تناولت تقارير صحفية نشرها موقع «ميدل إيست آي» وصحيفة «يديعوت أحرونوت» وموقع «صوت الإمارات» إعلان رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي عزمه مغادرة منصبه عام 2030، مع تأكيده عدم المساس بالدستور، في وقت تتصاعد فيه التساؤلات بشأن مستقبل السلطة والمجال السياسي في البلاد. وأعاد الإعلان فتح ملف الخلافة الرئاسية، لكنه لم يقدم تفاصيل بشأن ضمانات انتقال السلطة أو طبيعة المنافسة السياسية التي ستحدد هوية الرئيس المقبل.
ونشر موقع «ميدل إيست آي» تقريرًا أعده فريق التحرير، فيما تناول لير بن آري، في «يديعوت أحرونوت»، تعهد السيسي بإنهاء رئاسته في الموعد المعلن، بينما نشر محمد القرضاوي في «صوت الإمارات» تحليلًا بشأن ما قد يتركه الرئيس وراءه ومستقبل إعداد قيادات جديدة.
تعهد السيسي بمغادرة السلطة عام 2030 وسؤال الالتزام الدستوري
أعلن السيسي خلال حفل تخرج دفعات جديدة في الأكاديمية العسكرية المصرية أن عام 2030 سيشهد نهاية رئاسته، مشددًا على أن مسألة مغادرته المنصب حُسمت، وفقًا لما أورده موقع «ميدل إيست آي». وربط الرئيس تصريحه بالتزامه الدستور، في حين أعاد الإعلان تسليط الضوء على التعديلات الدستورية التي أُقرت عام 2019 وأتاحت له البقاء في الحكم حتى نهاية ولايته الحالية.
««الفترة اللي جاية لحد 2030 هتبقى نهاية مدة رئاستي في الدولة وده أمر محسوم تمامًا ولا مجال للحديث فيه.».»
- موقع «ميدل إيست آي».
وأتاحت تعديلات عام 2019 تمديد مدة الولاية الرئاسية من أربع سنوات إلى ست سنوات، كما سمحت للسيسي بالترشح لفترة إضافية وفق الأحكام الانتقالية التي تضمنتها التعديلات. وأثارت هذه الخطوة انتقادات من معارضين اعتبروها تعزيزًا لتركيز السلطة، خصوصًا في ظل تراجع فرص المنافسة السياسية واستمرار القيود المفروضة على القوى المعارضة.
ولا يكفي إعلان موعد مغادرة المنصب وحده لإثبات وجود انتقال سياسي تنافسي، لأن ذلك يرتبط بمدى احترام القواعد الدستورية وتوافر ضمانات عملية لانتخابات حرة ونزيهة. كما يظل السؤال مطروحًا بشأن قدرة الأحزاب والشخصيات المعارضة على تنظيم حملاتها والوصول إلى الناخبين، في ظل بيئة سياسية تحد من العمل العام وتثير انتقادات حقوقية مستمرة.
ونقلت «يديعوت أحرونوت» أن السيسي استبعد إجراء تغييرات دستورية جديدة تتيح له البقاء بعد عام 2030، في خطوة ربطها التقرير بالتعديلات التي أُقرت قبل سنوات وأثارت مخاوف من ترسيخ حكم سلطوي. وأشار التقرير إلى أن انتهاء حكم الرئيس حسني مبارك عام 2011، بعد قرابة 29 عامًا في السلطة، رفع آمال قطاعات من المصريين بإقامة نظام ديمقراطي، إلا أن مسار الأحداث اللاحق أعاد طرح أسئلة بشأن تداول السلطة وحدود المشاركة السياسية.
ولا يحسم التعهد الحالي شكل النظام السياسي الذي سيخلف فترة السيسي، كما لا يوضح طبيعة الدور الذي قد يؤديه الرئيس بعد مغادرته المنصب أو مدى استقلال المؤسسات عن مراكز النفوذ القائمة. ولذلك، ستتوقف دلالة الإعلان على ما إذا كانت السنوات المقبلة ستشهد توسيع المجال العام وضمان المنافسة، أم ستقتصر على تغيير شاغل المنصب مع بقاء القيود السياسية نفسها.
الحريات العامة والمعارضة في ظل حكم السيسي
سلط تقرير «ميدل إيست آي» الضوء على سجل حقوق الإنسان في مصر، مشيرًا إلى تقديرات منظمات حقوقية تفيد باحتجاز أكثر من 60 ألف سجين رأي، بينهم أكثر من ألف امرأة. كما أشار التقرير إلى وفاة سجناء، من بينهم الرئيس الراحل محمد مرسي وشخصيات معارضة، في ظروف ربطتها منظمات حقوقية بالإهمال الطبي والأوضاع غير الإنسانية داخل السجون.
وتضع هذه التقديرات ملف الحريات العامة في صلب النقاش حول مستقبل الحكم، لأن انتقال السلطة لا يقتصر على تحديد موعد انتهاء ولاية السيسي، بل يشمل أيضًا مستقبل التعامل مع المعارضة والنشطاء والصحفيين. كما تثير القيود على التنظيم والتعبير والتجمع تساؤلات بشأن قدرة المواطنين على المشاركة في الحياة السياسية والتأثير في القرارات العامة.
ووصل السيسي إلى السلطة عام 2013 عقب انقلاب عسكري أطاح بالرئيس محمد مرسي، الذي كان قد فاز بالانتخابات الرئاسية بعد الإطاحة بمبارك عام 2011. ومنذ ذلك الحين، واجهت قطاعات من المعارضة، من الليبراليين واليساريين إلى الإسلاميين، حملة أمنية واسعة النطاق بحسب تقارير حقوقية، بينما دافعت السلطات عن إجراءاتها باعتبارها ضرورية للحفاظ على الاستقرار ومواجهة التطرف.
وأوردت «يديعوت أحرونوت» أن السيسي فاز في انتخابات 2014 بنسبة 97 في المئة من الأصوات، وحقق نتيجة مماثلة تقريبًا في انتخابات 2018، ثم حصل على 89 في المئة في انتخابات 2023. واعتبر التقرير أن نتائج الانتخابات الأخيرة أثارت انتقادات بسبب الاعتقاد الواسع بأن النتيجة كانت محسومة مسبقًا، وهو ما يعيد طرح مسألة تكافؤ الفرص بين المرشحين ومدى قدرة المعارضة على المنافسة الفعلية.
وفي هذا السياق، لا يمكن تقييم أي تعهد بشأن مستقبل الرئاسة بمعزل عن البيئة التي ستجري فيها الانتخابات المقبلة، لأن نزاهة الاقتراع تتطلب أكثر من الالتزام بموعد دستوري. ويشمل ذلك السماح للمرشحين بالتواصل مع الجمهور بحرية، وضمان استقلال وسائل الإعلام، وإتاحة العمل الحزبي دون قيود تحول دون بناء بدائل سياسية حقيقية.
كما يثير الحديث عن إعداد جيل جديد من القيادات تساؤلات بشأن المعايير التي ستحدد اختيار هذه الشخصيات، والجهات التي ستشرف على تأهيلها، ومدى خضوعها للمساءلة بعد تولي المناصب العامة. ومن دون شفافية في الاختيار وتكافؤ في الفرص، قد تتحول برامج إعداد القيادات إلى آلية لإعادة إنتاج النخب القائمة بدلًا من فتح المجال أمام مشاركة أوسع في إدارة الدولة.
إعداد قيادات جديدة وتحديات المرحلة التالية لعام 2030
ربط السيسي إعلان نهاية رئاسته بالحديث عن إعداد أشخاص قادرين على تحمل المسؤولية، خلال كلمته في حفل تخرج الأكاديمية العسكرية. ونقل «ميدل إيست آي» عنه تأكيده أن الدولة لن تغادر المرحلة الحالية قبل أن يصبح لديها أشخاص قادرون على تولي المسؤوليات، فيما تناول «صوت الإمارات» هذا الجانب بوصفه جزءًا من النقاش بشأن مستقبل المؤسسات الحكومية.
وطرح تقرير «صوت الإمارات»، الذي أعده محمد القرضاوي، تساؤلات بشأن معايير اختيار القيادات الجديدة ومدى ارتباط برامج التدريب بالكفاءة والخبرة والقدرة على إدارة الملفات المعقدة. وأشار التقرير إلى أن تقييم هذه البرامج ينبغي أن يعتمد على النتائج الفعلية، لا على مدة التدريب أو عدد المشاركين وحدهما، مع ضرورة وجود معايير واضحة للاختيار والتقييم والمحاسبة.
لكن إعداد كوادر إدارية جديدة لا يساوي بالضرورة انتقالًا سياسيًا ديمقراطيًا، لأن تطوير الأداء الحكومي يختلف عن ضمان التعددية وتداول السلطة. كما أن كفاءة المسؤولين لا يمكن قياسها بمعزل عن استقلال المؤسسات ووضوح الصلاحيات ووجود آليات رقابة تسمح بمحاسبة المسؤولين عن قراراتهم ونتائجها.
وتتصل هذه المسألة كذلك بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها مصر، بما يشمل ارتفاع تكاليف المعيشة والضغوط على الموازنة العامة والحاجة إلى تحسين الخدمات وتوفير فرص العمل. وتحتاج معالجة هذه الملفات إلى مؤسسات قادرة على مراجعة السياسات العامة، وإتاحة النقاش بشأن أولويات الإنفاق، ومحاسبة المسؤولين عن القرارات التي تؤثر في حياة المواطنين.
ولا يقدم إعلان السيسي بشأن عام 2030 تفاصيل كافية عن آلية انتقال السلطة أو الضمانات التي ستضمن استقلال المؤسسات بعد انتهاء ولايته، كما لا يوضح ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تغييرات في قواعد المشاركة السياسية. ولذلك، يظل الحكم على مستقبل الرئاسة مرتبطًا بما ستكشفه السنوات المقبلة من خطوات ملموسة في مجالات الانتخابات والحريات العامة والمساءلة المؤسسية.
وفي الوقت نفسه، تناول «ميدل إيست آي» أبعادًا إقليمية متزامنة مع الإعلان، من بينها دعم القاهرة للقوات المسلحة السودانية في الحرب ضد قوات الدعم السريع، والخلاف مع إثيوبيا بشأن سد النهضة والتنافس المحتمل في البحر الأحمر. كما أشار التقرير إلى استضافة مصر اجتماعًا ضم ممثلين عن السودان والصومال وإريتريا لمناقشة تنسيق الجهود العسكرية والاستخباراتية في حال تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، فضلًا عن تأكيد القاهرة دعمها للسعودية في مواجهة هجمات الحوثيين.
وتضيف هذه الملفات الخارجية أعباءً إلى جدول أعمال الدولة، لكنها لا تجيب عن الأسئلة الداخلية المرتبطة بالمشاركة السياسية والمحاسبة وتداول السلطة. فإدارة التحديات الإقليمية تحتاج إلى مؤسسات قادرة على اتخاذ القرارات ومراجعتها، كما أن استقرار الدولة لا يتوقف على استمرارية القيادة الحالية بقدر ما يرتبط بقدرة المؤسسات على العمل وفق قواعد واضحة ومستقرة.
يحدد إعلان السيسي عام 2030 موعدًا معلنًا لانتهاء رئاسته، لكنه لا يحسم وحده مستقبل النظام السياسي أو شكل العلاقة بين السلطة والمجتمع بعد ذلك التاريخ. وسيظل الاختبار الأساسي هو ما إذا كان التعهد سيترافق مع ضمانات فعلية للتنافس الانتخابي وحرية العمل السياسي واستقلال المؤسسات، أم أن التغيير سيقتصر على انتقال المنصب مع استمرار القيود التي تحد من تداول السلطة والمساءلة.
1. https://www.voiceofemirates.com/en/politics/2026/10/17/sisi-and-2030-what-does-he-want-to-leave-behind-testing-his-political-legacy-and-preparing-a-new-generation-to-lead-egypt/
2. https://www.ynetnews.com/article/bjnss6g3ml
3. https://www.middleeasteye.net/news/egypt-sisi-declares-his-presidency-will-end-2030

