بديلة للإمدادات في ظل اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. ويضاف إلى ذلك أن الانهيار الاقتصادي في اليمن، وشح المياه، والضغوط الديموغرافية، تجعل استقرار البلاد مصلحة خليجية طويلة الأجل تتجاوز الحسابات الأمنية الآنية.
ودعا الكاتبان مجلس التعاون الخليجي إلى الانتقال من مجرد إعلان الدعم للسعودية إلى صياغة أجندة مشتركة تعزز الحكومة اليمنية وتفتح مسارًا سياسيًا موثوقًا لإنهاء الحرب. ويتطلب ذلك معالجة الخلافات التي أضعفت الجهود السابقة، وفي مقدمتها التنافس السعودي الإماراتي بشأن جنوب اليمن، بعدما دخل البلدان التدخل العسكري عام 2015 حليفين، قبل أن تتباين أولوياتهما ويدعم كل منهما فصائل يمنية متنافسة.
ولا يكفي التعبير عن التضامن عقب هجمات الحوثيين لإعادة بناء التنسيق الخليجي، بل يتعين على الإمارات إعادة النظر في دعم التوجهات الانفصالية في الجنوب، والعمل على إقامة يمن موحد بنظام لامركزي يستوعب المظالم الجنوبية والمصالح السياسية المتعارضة. وفي المقابل، يتعين على السعودية مراجعة اعتمادها على حلفائها اليمنيين التقليديين، خصوصًا حزب الإصلاح، الذي تثير صلاته المزعومة بجماعة الإخوان المسلمين اعتراضات إماراتية طويلة الأمد.
وأسهم اعتماد الرياض على شبكات مرتبطة بحزب الإصلاح في تضييق خياراتها السياسية وتعميق الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وفقًا للكاتبين. وأضعفت العلاقات المتنافسة التي أقامتها السعودية والإمارات مع الفصائل اليمنية القوى التي تسعى الدولتان إلى دعمها، ما يجعل الاتفاق على مستقبل اليمن السياسي شرطًا أساسيًا لأي تنسيق عسكري جديد.
وقال الكاتبان إن التنسيق العسكري المتجدد لن يحقق نتائج تُذكر ما لم تتفق دول الخليج على مستقبل اليمن السياسي.
توحيد الموقف الخليجي يتطلب إصلاح الحكومة اليمنية وتسوية سياسية
شدد الكاتبان على أن التنسيق الخليجي يجب أن يترافق مع مراجعة جادة لأداء الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، ولا سيما مجلس القيادة الرئاسي الذي تأسس عام 2022 ليحل محل الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، ويجمع الفصائل المناهضة للحوثيين. لكن الصراعات الداخلية وضعف الحوكمة ومحدودية المساءلة المؤسسية، إلى جانب اتهامات بانتشار الفساد، قوضت قدرة المجلس على أداء مهمته.
وينبغي للسعودية مواصلة تقديم الدعم المالي اللازم لاستمرار الخدمات الأساسية ومنع الانهيار الاقتصادي في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، على أن يوجه هذا الدعم إلى الحكومة ومجلس الوزراء بدلًا من مجلس القيادة الرئاسي، بحسب رأي الكاتبين. وتحمل تجربة رئاسة هادي تحذيرًا واضحًا، إذ لم يؤد عقد من الدعم لقيادة غير فعالة إلى تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية أو عكس المكاسب التي حققها الحوثيون.
ويتطلب تقوية القوى المناهضة للحوثيين بناء هيكل حكم أكثر فاعلية، قادر على تحسين إدارة المناطق الخاضعة للحكومة وتقديم طرف يمني موثوق في أي تسوية سياسية مستقبلية. كما لا يمكن حصر الاستراتيجية الخليجية في السعودية والإمارات، إذ يتعين إشراك قطر وسلطنة عُمان في جهود بناء موقف سياسي خليجي أكثر تماسكًا.
ويمكن لقطر الإسهام في تنسيق الموقف الخليجي تجاه اليمن، مستفيدة من نفوذها الإعلامي وعلاقاتها مع الأطراف اليمنية، بينما ينبغي لسلطنة عُمان مواصلة دور الوسيط الدبلوماسي. وتمنح قنوات التواصل التي تحتفظ بها مسقط مع الحوثيين وتفضيلها الوساطة فرصة للمساعدة في تيسير مفاوضات مستقبلية، من دون الانضمام إلى العمليات العسكرية.
ويتمثل الهدف النهائي في التوصل إلى تسوية سياسية بدعم خليجي، تحافظ على وحدة اليمن ضمن نظام لامركزي وتستوعب القوى السياسية المتنافسة فيه. وينبغي أن تشمل التسوية جميع الأطراف، بما فيها الحوثيون، شريطة تقديم التزامات قابلة للتحقق بالتخلي عن الأسلحة الثقيلة وقبول إطار سياسي مشترك، وهو ما يستلزم دعمًا دبلوماسيًا وماليًا خليجيًا مستدامًا.
وبعد أكثر من عقد من الحرب، لا يزال الحوثيون يسيطرون على صنعاء، بينما تواصل الحكومة اليمنية إظهار الضعف، وتعرقل الانقسامات الخليجية الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع. ويرى الكاتبان أن تجنب حرب طويلة جديدة يتطلب رؤية خليجية مشتركة، واستثمارًا في حكومة يمنية قادرة على العمل، وتسوية سياسية تعالج أسباب الصراع بدلًا من الاكتفاء بمحاولة احتواء نتائجه.
https://www.chathamhouse.org/2026/10/yemen-war-not-just-saudi-arabias-problem-its-gulfs-too

