تتصاعد التساؤلات المشروعة حول جدوى إنفاق 12 مليار جنيه لتطوير إدارة المخلفات، في وقت تغرق فيه شوارع العاصمة تحت تلال القمامة، ما يبرز فجوة هائلة بين الخطط المعلنة والواقع المعاش في الأحياء السكنية المزدحمة.
وفي هذا السياق، تضع المطالبات البرلمانية الأخيرة الحكومة أمام مسؤولياتها القانونية المباشرة، لمساءلة وزيرة التنمية المحلية ووزيرة البيئة عن آليات تبديد تلك الاعتمادات الضخمة دون تحقيق أي تحسن ملموس في مستوى النظافة العامة.
مليارات النظافة تتبخر أمام التراكمات
وبناءً على ذلك، طالب النائب أشرف مرزوق بمساءلة عاجلة لمعرفة مصير 12 مليار جنيه مخصصة للبنية التحتية، مشيراً إلى أن المخصصات الضخمة لم تمنع انتشار المقالب العشوائية التي تخنق التجمعات السكانية بمحافظة القاهرة.
ومن زاوية المقارنة، فإن ما أعلنته وزارة التنمية المحلية عن تسليم 11 محطة ثابتة و 14 محطة متحركة خلال عام 2025 لخدمة المحافظات، لا يتطابق إطلاقاً مع استمرار مشكلات الجمع العشوائي وتراكم القمامة اليومية.
وفضلاً عن ذلك، بلغ إجمالي ما تم تسليمه 25 محطة وسيطة بجانب 14 مدفناً صحياً جديداً، ليرتفع العدد الكلي إلى 42 مدفناً، دون أن تترك هذه المنشآت الهندسية أي بصمة إيجابية على نظافة الشوارع.
وعلى صعيد المعالجة، تزعم البيانات الحكومية الانتهاء من تشغيل 6 خطوط فرز وتدشين 3 مصانع تدوير، بيد أن بطء التدوير الفعلي يفاقم الأزمة البيئية ويهدر الموارد المخصصة لإعادة استخدام المخلفات وتحويلها لطاقة.
وبالإضافة إلى ذلك، تتفاخر التقارير برفع نحو 7.4 مليون طن من التراكمات وإغلاق 58 مقلباً عشوائياً، بينما تعود بؤر القمامة للظهور مجدداً في غضون أيام بسبب غياب منظومة المتابعة والفرز الدوري من المنبع.
وفي هذا الصدد، يؤكد الدكتور حسام محرم المستشار الأسبق لوزارة البيئة وأستاذ التخطيط البيئي، أن تشتيت مخصصات التطوير على مشروعات متباعدة جغرافياً دون خطة تكامل تشغيلي يؤدي بالضرورة لهدر استثماري وفشل بيئي شامل.
واستناداً إلى ذلك، يوضح محرم بدراساته التخطيطية، أن تشييد المحطات والمدافن يفقد جدواه ما لم ترافقه شبكات جمع منضبطة، مشدداً على أن التباهي بعدد المنشآت يضلل التقييم الحقيقي للأثر البيئي الفعلي في المدن.
ونتيجة لهذا التعثر، يظل إغلاق المقالب العشوائية مجرد إجراء شكلي لا يحمي الصحة العامة، إذ يتحول محيط تلك المقالب إلى بؤر اشتعال ذاتي وتلوث هوائي يتجاهل الحلول العلمية المستدامة لتدوير النفايات الصلبة.
أرقام العقود تعجز عن المواجهة
في سياق متصل، أبرمت المحافظات 9 عقود جديدة مع شركات القطاع الخاص لجمع ونقل المخلفات، ليصل إجمالي عقود التشغيل إلى 37 عقداً، غير أن النتائج الواقعية تثبت تدني كفاءة معظم هذه الشركات المتعاقدة.
وفي ضوء ذلك، تواجه محافظة القاهرة تحدياً كارثياً بإنتاجها اليومي الضخم البالغ 17 ألف طن من المخلفات، وهو حجم هائل يعجز الجهاز التنفيذي عن استيعابه في ظل تراخي وتراجع معدلات الكنس والرفع المنتظم.
علاوة على ذلك، تستقبل شوارع العاصمة يومياً ما بين 4 آلاف إلى 5 آلاف متر مكعب من مخلفات الهدم والبناء، لتتحول الأرصفة والساحات المفتوحة إلى مقابر ردم مفتوحة تهدد السيولة المرورية والسلامة العامة للمواطنين.
ومن منظوره الهندسي، يرى المهندس أحمد الشناوي خبير إدارة المخلفات الصلبة وعضو الجمعية المصرية للهندسة البيئية، أن كراسات شروط التعاقد الحكومية تفتقر لمعايير الأداء التشغيلي الصارمة وتتساهل مع عجز المعدات الفنية للشركات.
وفي هذا الإطار، يؤكد الشناوي بموجب تحليله الميداني، أن شركات النظافة تتجاهل الجمع السكني المباشر وتكتفي بتفريغ الحاويات الكبرى بصورة متقطعة، ما يجبر المواطنين على إلقاء أكياس القمامة على قارعة الطريق وحول أعمدة الإنارة.
وبالتوازي مع ذلك، يتفاقم غياب الرقابة الميدانية الصارمة من أجهزة الأحياء وهيئة النظافة والتجميل، ما يعطل تطبيق الغرامات الرادعة المنصوص عليها في العقود ويمنح المقاولين غطاءً لاستمرار الإخلال بالتزاماتهم التعاقدية دون أي خوف.
ومن هذا المنطلق، تتحول بنود الاتفاقيات المبرمة إلى مجرد حبر على ورق أمام غياب آليات التفتيش الرقمي ومتابعة مسار سيارات نقل القمامة عبر أجهزة التتبع، مما يفرغ خطة التطوير برمتها من مضمونها الحقيقي.
وبناءً على هذه المعطيات، تصبح وعود تحسين البيئة الحضرية مجرد مسكنات وقتية لا تصمد أمام التزايد السكاني المطرد، ما يستوجب مراجعة هيكلية فورية لآليات إدارة العقود وتحديد المسؤوليات التنفيذية بدقة ومحاسبة كل المقصرين.
عين شمس تدفع فاتورة الإهمال
على نحو مأساوي، تتجسد الأزمة بوضوح داخل حي عين شمس الذي يقطنه أكثر من 3 ملايين مواطن، حيث تحولت الشوارع الجانبية والأسواق إلى مقالب مفتوحة تحاصر المدارس والمستشفيات وسط صمت تنفيذي مطبق يثير سخط السكان.
وإزاء هذا التدهور، تقتصر تحركات أجهزة الحي على حملات استعراضية مؤقتة تزيل جزءاً يسيراً من التراكمات ثم تتلاشى سريعاً، لتعود أكوام القمامة وتغلق الطرقات في مشهد يناقض ادعاءات رفع كفاءة الخدمات البيئية المقدمة.
ومن زاوية أكاديمية، تطرح الدكتورة منى كمال أستاذة الإدارة البيئية والتنمية المستدامة بالمركز القومي للبحوث رؤيتها، مؤكدة أن تهميش الأحياء الشعبية المكتظة وتوجيه الموارد لواجهات المدن يمثل سياسة تمييزية تفشل خطط التنمية الحضرية.
وفي تحليلها للمخاطر، تبرهن كمال على أن التراكم المستمر للنفايات العضوية في عين شمس يخلق بؤراً وبائية خطيرة تطلق غاز الميثان السام، مهددة سلامة الأطفال دون أي تحرك وقائي جاد من مسؤولي قطاع البيئة.
وتأسيساً على ذلك، طالب البرلمان ببيان تفصيلي يوضح حجم العمالة والمعدات والسيارات المخصصة لخدمة الحي، فضلاً عن خطط التشغيل اليومية ومواعيد الجمع السكني والتجاري وأعداد مرات الكنس المعتمدة رسمياً دون تزييف للواقع.
علاوة على ما سبق، شملت المطالبات إلزام الحكومة بتقديم إحصاء دقيق لحجم المخلفات المنقولة فعلياً من الحي، وسجل الشكاوى المحررة وإجراءات معالجتها، مع إعلان الجزاءات القانونية المتخذة بحق الشركة المسؤولة أو القيادات المحلية المقصرة.
وحتى هذه اللحظة، تظل ملايين الجنيهات المستقطعة من المواطنين لخدمات النظافة بلا مردود على الأرض، في حين تدفع المناطق الشعبية ضريبة التخبط الإداري وتراخي الجهات التنفيذية عن فرض هيبة القانون على الشركات المتقاعسة.
وفي المحصلة النهائية، يقف الشارع العاصمي شاهداً حياً على إخفاق منظومة الـ 12 مليار جنيه، مع استمرار تكدس القمامة الذي يعري البيانات الحكومية ويفرض المحاسبة الفورية لكل مسؤول تورط في هذا التدهور الشامل.

