تتجه الهيئة القومية للأنفاق إلى إغراق الاقتصاد المصري في مستنقع جديد من الالتزامات المالية عبر حزمة اقتراض ضخمة، حيث تستعد لاقتناص قرض محلي بقيمة 29 مليار جنيه لتدبير النفقات الجارية والمستحقات الخاصة بشركات المقاولات.
وفي سياق متصل، يندفع هذا التمويل البنكي نحو مشروعين رئيسيين هما الخط 1 لشبكة القطار الكهربائي السريع والمرحلة 3 من القطار الكهربائي الخفيف، بتأكيدات صادرة عن عضو بمجلس إدارة الهيئة آثر حجب هويته.
تحالف مصرفي يبتلع أعباء الخزانة
وبموجب هذه الترتيبات، يقود التمويل تحالف مصرفي عريض يضم 9 بنوك محلية، تتوزع بين 7 بنوك خاصة و2 من البنوك الحكومية، في صفقة اقتراض تتجاوز مدة سدادها الزمنية حاجز 20 عاماً كاملة لترحيل الأعباء إلى أجيال قادمة.
وعلاوة على ذلك، ترتبط أسعار الفائدة المقررة على هذا التمويل بسعر الكوريدور الذي حدده البنك المركزي في 24 سبتمبر الماضي، حيث يسجل 19% للإيداع و20% للإقراض، في حين تبلغ فائدة العملية الرئيسية 19.5%.
وبناءً على هذا التسعير، تدور تكلفة الاقتراض الفعلي حول نطاق يتراوح بين 19 إلى 20% سنوياً، الأمر الذي يحمّل الهيئة فوائد باهظة تبلغ وحدها نحو 5.7 مليار جنيه سنوياً في حال سحب كامل القرض المخصص.
ومن هذا المنطلق، تتحمل وزارة المالية الضمانة السيادية الكاملة مع التعهد المباشر بسداد أصل القرض، بينما ينحصر التزام الهيئة المتعثرة في خدمة الفوائد السنوية، مما يفرض ضغوطاً متصاعدة ترهق الموازنة العامة وتحرم بنود الدعم الحيوية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يوضح أستاذ الاقتصاد والتمويل الدكتور أحمد ذكر الله أن تفويض البنوك بإقراض مشروعات ذات عوائد تجارية شبه منعدمة يعكس إخفاقاً هيكلياً يحول أموال المودعين إلى مشاريع استعراضية بلا عائد استثماري.
وفضلاً عن ذلك، يرى الدكتور ذكر الله أن تكبيل الموازنة بضمانات سيادية لسداد أصول الديون بينما تعجز الهيئات المقترضة حتى عن تغطية الفوائد يقود الاقتصاد نحو فخ التخلف المالي الحتمي وتآكل قدرة الدولة الائتمانية.
وبالتوازي مع ذلك، يحذر الدكتور ذكر الله من أن استنزاف السيولة المالية من القطاع المصرفي لصالح مشروعات البنية التحتية غير الإنتاجية يحرم القطاعات الصناعية والزراعية الحيوية من فرص التمويل والتوسع الحقيقي لتوليد فرص العمل.
مشاريع استعراضية تفتقر للجدوى التشغيلية
وعلى صعيد المسارات الإنشائية، يمتد الخط 1 من شبكة القطار الكهربائي السريع مسافة تصل إلى 675 كيلومتراً، ليربط بين ميناء العين السخنة على البحر الأحمر ومدينة العلمين الجديدة وصولاً إلى مرسى مطروح الساحلية.
والجدير بالذكر أن وزير النقل كامل الوزير أعلن انطلاق مرحلة التشغيل التجريبي لهذا الخط الممتد خلال أيام معدودة، والمقرر استمرارها على مدى 6 أشهر كاملة دون نقل أي ركاب لتهدئة المخاوف التشغيلية.
ومن جانب آخر، تشمل المرحلة 3 من القطار الكهربائي الخفيف مسافة بطول 20.4 كيلومتر تضم 4 محطات، هي كاتدرائية الميلاد والقيادة الاستراتيجية والمدينة الرياضية الدولية ومحطة العاصمة المركزية، داخل أروقة العاصمة الإدارية.
وفي هذا الإطار، تتولى شركة أفيك الصينية عمليات التنفيذ بالشراكة مع شركتي المقاولون العرب وأوراسكوم، استكمالاً للمرحلتين 1 و2 اللتين دخلتا الخدمة رسمياً في يوليو 2022 بطول 68 كيلومتراً وبتمويل صيني بلغ 1.2 مليار دولار.
ورغم هذه النفقات الهائلة، تتراوح أسعار التذاكر الحالية بين 10 و20 جنيهاً فقط مع توفير اشتراكات شهرية تبدأ من 300 جنيه، وهي تعرفة رمزية تعجز تماماً عن تغطية فواتير الطاقة اليومية والصيانة الأساسية المستمرة.
وتأسيساً على ذلك، يؤكد استشاري الهندسة المدنية وتخطيط النقل الدولي المهندس ممدوح حمزة أن مد مسارات حديدية فائقة التكلفة في مناطق صحراوية غير مأهولة يمثل هدراً فادحاً للأموال وتجاهلاً علمياً لقواعد دراسات الجدوى الاقتصادية.
بالإضافة إلى ذلك، يشدد المهندس ممدوح حمزة على أن تشييد محطات لخدمة مقرات حكومية مغلقة كمركز القيادة الاستراتيجية يعكس سوء توزيع فج للموارد، بدلاً من تطوير خطوط السكك الحديدية الإقليمية المتهالكة التي تنقل ملايين الكادحين.
ومن زاوية موازية، يوضح المهندس حمزة أن تكلفة تشغيل القطار السريع تفوق بأضعاف مضاعفة القدرة الشرائية لعموم المواطنين، ما يجعل استرداد تكاليف إنشائه من إيرادات التذاكر درباً من ضروب المستحيل الحسابي والتشغيلي.
فجوة تمويلية تضاعف ديون الهيئة
ومن جهة ثانية، تتربع هيئة الأنفاق على قمة الهيئات الاقتصادية الأكثر استدانة في البلاد، وسط توقعات موازنة العام المالي الجاري بتدفق قروض محلية وأجنبية جديدة تتجاوز قيمتها الإجمالية سقف 275 مليار جنيه إضافية.
واللافت في الأمر أن بيانات الموازنة التقديرية للعام المالي 2026-2027، التي أعلنها رئيس لجنة النقل بمجلس النواب وحيد قرقر، تظهر تسجيل موارد متواضعة بقيمة 8.8 مليار جنيه فقط مقابل مصروفات ضخمة تبلغ 74 مليار جنيه.
وإزاء هذا الخلل الفادح، وثقت منصة زاوية ثالثة المستقلة قفزة مرعبة في إجمالي مديونيات الهيئة، حيث تجاوزت رسمياً حاجز 2 تريليون جنيه مع حلول منتصف 2026، لتلتهم التزامات خدمة الدين كافة الموارد الذاتية القائمة.
وبموازاة هذه الفجوة، مرر مجلس النواب في شهر يونيو اتفاقيات قروض خارجية بقيمة 3.9 مليار يورو لتمويل الخطين 2 و3 من القطار السريع عبر بنوك أوروبية بضمانة وكالة ائتمان الصادرات الألمانية هيرميس.
غير أن ممثلة وزارة المالية زعمت آنذاك أن القرض يمتلك شروطاً ميسرة دون أعباء على الموازنة، لتناقض الحكومة وعودها اليوم بتحميل قطاع الموازنة كامل أصل القرض المحلي البالغ 29 مليار جنيه بصورة منفردة.
وفي خضم هذا الاستنزاف، خصصت وزارة النقل 1 تريليون و54 مليار جنيه لمشروعات الجر الكهربائي خلال الفترة بين 2014 و2024، تنفيذاً لتوجهات رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي القائمة على المباهاة العمرانية رغم انسداد الأفق الاقتصادي.
وفي السياق ذاته، يوضح أستاذ الاقتصاد والتمويل بجامعة أوكلاند الدكتور مصطفى شاهين أن تراكم الفوائد المركبة يحول الهيئات العامة إلى كيانات مفلسة دفترياً، تقتات على مخصصات التعليم والصحة لدفع فوائد الديون للبنوك الدائنة.
وبناءً على هذه الوقائع، يرى الدكتور مصطفى شاهين أن الاستمرار في تغطية فوائد الديون عبر استدانة جديدة يسرع من وتيرة انهيار الجنيه المصري ويضع أصول الدولة العامة تحت رحمة الدائنين المحليين والدوليين.
وترتيباً على ذلك، يؤكد الدكتور شاهين أن السياسات الاقتصادية الراهنة استبدلت الإنتاج الحقيقي بالتوسع في الديون السيادية، مما يهدد الملاءة المالية للمؤسسات الحكومية ويدفع المجتمع نحو أزمات تضخمية خانقة وغير مسبوقة تاريخياً.

