كثّف الجيش المصري ضرباته الجوية ضد مواقع تعدين الذهب غير القانوني في المنطقة الحدودية مع السودان، في وقت أثارت فيه غارة جوية نُفذت في 11 أكتوبر 2026 غضبًا واسعًا داخل السودان، بعد مقتل عشرات من عمال التعدين الأهلي وإصابة آخرين، وفقًا لشهادات شهود عيان نقلها موقع «العربي الجديد». وتأتي الضربات وسط استمرار الحرب الأهلية السودانية منذ أبريل 2023، وما تسببه من اضطراب أمني على الحدود المشتركة بين البلدين.


ونشر موقع «العربي الجديد» تقريرًا أعده صالح سالم تناول فيه تصاعد العمليات العسكرية المصرية ضد مواقع التعدين غير القانوني، والجدل بشأن حصيلة الضحايا وموقع الغارات، إلى جانب تداعيات الحادث على العلاقات المصرية السودانية. كما استعرض التقرير آراء محللين مصريين وسودانيين بشأن ارتباط أنشطة تعدين الذهب وتهريبه بتمويل قوات الدعم السريع، التي تخوض حربًا ضد القوات المسلحة السودانية.

 


ضربات جوية مصرية تستهدف مناجم الذهب على الحدود السودانية


أثارت الغارات المصرية التي استهدفت مواقع تعدين الذهب في 11 أكتوبر موجة من الغضب في السودان، بعدما أفاد شهود عيان بمقتل أكثر من 70 عاملًا سودانيًا في المواقع المستهدفة وإصابة آخرين. وأظهرت مقاطع مصورة، نُشرت خلال الهجمات وبعدها، جثث ضحايا متناثرة في المنطقة وسط تصاعد الدخان، وفقًا لما أورده «العربي الجديد».


وأكد الجيش المصري أن الضربات استهدفت مواقع تقع داخل الجانب المصري من الحدود، ووضعها ضمن حملته لمكافحة أنشطة التعدين غير القانوني. وأوضح في بيان صدر في 12 أكتوبر أن قواته ألقت منشورات تحذيرية في المنطقة لتنبيه الموجودين إلى حظر التنقيب غير القانوني عن الذهب.


وشكّلت هذه الغارات ثاني عملية قصف مصرية لمواقع تعدين في الجانب المصري من الحدود خلال أقل من خمسة أشهر، بحسب التقرير. ففي منتصف يونيو 2026، قصفت طائرات عسكرية مصرية مواقع تعدين في المنطقة، ما أسفر عن مقتل نحو 23 عاملًا سودانيًا، بينما ألقت قوات الأمن والجيش القبض على مئات من العاملين في التعدين.


وربط محللون عسكريون مصريون تصاعد أنشطة التنقيب عن الذهب بآثار الحرب السودانية، التي أدت إلى اضطراب الأوضاع الأمنية على الحدود المشتركة ووسعت نطاق الأنشطة غير القانونية. ويرى هؤلاء أن انشغال الجيش السوداني بالقتال داخل البلاد أتاح للعصابات الإجرامية توسيع أنشطتها في المناطق الحدودية، ما زاد الضغوط الأمنية على مصر.


وقال اللواء نصر سالم، القائد السابق للاستطلاع في الجيش المصري، لموقع «العربي الجديد» إن عصابات إجرامية كثفت أنشطتها في المنطقة الحدودية مستغلة انشغال الجيش السوداني بالقتال داخل البلاد.


وأكد الجيش المصري، في بيانه الصادر في 12 أكتوبر، أن قوات إنفاذ القانون ستواصل فرض السيادة الكاملة داخل حدود الدولة لحماية قدراتها وثرواتها الوطنية. ويعكس هذا الموقف تركيز القاهرة على منع التسلل والتهريب عبر الحدود، بينما أثارت حصيلة الضحايا والخلاف بشأن موقع الغارات تساؤلات بشأن تداعيات العمليات العسكرية على العلاقات مع الخرطوم.

 


غضب سوداني ومخاوف من تدهور العلاقات مع القاهرة


أثارت الضربات موجة من الغضب في السودان، بدأت عبر منصات التواصل الاجتماعي ثم امتدت إلى الشوارع، وفقًا لما نقله التقرير. وتركز جانب من الاعتراضات على اعتقاد سودانيين أن الغارات وقعت داخل الأراضي السودانية، وليس في الجانب المصري من الحدود، وهو ما دفع مطالبات بإجراء تحقيق رسمي في الحادث.


وفي 12 أكتوبر، أطلق مسلح سوداني النار على سائقي شاحنات مصريين جنوب الخرطوم، ما أسفر عن مقتل اثنين وإصابة ثالث، بحسب ما نقلته صحيفة «سودان تريبيون». وفي اليوم التالي، شهدت مدن سودانية عدة احتجاجات على الضربات المصرية، خصوصًا مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، حيث رفع متظاهرون الأعلام السودانية ولافتات تنتقد ما وصفوه بصمت مجلس السيادة الانتقالي.


وطالب بعض المحتجين مجلس السيادة بإصدار إدانة رسمية للغارات وفتح تحقيق في ملابساتها، في ظل استمرار الخلاف بشأن الموقع الذي استهدفته الطائرات المصرية. وأصدر المجلس، وفقًا للتقرير، موقفًا نعى فيه عمال التعدين الذين لقوا حتفهم، كما أمر بتشكيل لجنة للتحقيق في الحادث، في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي.
 

وفي القاهرة، أعلنت وزارة الخارجية المصرية أنها تتابع عن كثب حادث مقتل سائقي الشاحنات المصريين، ووصفت الواقعة بأنها مؤسفة. كما زار السفير المصري في الخرطوم المصاب الذي تلقى العلاج في أحد مستشفيات العاصمة السودانية، وذلك بعد يوم من تقديم أوراق اعتماده إلى رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان.
 

وجاء الموقف المصري بعد اتصال هاتفي بين وزيري خارجية البلدين، أكد خلاله الجانبان احترام سيادة كل دولة وسلامة أراضيها، وفقًا لبيان صادر عن الخارجية المصرية. وتزامن ذلك مع تصاعد نقاشات على منصات التواصل الاجتماعي المصرية بشأن ضرورة حماية الحدود، في حين أثار الحادث مخاوف من انتقال التوتر إلى العلاقات الشعبية والرسمية بين البلدين.
 

ولا تقتصر تداعيات الحادث على الخلاف بشأن موقع الغارات أو حصيلة الضحايا، إذ تأتي العمليات في منطقة حدودية تعاني بالفعل اضطرابات متزايدة بسبب الحرب السودانية. كما تزيد الاتهامات المتبادلة بشأن انتهاك السيادة من أهمية التحقيق في تفاصيل الواقعة، وتحديد المسؤوليات، وتوضيح الظروف التي أدت إلى سقوط هذا العدد من الضحايا.

 


تعدين الذهب وتمويل قوات الدعم السريع


يرى محللون سودانيون أن مكافحة التعدين غير القانوني وتهريب الذهب في المنطقة الحدودية قد تؤثر في الموارد المالية لقوات الدعم السريع، التي تخوض حربًا ضد القوات المسلحة السودانية للسيطرة على البلاد. وتُعد عائدات الذهب، وفقًا للتحليلات التي نقلها «العربي الجديد»، أحد مصادر التمويل التي تساعد القوات شبه العسكرية على مواصلة عملياتها العسكرية وشراء الأسلحة.


وقال المحلل السياسي السوداني صلاح خليل إن أنشطة تعدين الذهب وتهريبه تمثل شريانًا ماليًا مهمًا لقوات الدعم السريع، إذ تستخدم العائدات في تمويل العمليات العسكرية والحرب ضد الجيش السوداني.

 

وأضاف خليل أن قوات الدعم السريع تستفيد من العائدات نفسها في شراء الأسلحة من دول أخرى، ما يجعل شبكات الذهب والتهريب جزءًا من شبكة تمويل أوسع للصراع. وأشار التقرير إلى أن مدينة نيالا، عاصمة جنوب دارفور، تُعد معقلًا لقوات الدعم السريع، بينما اتهم تحالف السودان التأسيسي، الذي أنشأته القوات في فبراير 2025، مصر باستهداف منطقة شمال الوادي في إقليم البحر الأحمر السوداني بهدف السيطرة على الموارد، وفقًا لما نقله التقرير عن بيان للتحالف.


واستشهد «العربي الجديد» بتحقيقات منظمة «جلوبال ويتنس» الصادرة عام 2019، التي تناولت استخدام قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، شركات واجهة ومصارف في السودان والإمارات للسيطرة على جزء كبير من صناعة الذهب السودانية. وتسلط هذه المعلومات الضوء على العلاقة المحتملة بين موارد التعدين وشبكات التمويل المرتبطة بالصراع، لكنها لا تثبت وحدها ارتباط كل مواقع التعدين المستهدفة بقوات الدعم السريع.


ويرى محللون مصريون وسودانيون أن النزاع على الذهب يتجاوز النشاط الاقتصادي المحلي، ويرتبط بصراع أوسع على النفوذ والموارد والموانئ والممرات البحرية الحيوية في المنطقة. ومع ذلك، أشار محللون سودانيون إلى أن استهداف مواقع التعدين والتهريب، رغم تأثيره المحتمل في الموارد المالية لقوات الدعم السريع، لن يكون كافيًا وحده لإنهاء نفوذها أو حسم الحرب.


ودعا صلاح خليل إلى اتخاذ إجراءات موازية لتقليص مصادر تمويل قوات الدعم السريع، من بينها الحد من الدعم الذي تحصل عليه من دول مجاورة، خصوصًا ليبيا وتشاد وإثيوبيا. ويرى هذا الطرح أن إضعاف شبكات الإمداد والتمويل يحتاج إلى تحرك إقليمي أوسع، بدلًا من الاعتماد على الضربات الجوية وحدها.


وفي الوقت نفسه، تواجه مصر ضغوطًا أمنية واقتصادية متزايدة نتيجة استمرار الحرب السودانية، إذ أشار التقرير إلى عبور نحو 1.5 مليون سوداني إلى الأراضي المصرية طلبًا للجوء منذ اندلاع النزاع. ويزيد تدفق اللاجئين، إلى جانب التهريب والاضطرابات الحدودية، من الأعباء الواقعة على دولة تعاني أصلًا ضغوطًا اقتصادية، بينما تظل حماية الحدود ومنع توسع الصراع من أبرز التحديات المشتركة بين القاهرة والخرطوم.


وتكشف الضربات الأخيرة عن تداخل ملفات أمن الحدود والتعدين غير القانوني وتمويل أطراف الحرب السودانية، لكنها تبرز أيضًا مخاطر سقوط ضحايا مدنيين واتساع الغضب الشعبي. وبين مساعي القاهرة لوقف الأنشطة غير القانونية والمطالب السودانية بالتحقيق في الغارات، يبقى التعامل مع الحادث مرهونًا بتوضيح ملابساته، وضمان المساءلة، وتجنب تصعيد قد يزيد تعقيد العلاقات بين البلدين.

 

https://www.newarab.com/news/egypts-army-intensifying-strikes-sudans-illicit-mines