تلتهم معدلات الغلاء المتسارعة مدخرات الطبقات المتوسطة، مجبرة العائلات على إسقاط شراء السلع المعمرة والجديدة من حساباتها المالية بصورة تامة، بعدما تضاعفت أسعار الأجهزة الكهربائية بمستويات تفوق أي قدرة على التحمل أو التكيف المعيشي.
وتعصف التراجعات المتتالية في القوة الشرائية بأولويات المواطنين، فتدفعهم مرغمين نحو تقليص الإنفاق الأساسي وإلغاء فكرة اقتناء التجهيزات المنزلية الحديثة، بعدما أصبحت الأعباء السنوية للتعليم ومتطلبات المعيشة اليومية تستنزف كامل الدخل المتاح بلا هوادة.
نزيف الجنيه يعمق أزمة المبيعات
وفي هذا السياق، يؤكد مسؤول شعبة الأجهزة الكهربائية بغرفة الجيزة التجارية، جورج سدرة، أن الركود ضرب مفاصل الأسواق بعنف غير مسبوق، نتيجة الارتفاع القياسي في تكاليف الإنتاج والاستيراد التي أرهقت كاهل المصنعين والتجار.
وبناء على ذلك، سجلت حركة المبيعات هبوطاً حاداً بلغ نحو 60% خلال شهر سبتمبر وحده، متأثرة ببدء العام الدراسي ومصروفات الجامعات التي استنزفت ما تبقى من مدخرات الأسر، محولة الأجهزة الجديدة إلى كماليات مستحيلة.
علاوة على ذلك، يوضح سدرة أن تعطل حركة الشراء الرسمية قاد بعض الشركات والمصانع إلى دراسة تسريح جزء من العمالة لتقليص نفقات التشغيل، تفادياً لخسائر متراكمة تهدد استمرارية الكيانات المنتجة داخل السوق المحلية.
من جهة ثانية، تسببت القرارات النقدية المتتالية في قفزات سعرية غير مسبوقة لكافة السلع الكهربائية، مما جعل شاشات العرض والغسالات والثلاجات تتجاوز القدرات التمويلية للطبقة الوسطى التي كانت تشكل صمام الأمان لنمو القطاع.
ونتيجة لهذه المعطيات، تحولت صالات العرض الكبرى إلى مساحات خاوية من المشترين، بعدما تراجعت عقود التوريد وتجمدت مبادرات التقسيط المصرفية أمام عجز الرواتب الثابتة عن ملاحقة موجات التضخم المتلاحقة التي تجتاح الاقتصاد.
إلى جانب ذلك، يشير واقع المبيعات إلى أن التراجع لم يقف عند حدود الهواتف الذكية فحسب، بل طال مستلزمات المعيشة الضرورية كالبوتاجازات والمبردات، ما يبرهن على بلوغ الضغوط المعيشية مستويات تنذر بمزيد من الشلل.
وفي ضوء هذا، أغلقت منافذ تجارية صغرى أبوابها تحت وطأة الركود وارتفاع الإيجارات، بينما واصلت الشركات الكبرى تخفيض طلبيات المكونات المستوردة بنسب قياسية، تفادياً لتراكم بضائع غير قادرة على إيجاد مشترين بأسعارها الحالية.
بالتوازي مع ذلك، عمقت كلفة الشحن والرسوم المفروضة أزمات التجار، لتتحول معارض الأجهزة إلى مستودعات ساكنة للبضائع الراكدة، في ظل عزوف شامل من الأسر عن استبدال ما تلف من أجهزتها القديمة بالسلع المعروضة.
ازدهار قسري لسوق الأجهزة المستعملة
ومن هذا المنطلق، يرى أستاذ التمويل والاستثمار، الدكتور مدحت نافع، أن هروب المستهلكين إلى السلع المستعملة ومنتجات الفرز الثاني يمثل رد فعل حتمي على السياسات السعرية التي تجاهلت انهيار الأجور الحقيقية للمواطنين.
في المقابل، انتعشت منصات البيع الرقمية ومجموعات التواصل الاجتماعي المتخصصة في تداول المستعمل، حيث تحولت هذه القنوات غير الرسمية إلى بديل جوهري تلجأ إليه العائلات لتجهيز المنازل وتأثيث مساكن الزواج بأقل التكاليف.
فضلاً عن ذلك، يؤكد نافع أن تنامي السوق الموازية يكرس التشوه الهيكلي للتجارة الداخلية، عبر تعزيز رواج أجهزة مجهولة المصدر ومنتجات مرتجعة تخلو من الضمانات القانونية، في غياب رقابة فاعلة تحمي حقوق المشترين.
وعلى صعيد متصل، لم يعد خيار اقتناء الأجهزة المستعملة محصوراً في الفئات الأكثر فقراً، بل امتد بقوة ليطال شرائح المهنيين والموظفين الذين تآكلت مدخولهم تحت وطأة الضرائب ورفع الدعم الحكومي عن الخدمات.
نتيجة لذلك، برزت علامات تجارية مغمورة ورخيصة كبدائل للماركات العالمية المعتمدة، مستغلة حاجة المستهلك الماسة لتفادي الأسعار الفلكية، على الرغم من افتقار هذه المنتجات لكفاءة استهلاك الطاقة ومطابقة معايير السلامة الصناعية المعمول بها.
ومن ثم، تحول هذا النمط الاستهلاكي القسري إلى عبء إضافي يهدد ميزانيات الأسر على المدى البعيد، بسبب قصر العمر الافتراضي للأجهزة المعيبة وكثرة أعطالها المتكررة التي تتطلب مدفوعات نقدية مستمرة لإصلاحها.
والجدير بالذكر أن، أسواق الجمعة والمزادات الشعبية شهدت تدفقاً لافتاً من الباحثين عن شاشات وهواتف مستعملة، بعدما أصبحت الأجهزة الذكية الجديدة بعيدة المنال عن قدرة قطاعات واسعة من الطلبة والشباب وسوق العمل.
تباعاً لذلك، بات تجار التجزئة أنفسهم يعرضون بضائع الفرز الثاني والسلع المرتجعة داخل محالهم لجذب الزبائن، متنازلين عن الترويج للمنتجات الفاخرة التي تكدست في مخازنهم بفعل تهاوي القدرات الشرائية وندرة السيولة النقدية.
مراكز الصيانة ملاذ المستهلكين الأخير
وعلى هذا الأساس، يوضح الخبير الاقتصادي ومستشار أسواق المال، الدكتور وائل النحاس، أن لجوء المواطنين المكثف إلى ورش الصيانة يعكس عجزاً بنيوياً في إدارة السياسات النقدية التي حولت السلع الأساسية إلى استثمارات متعذرة.
ومن زاوية أخرى، أصبحت فاتورة إصلاح الأجهزة التالفة تستقطع ما بين 20% و 25% من قيمة السلعة الجديدة، وهو عبء مالي يفضله المستهلكون مجبرين على تحمل كلفة استبدال الجهاز بالكامل بالأسعار الجارية.
علاوة على المذكور، يرى النحاس أن إطالة العمر التشغيلي للأجهزة المتهالكة عبر الترقيع المستمر واستبدال قطع الغيار يعكس تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة الموارد الأسرية، التي أضحت تقاتل يومياً للحفاظ على الحد الأدنى للاستقرار.
في غضون ذلك، واجهت ورش الصيانة صعوبات متزايدة في توفير قطع الغيار الأصلية نتيجة شح العملة الصعبة، مما أدى إلى انتشار قطع مقلدة رديئة الصنع تهدد بأعطال جسيمة وتفاقم استهلاك التيار الكهربائي.
بموازاة ذلك، تضاعفت تكاليف أجور الفنيين ومصنعيات الإصلاح بصورة قياسية، مما جعل عملية ترميم الأجهزة القديمة تشكل نزيفاً مستمراً لمدخرات المواطنين، دون تقديم أي ضمانات تشغيلية طويلة الأجل للأجهزة التي جرى تعديلها.
من هذا المنظور، تجد الأسر نفسها عالقة في دائرة مغلقة من الصيانة المتكررة لآلات تجاوزت عمرها المفترض بسنوات، بعد أن بات استبدال ثلاجة أو غسالة يعادل راتب موظف حكومي لعام كامل بأكمله.
وتأسيساً على ما تقدم، يفرض هذا الركود التضخمي ضغوطاً متصاعدة على سلاسل الإمداد ومصانع الأجهزة الكهربائية التي تجد نفسها أمام خيارات قاسية لتقليص خطوط إنتاجها أو التوقف المؤقت عن العمل تفادياً لمزيد من الخسائر.
وفي الختام تعيد الضغوط الاقتصادية المتفاقمة هندسة أولويات المجتمع بصورة قسرية، لتدفن طموحات التحديث الاستهلاكي وتجبر الملايين على القبول بأنماط معيشية بديلة فرضتها وطأة السياسات الاقتصادية الراهنة التي عمقت الفجوة بين الدخل والأسعار.

