عصام تليمة

من علماء الأزهر، حاصل على الدكتوراه في الفقه المقارن

 

قرر الرئيس الأذري إلهام علييف حظر الحجاب في المدارس، سواء للطالبات أو المعلمات، ورغم أن أذربيجان ذات أغلبية مسلمة، تصل إلى ستة وتسعين بالمئة، أي: أن القرار هو صدامي بالدرجة الأولى مع دين الأغلبية المسلمة، وقد نقلت وسائل الإعلام بكاء الطالبات، سواء المطرودات لالتزامهن بالحجاب، أو زميلاتهن غير المحجبات اللائن بكين حزنا على زميلاتهن، وعلى معلماتهن.

 

إلا أن القرار وآثاره، أحدثت تفاعلا عالميا، أعاد للأذهان قرارات وتجارب سابقة في دول مسلمة أخرى من قبل، وفتح نقاشات في عدة اتجاهات، لا يقف هذا النقاش عند حدود حجاب فتيات ومعلمات في مدارس أذربيجان، بل فتح بابا لنقاشات حول جدوى العلمانية في بلادنا، ومدى خطورة التبشير بها حلا وخلاصا لمجتمعاتنا.

 

فقد أثبتت التجارب المتتالية في جل بلداننا العربية والإسلامية، أن العلمانية عدو شرس لقيمنا وثوابتنا الدينية، وبخاصة الإسلامية، فادعاء أن العلمانية جوهر فلسفتها الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، كلام ثبت كذبه عند تطبيق العلمانيين العرب لها، وثبت أنه وسيلة للإيهام بأنها حل للبلدان التي فيها تنوع ديني وثقافي، وربما جاز ذلك في مجتمعات غربية، كان فيها الدين خصما للعلم والحياة، ولكنه لا يصح مع الإسلام الذي لم يكن يوما كذلك، واستيرادها لبلادنا جر وبالا على الشعوب، لا حلا لمشاكلها.

 

وبخاصة العلمانية التي جلبها إلى بلادنا علمانيون ليس لديهم أي مساحة للحياد الديني، وبخاصة كما ذكرنا مع الإسلام، وشعائره وثوابته، بل لديهم توجه إقصائي نحوه، وتناقض صارخ في القضية الواحدة، فتراه فيما يتعلق بالإسلام ناقدا ومهاجما، بينما نفس القضية وتكون بشكل أشد، يلوذ بالصمت، ولا يقترب من مجرد التلميح، فالحجاب عندما تمنعه دولة غربية أو عربية، يهلل له العلماني العربي والمصري تحديدا، ولو رأى مشهدا فيه محجبة لا تصافح حاكما لتدينها، يصاب بالهوس والجنون، ويهاجمها، رادا ذلك للتشدد الديني.

 

بينما يرى نفس الفعل أو السلوك من آخرين فلا ينبس ببنت شفة، رأينا ذلك بوضوح شديد، حين أصدر السيسي قرارا بتعيين سيدات في القضاء، وإذ بجل المعينات يبرزن في صورة كلهن محجبات، ولم نر أي تعليق من العلمانيين المصريين، أو اتهام القضاء بأنه غزاه التشدد أو الحجاب، لأن صاحب القرار هو السيسي، والتعليق هنا هو هجوم على السيسي. يهاجمون الحجاب، بل ربما أساءوا إلى المحجبة، بينما يروا زوجة السيسي نفسه محجبة، وبناته محجبات، وزوجات أبنائه محجبات، فلا يجرؤ أحدهم على الحديث عن ذلك، لأنه يعلم مصير نقده، وعاقبته.

 

الملاحظ في أزمة الحجاب وحظره في مدارس أذربيجان، أن هناك غيابا ملحوظا لجل المؤسسات الحقوقية في الحديث عن الموضوع، سواء الغربية، أو العربية، لقد رأينا صوت هذه المؤسسات عاليا وزاعقا، عندما قامت حكومة الإمارة الإسلامية في أفغانستان، والمشهورة بـ (طالبان)، عندما وقفوا تعليم الفتيات عند مرحلة معينة، فهاجموهم، وكنا مع هذا الموقف، لأنه ليس مبررا، وكان حجة طالبان أن المدارس لا تتسع، وأن المناهج لا تزال فيها فلسفات مخالفة للإسلام، وهي حجة واهية، ونقدناها وقتها، لكن هذه الأصوات الحقوقية الغربية والعربية، التي ارتفع صوتها في فتيات أفغانستان، صمتت تماما في قضية أذربيجان.

 

فلم نر جميعات الدفاع عن الحريات، تعلق بكلمة، ولم نر جمعيات المعنية بالحريات الدينية تعلق، ولا المعنية بحقوق المرأة بوجه عام، ولا الفتيات، ولا جمعية حقوق المرأة في التعليم، لم نر لهم بيانا أو موقفا، بل صمت مطبق، وتناقض صارخ، يدل على أن مواقفهم ليست نابعة عن قناعة بالحقوق، بقدر ما هو متعلق بمن ينتقد في تجاوز هذه الحقوق.

 

العلماني الوحيد الذي نجا من هذا التناقض في هذا الموقف، كان علمانيا تركيا، وهو السيد كمال كليتشدار، حيث إنه نصحه بعدم التمسك بهذا القرار وإلغائه، لأنهم أصحاب تجربة من قبل، وكانت تجربة كما وصفها قاسية، وهو مراجعة منصفة من علماني تركي، عاش هذه المرحلة، حين هاج البرلمان التركي، وأخرجوا عضو البرلمان الدكتور مروة قاوقجي، لعلة ارتدائها الحجاب، في نهاية تسعينيات القرن الماضي، في وقت كان الحجاب موضع هجوم ومطاردة في الحياة العامة في تركيا.

 

ومن أسوأ المواقف التي تم رصدها في هذه الأزمة، موقف مفتي أذربيجان، والذي أيد الإجراء، معلنا ما لا يتفق مع الإسلام، بأنه لا بد من احترام القانون، والقاضي بالفصل بين الدين والحياة، وهو كلام لا يمكن أن يصدر عن طالب شريعة، فضلا عن مفتي دولة مسلمة، وذكرنا بكلام أقل منه مستوى، لكن رفضته الأمة كذلك من قائله، وكان الشيخ سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق، حين منع وزير الداخلية الفرنسي الفتيات المسلمات من الحجاب في المدارس، وأعطاه طنطاوي فتوى تقر ذلك، وخرجت المظاهرات في فرنسا تهتف: شيخ الأزهر يا مفتينا، أنت معانا، ولا علينا؟!

 

كنا من قبل نستنكر مثل هذه القرارات حين تصدر من دول غربية، تتعامل مع حجاب المسلمات بتعصب شديد، وتشديد غير مقبول، لكن الأمر الآن انتقل إلى بلدان مسلمة، وكأن الحجاب ليس فريضة وواجبا شرعيا، تلتزم به المسلمة، ولا يتم التضييق إلا على المسلم في واجباته، وجعله يعيش فصاما نكدا بين الدين والحياة، بجبره على قوانين تصطدم مع دينه.

 

بينما نرى العلمانيين العرب، حين ينادي المسلمون في بلادهم ذات الأغلبية المسلمة بتطبيق الشريعة، يعترضون قائلين: وماذا نفعل بغير المسلمين؟ ولماذا نجبرهم على شريعة ليست شريعتهم؟ رغم معرفتهم أن الإسلام لا يطبق على غير المسلم، بل يترك له حرية الاحتكام إلى دينه، بينما يجبر المسلم على القوانين العلمانية في بلاد الغرب والعرب، سواء كان أقلية أو كان أغلبية!!