سجلت مصر 30 نقطة من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، محتلة بذلك المركز 130 عالميًا من إجمالي 182 دولة وإقليمًا مشمولاً بالتقييم.
ويعني هذا بقاء مصر في منطقة "الفساد الممنهج والمزمن" وفقًا لتصنيف المنظمة (الدول التي تسجل أقل من 50 درجة).
وتبتعد مصر بفارق 9 نقاط كاملة عن متوسط منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وتأتي في المركز الـ 12 عربيًا؛ حيث تتقدم عليها دول مثل الإمارات، وقطر، والسعودية، والأردن، وتونس، والمغرب، بينما تسبق مصر الدول التي تعاني من صراعات مسلحة مفتوحة مثل ليبيا، واليمن، وسوريا، والصومال.
ويعتمد مؤشر مدركات الفساد (CPI) على مقياس من 0 (الأكثر فسادًا) إلى 100 (الأكثر نزاهة). وجاءت أداء مصر الفني والتاريخي على النحو التالي:
وسجلت مصر أفضل درجاتها تاريخيًا في عام 2014 بحصولها على 37 نقطة (المركز 94 عالميًا)، بينما سجلت أدنى مستوياتها في عام 2008 بـ 28 نقطة فقط.
وتقع درجة مصر (30 نقطة) دون المتوسط الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا البالغ 39 نقطة؛ حيث احتلت مصر المركز الـ 12 عربيًا من بين 18 دولة شملها التقييم الإقليمي للمنظمة.
وكان التراجع الحاد الأبرز لمصر قد سُجل بين عامي 2023 و2024؛ حيث خسرت الدولة 5 نقاط دفعة واحدة (مستمرة حتى اليوم) متراجعة من المركز 108 إلى المركز 130 عالميًا.
يربط تقرير المنظمة الدولية بين تدني المؤشرات في القطاعات العامة لبعض الدول النامية وبين التحديات المتعلقة بالحوكمة، واستقلال الأجهزة الرقابية، والشفافية في التدفقات المالية، وتراجع النزاهة الإدارية في المعاملات اليومية والقطاع العام.
وعلى الرغم من أنه لم يطرأ أي تغيير أو تحسن في الدرجة أو الترتيب لعام 2025 مقارنة بتقرير العام السابق (2024)، إلا أنه أثار تساؤلات داخل مجلس النواب حول أسباب حصول مصر على هذه المرتبة المتدنية عالميًا.
أسئلة تبحث عن إجابات
تقدم الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بطلب إحاطة عاجل موجه إلى رئيس مجلس الوزراء.
وطالب بتقديم كشف حساب واضح حول نتائج "الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد" التي أطلقتها الدولة منذ أكثر من 10 سنوات، مستنكرًا بقاء مصر في هذا الترتيب المتأخر ومطالبًا بالكشف الفعلي عن حجم الأموال العامة المستردة وقضايا الفساد المكتشفة.
وجاء نص طلب الإحاطة حاملاً حزمة من الأسئلة المصيرية والمطالب المحددة التي تضع الحكومة في مواجهة مباشرة أمام نواب الشعب بالأرقام والمستندات:
ما الأسباب الهيكلية التي أدت إلى هبوط تقييم مصر من 37 نقطة في عام 2014 إلى 30 نقطة في عام 2025؟ وكيف تُفسر الحكومة خسارة الدولة لـ 22 مركزًا عالميًا خلال عام واحد (عام 2024) دون بوادر للتعافي؟
ما المكتسبات الفعلية التي تحققت من "الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد" بمراحها المتعددة على مدار أكثر من عقد من الزمان؟ وما الإخفاقات التي اعترتها؟ ومَن هي الجهات أو الشخصيات المسؤولة عن عدم بلوغ أهدافها؟
كم عدد قضايا الفساد المالي والإداري التي تم كشفها خلال السنوات الخمس الماضية؟ وكم قضية منها أُحيلت لجهات التحقيق؟ وكم عدد الأحكام القضائية النهائية الباتة الصادرة بالإدانة؟
كم تبلغ القيمة الإجمالية للمليارات التي تم استردادها فعليًا وضخها في خزينة الدولة من الأموال العامة المعتدى عليها أو المختلسة؟
ما الإجراءات التي اتخذتها الحكومة حيال المخالفات الجسيمة والتجاوزات الواردة في التقارير السنوية للجهاز المركزي للمحاسبات؟ ولماذا يغيب الإفصاح المنتظم والدوري بالأرقام عن نتائج هذه التقارير للرأي العام؟
ما الضمانات التشريعية والتنفيذية الحالية التي تمكّن الأجهزة الرقابية من أداء دورها بحيادية تامة دون أي تدخل أو تعطيل؟ وكيف تكفل الدولة حماية المواطنين والموظفين الذين يتقدمون ببلاغات عن وقائع الفساد من أي تنكيل إداري؟
ما آليات الحكومة في مراجعة إقرارات الذمة المالية للمسؤولين ومنع تضارب المصالح؟ وأين تدابير الشفافية في المشروعات القومية، المناقصات، والتعاقدات الحكومية؟
الإجراءات والمطالب العشرة الفورية
شدد النائب على أن محاربة الفساد الحقيقية تقتضي الانتقال من مرحلة الوعود والخطابات إلى مرحلة التدابير الوقائية الاستباقية دون انتقائية، وأطالب الحكومة بوضع خطة عمل معلنة وموقوتة تلتزم بالآتي:
-إجراء مراجعة مستقلة وشاملة لكافة استراتيجيات مكافحة الفساد المطبقة منذ عام 2014، وإعلان أسباب تعثرها.
- تقديم تقرير سنوي دوري إلى البرلمان يستعرض تفصيلياً قضايا الفساد المكتشفة وحجم الأموال المستردة.
- تمكين الأجهزة الرقابية ومنحها الصلاحيات الكاملة لممارسة اختصاصاتها الدستورية بحرية.
- إرساء مبدأ الإفصاح والعلانية بنشر بيانات الإنفاق العام والمشروعات والمناقصات وتكاليفها الاستثمارية.
- توفير حماية قانونية وفعلية وصارمة لكافة المبلغين والشهود في قضايا الفساد.
- تفعيل قانون حرية تداول المعلومات لتعزيز الرقابة الشعبية والصحفية الواعية.
- إحكام الرقابة على ملفات الكسب غير المشروع وتضارب المصالح ومراجعة ثروات كبار المسؤولين.
- التوسع الممنهج في التحول الرقمي وميكنة الخدمات الحكومية بالكامل لقطع دابر "الفساد الصغير" والرشاوى الموضعية.
- اعتماد معايير الكفاءة والامتحانات الموحدة في التعيينات والترقيات بجهات الدولة، ومحاربة المحسوبية والوساطة.
- محاسبة وعزل أي مسؤول يثبت تقصيره أو تراخيه في تنفيذ مستهدفات خطة النزاهة والحوكمة.
كشف حساب حكومي
وتساءل النائب مستنكرًا: كيف تطالب الحكومة المواطنين بتحمل تدابير الإصلاح الهيكلي القاسية، وارتفاع الأسعار المتنامي، وزيادة الأعباء المعيشية، في حين أنها لا تقدم كشف حساب واضحًا ودقيقًا عن صون المال العام ومنع إهداره؟
وتابع: "ليس من المقبول ولا المنطقي أن يُحاسب المواطن البسيط على كل جنيه ينفقه، بينما تغيب البيانات الرسمية حول حجم الأموال التي ضاعت بسبب الفساد، وكم استُرد منها، ومن الذي خضع للمساءلة والعقاب قانونًا!"
وشدد على أن محاربة الفساد لا تعني فحسب ملاحقة موظف مرتشٍ، بل تعني بناء منظومة مؤسسية تمنع انحراف السلطة، وتكشف التجاوزات دون انتقائية، وتحاسب أي مسؤول مهما كان وزنه أو منصبه؛ إذ لا أحد فوق القانون. فالمال العام هو ملك للشعب وليس ملكاً للحكومة، ومن حق هذا الشعب أن يعلم أين تُنفق أمواله وكيف تُحمى.

