أطلق بنك القاهرة إجراءات بيع ثلاثين بالمئة من أسهمه عبر بنك مصر، طارحاً مليارات الحصص للمستثمرين في البورصة، لتستعيد الأسواق الحكومية مسار الخصخصة المؤجل منذ سنوات تحت وطأة ضغوط مالية داخلية متراكمة.
في المقابل يثير توقيت التخلي عن الحصة المصرفية الواسعة تساؤلات حتمية بشأن جدوى التنازل عن كيانات رابحة تحقق عوائد سيادية منتظمة، لتسديد التزامات عاجلة تستنزف المدخرات العامة دون معالجة جذور الأزمة الاقتصادية القائمة.
تفريط في أرباح مصرفية تاريخية رابحة
علاوة على ذلك تأتي خطوة البيع الحالية لتقتطع أكثر من أربعة مليارات سهم من ملكية عامة راسخة، مفرطة في ركيزة مالية وفرت للخزانة تدفقات أرباح مستدامة طوال العقود الماضية بمعدلات نمو قياسية.
من جهته يرى الدكتور عبد الخالق فاروق، الباحث في الاقتصاد السياسي والمالية العامة، أن التنازل عن بنك يحقق فوائض سنوية ضخمة يمثل استنزافاً مباشراً لأصول الشعب المولدة للدخل لصالح تسويات محاسبية مؤقتة.
إلى جانب ذلك يؤكد فاروق أن استبدال التدفقات الإيرادية الدائمة بحصيلة مالية عاجلة يفرغ الموازنة العامة من مصداتها التمويلية الذاتية، ويعمق فجوة العجز الهيكلي بدل تدارك التضخم الذي يعصف بالقوة الشرائية.
بناء على ذلك تصبح التضحية بهذه الحصة برهاناً على غياب التخطيط في إدارة الاستثمارات المملوكة للمجتمع، حيث يجري تحويل أصل مصرفي استراتيجي إلى مجرد سيولة سريعة التبخر لسداد فوائد الديون الخارجية المتصاعدة.
فضلاً عن ذلك يعاني القطاع المصرفي العام من تآكل تدريجي في حصته السوقية لمصلحة رؤوس أموال أجنبية، الأمر الذي يقوض قدرة المؤسسات الوطنية على توجيه المدخرات الشعبية نحو الأنشطة الصناعية الحيوية للبلاد.
تأسيساً على هذا تتجاهل السياسات الراهنة حقيقة أن البنوك العامة تشكل درع الحماية الأخير للاقتصاد، مما يجعل التنازل عن أسهمها مغامرة غير محسوبة العواقب على استقرار العملة ومستقبل الأجيال القادمة في الوطن.
في السياق عينه يبرهن الإصرار على البيع السريع على غياب رؤية شاملة لحفظ المكتسبات، إذ يكتفي المسؤولون بترحيل الأزمات العميقة عبر تصريف المؤسسات الأكثر استقراراً وجدارة في السوق المالي دون اكتراث بالعواقب.
عطفاً على ما تقدم تنذر تلك الخطوة بتجريد الدولة من رافد تمويلي لا يعوض، يضمن تحقيق سيادة القرار المالي ويمنع ارتهان المصير الاقتصادي لمصالح التكتلات المصرفية الكبرى ذات الأهداف التجارية الصرفة.
توقيت متأزم يقلص تقييم الأصول
على صعيد متصل يأتي تحديد شهري أكتوبر ونوفمبر لإتمام الاكتتاب وبدء التداول في ظل انخفاض قياسي للعملة وتباطؤ البورصة، مما يعرض القيمة الحقيقية لأسهم البنك لبخس فادح عند إتمام التسعير النهائي للصفقة.
في هذا المضمار يوضح وائل جمال، الباحث في الاقتصاد السياسي والمحاضر في التنمية، أن طرح الأصول في بيئة ركود تضخمي يمنح الصناديق الأجنبية فرص الاستحواذ بأسعار بخسة على حساب الثروة التراكمية للمجتمع.
بالإضافة إلى ذلك يرى جمال أن استعجال إنهاء العملية قبل استعادة الجنيه لقوته الشرائية يعكس رضوخاً لضغوط المقرضين الدوليين، الذين يفرضون تفكيك القطاع العام دون مراعاة لتوقيت السوق أو عوائد التقييم العادل للمصارف.
تبعاً لذلك تجد المؤسسات المالية الأجنبية نفسها مستفيدة من اقتناص حصص استراتيجية بأقل من قيمتها الفعلية، بينما تتحمل الخزانة خسارة فوارق التقييم التي كان يمكن تحصيلها لو تم التريث حتى تحسن الأوضاع المالية.
نتيجة لذلك يتحول الطرح من وسيلة لإنعاش النشاط الاستثماري إلى آلية لتصفية ممتلكات الشعب بأسعار متدنية، مما يكرس الاختلال المالي ويحرم الدولة من تدبير موارد مستدامة تحمي الموازنة من تقلبات أسعار الصرف.
في غضون ذلك تتولى شركات استثمار خاصة إدارة وتنسيق الترويج الدولي للشريحة الكبرى، وهو ما يكرس هيمنة المستثمرين الأجانب على حساب المواطنين وصغار المكتتبين الذين يتركون على هامش الاكتتاب بحصص شكلية محدودة.
انطلاقاً من ذلك تصطدم الرهانات المعلقة على حصيلة العملية بحقيقة استنزاف الديون السيادية، حيث تلتهم أقساط القروض عوائد البيع خلال فترات وجيزة، ليعود العجز المالي إلى تفاقمه السابق بمستويات أكثر خطورة على الاقتصاد.
ارتباطاً بهذا تزداد المخاوف من بيع الحصص دون اشتراط توجيه الأموال نحو التوسع الرأسمالي، إذ تقتصر الإجراءات على تغيير هيكل الملكية دون ضخ استثمارات صناعية تسهم في دعم القيمة المضافة للاقتصاد الحقيقي المتعثر.
تجريد الدولة من أدوات التنمية
بموازاة ذلك يؤدي التخلي عن حصة حاكمة تقترب من الثلث إلى تحجيم الدور التنموي الذي يلعبه البنك في تمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، والتي تعد الركيزة الأساسية لتشغيل ملايين الشباب والحد من البطالة.
ضمن الإطار ذاته يشير الدكتور أحمد السيد، أستاذ الاقتصاد والتمويل بجامعة القاهرة، إلى أن دخول شركاء تجاريين برأس المال يوجه السياسة الائتمانية للمصرف نحو تعظيم الأرباح السريعة وتقليص مبادرات التمويل الاجتماعي والحرفي المهمشة.
من زاوية أخرى يؤكد السيد أن تجارب الخصخصة السابقة أثبتت انسحاب المصارف المبيعة من تمويل القطاعات الإنتاجية البطيئة، وتفضيل الاستثمار في أدوات الدين الحكومية المضمونة وسريعة العائد بدلاً من دعم المشاريع الزراعية والمصانع.
تأكيداً لهذا التوجه تجد الإدارة التنفيذية للبنك نفسها مجبرة على تطبيق معايير ربحية متشددة يفرضها المساهمون الجدد، متخلية عن واجباتها التنموية بتوفير قروض ميسرة للمواطنين الذين لا يملكون أصولاً كافية لتقديم ضمانات مصرفية معقدة.
بيد أن المشهد الكلي يجسد تراجعاً متواصلاً في سيطرة المجتمع على مفاصله المالية، لصالح فئات استثمارية محدودة تبحث عن تعظيم مكاسبها الآنية دون تحمل أي التزام حقيقي تجاه تنمية المجتمع ودعم استقراره المعيشي.
من هذا المنطلق يتحول بيع بنك القاهرة إلى محطة إضافية في مسار التنازلات المالية الصعبة، التي يدفع ثمنها المواطنون في معيشتهم اليومية، بينما تواصل السياسات الحكومية استهلاك الأصول العامة دون بناء بدائل إنتاجية حقيقية.
في ضوء ذلك تتصاعد المخاطر المحدقة بمصير ودائع ومدخرات المواطنين، في ظل تحول البنوك الوطنية الكبرى من أدوات وطنية لخدمة الاقتصاد الداخلي إلى مؤسسات استثمارية خاضعة لأهواء المضاربين وحسابات تحويل الأرباح للخارج بالعملة الصعبة.
بالتوازي مع ذلك يتسع القلق المجتمعي من استمرار التخلي عن المؤسسات المصرفية الناجحة، لكونه يضع الأجيال الجديدة أمام اقتصاد منزوع الأنياب، ومرتهن بالكامل لشروط الدائنين وتوصيات المؤسسات المالية الدولية دون حماية للمواطن.

