جدّد نقيب الصحفيين خالد البلشي تأكيده أن النقابة لن تتخلى عن مسؤوليتها في الدفاع عن الصحفيين وحماية حرية العمل الصحفي، على خلفية أزمة احتجاز ستة من أعضاء فريق منصة «متصدقش»، وما أُثير بشأن تعرضهم للتعذيب والإكراه، في وقت تصاعدت فيه الانتقادات الموجهة إلى النقابة ونقيبها بسبب تحركهما للمطالبة بالتحقيق في هذه الادعاءات.

 

وأكد البلشي، في بيان مطول أصدره مساء الأحد بعنوان «تعليق على ما حدث ويحدث.. لعل الذكرى تنفعنا»، أن الاتهامات لا تمثل أحكامًا بالإدانة، وأن الإجراءات القانونية والتحقيقات المؤقتة لا يجوز استخدامها وسيلة للضغط على المؤسسات المهنية أو تعطيل دورها. وشدد على أن النقابة ستواصل التحرك لحماية حقوق الصحفيين وضمان احترام القانون، بعيدًا عن أي اعتبارات تتعلق بانتماءاتهم أو مواقفهم.

 

وتأتي تصريحات نقيب الصحفيين في ظل استمرار الجدل بشأن القضية رقم 8083 لسنة 2026 حصر أمن الدولة العليا، التي يُحتجز على ذمتها ستة صحفيين من فريق «متصدقش»، وسط مطالب نقابية وحقوقية بالتحقيق في الشكاوى المتعلقة بظروف احتجازهم، في مقابل نفي وزارة الداخلية تعرضهم للتعذيب أو سوء المعاملة.

 

 

البلشي يرفض تعطيل دور النقابة

 

أكد خالد البلشي أن نقابة الصحفيين ليست جهة اتهام أو تحقيق، وإنما مؤسسة مهنية تضطلع بمسؤولية الدفاع عن الصحفيين ومتابعة مدى الالتزام بالضمانات القانونية التي تكفل حقوقهم، والتدخل عندما تظهر وقائع تستدعي المطالبة بالتحقيق أو التحقق من سلامة الإجراءات المتبعة بحقهم.

 

وأوضح أن تحرك مجلس النقابة في قضية صحفيي «متصدقش» جاء في إطار هذه المسؤولية، بعدما أُثيرت ادعاءات بشأن تعرض الصحفيين الستة للتعذيب والإكراه. وشدد على أن المطالبة بفحص هذه الادعاءات لا تعني إصدار أحكام مسبقة بشأن صحتها، وإنما تستهدف التأكد من احترام القانون وضمان حق المحتجزين في الحماية القانونية.

 

وشهدت الأزمة تصاعدًا في الهجوم على النقابة ونقيبها، بعدما أثار التحرك القانوني مطالبات بالتحقيق في الشكاوى المتعلقة بالمحتجزين. وامتدت الانتقادات إلى اتهامات وُجهت عبر كتابات وحسابات إلكترونية للنقابة بـ«الأخونة» ودعم الإرهاب، إلى جانب دعوات أطلقتها شخصيات مقربة من السلطة لإقالة النقيب ومقاطعة الصحافة المصرية.

 

ورفض البلشي التعامل مع هذه الحملات باعتبارها مبررًا للتراجع عن الدور النقابي، مؤكدًا أن أي إجراء قانوني مؤقت لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لتقييد عمل النقابة أو إجبارها على الصمت تجاه القضايا التي تمس حقوق الصحفيين.

 

وشدد على أن استقلال المؤسسات المهنية وقدرتها على أداء مسؤولياتها يمثلان جزءًا من منظومة احترام القانون، وأن حماية حقوق الصحفيين لا ينبغي أن ترتبط بمدى الاتفاق مع آرائهم أو طبيعة القضايا التي يعملون عليها.

 

 

الاتهام لا يعني الإدانة

 

خصص البلشي جانبًا مهمًا من بيانه للتأكيد على ضرورة احترام قرينة البراءة، محذرًا من التعامل مع الاتهامات الموجهة إلى أي شخص باعتبارها حقائق نهائية قبل استكمال التحقيقات والفصل القضائي فيها.

 

وأشار إلى أن بيانات سلطات الضبط والتحقيق لا ينبغي أن تكون المصدر الوحيد لتكوين الأحكام بشأن القضايا، داعيًا الصحفيين إلى عدم الانسياق وراء رواية واحدة، مهما كانت الجهة التي تقدمها، والحرص على الاستماع إلى مختلف الأطراف وفحص الأدلة المتاحة قبل الوصول إلى استنتاجات.

 

وأكد أن الفصل في الاتهامات يظل من اختصاص القضاء، من خلال محاكمة عادلة تتوافر فيها الضمانات اللازمة للدفاع، وأن دور الإعلام لا يتمثل في إصدار أحكام بديلة عن الأحكام القضائية أو المشاركة في حملات التشهير بالمتهمين.

 

ولفت إلى أن قرينة البراءة يجب أن تحكم التعامل مع المتهمين في جميع مراحل الضبط والتحقيق والمحاكمة، بما يمنع تحويل الاتهامات إلى وسيلة للإدانة الشعبية أو الإعلامية، أو استخدامها للضغط على المؤسسات ودفعها إلى التخلي عن مسؤولياتها.

 

وفي هذا السياق، شدد البلشي على أن الدفاع عن حقوق الصحفيين لا يتعارض مع احترام القانون، كما أن المطالبة بالتحقيق في الشكاوى لا تعني تبني نتائج مسبقة، وإنما تستلزم فحص الوقائع بصورة جادة ومستقلة، وصولًا إلى تحديد ما حدث والمسؤولية عنه وفقًا للأدلة.

 

 

النقابة تدافع عن جميع الصحفيين

 

جدد نقيب الصحفيين تأكيده أن النقابة ستواصل الدفاع عن ممارسي العمل الصحفي، سواء كانوا مقيدين في جداولها أو غير مقيدين، مشددًا على أن حماية الحقوق المهنية والإنسانية لا ينبغي أن تخضع للتفتيش في النيات أو الانتماءات السياسية والفكرية.

 

وقال البلشي إن سجلات النقابة ليست سجلات تحريات، ولا تتضمن تصنيفات للانتماءات، وإنما ترتبط بالصفة المهنية، في إشارة إلى رفضه ربط حق الصحفي في الحماية النقابية بمواقفه أو طبيعة المحتوى الذي يقدمه.

 

ويعكس هذا الموقف تأكيدًا على أن المسؤولية المهنية للنقابة لا تقتصر على الدفاع عن أعضائها في القضايا التي تتفق فيها الآراء، بل تمتد إلى المطالبة بضمانات قانونية عادلة لكل من يمارس العمل الصحفي، مع الالتزام بالفصل بين الحقوق المهنية وبين الاتهامات التي يتعين إثباتها أمام جهات التحقيق والقضاء.

 

كما ربط البلشي بين التضامن الصحفي والالتزام بأخلاقيات المهنة، معتبرًا أن مساندة الزملاء ليست مجاملة شخصية أو منحة تمنحها مؤسسة لأعضائها، وإنما واجب مهني وأخلاقي يفرض الدفاع عن حق كل شخص في محاكمة عادلة وعدم التشهير به قبل ثبوت الاتهامات المنسوبة إليه.

 

ودعا إلى تجنب استسهال الإدانة أو تداول الاتهامات دون تحقق، سواء تعلقت القضية بصحفيين أو بأشخاص من خارج الوسط الإعلامي، مؤكدًا أن المعايير المهنية يجب أن تكون واحدة، وأن احترام حقوق المتهمين لا يتناقض مع حق المجتمع في معرفة الحقيقة.

 

 

الصحافة ليست مجرد نقل للبيانات

 

تطرق بيان البلشي إلى طبيعة الدور الذي تؤديه الصحافة في المجتمع، مؤكدًا أنها لا تقتصر على نقل البيانات الرسمية أو تكرار ما يصدر عن المؤسسات، وإنما تقوم على التحقق من المعلومات وكشف مواطن الخلل ومساءلة المسؤولين وإتاحة الحقائق أمام الجمهور.

 

وقال إن «الصحافة مهنة لها قلب»، في تعبير يعكس رؤيته لدور العمل الصحفي باعتباره مسؤولية تجاه الناس، وليس مجرد عملية لنقل التصريحات والمواقف دون فحص أو تدقيق.

 

وشدد على أن الصحفي مطالب بالتحقق من المعلومات، ومراجعة مصادرها، والاستماع إلى الأطراف المعنية، وتقديم الوقائع دون تهوين أو تهويل، مع الالتزام بالدقة وعدم تحويل التناول الإعلامي إلى وسيلة للتشهير أو تصفية الحسابات.

 

 

حدود الاختصاص أساس حماية القانون

 

أكد البلشي أن حماية المصلحة العامة تتطلب احترام الاختصاصات المختلفة للمؤسسات، بحيث تؤدي كل جهة دورها دون تجاوز أو تدخل في مسؤوليات الجهات الأخرى.

 

وأوضح أن سلطات الضبط تتولى جمع الاستدلالات، وتختص جهات التحقيق بفحص البلاغات والتحقيق في الوقائع، بينما يظل الفصل في الاتهامات من اختصاص القضاء. وفي المقابل، تتولى النقابة حماية المهنة وممارسيها، ويلتزم الصحفي بالتحقق من المعلومات ونقلها بمهنية ومسؤولية.

 

وحذر من أن تجاوز هذه الحدود يضعف المنظومة القانونية والمهنية بأكملها، ويؤدي إلى الخلط بين أدوار المؤسسات، بما قد ينعكس سلبًا على ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الأفراد في الدفاع عن أنفسهم.

 

وجدد النقيب تمسكه بمطالبة الجهات المعنية باحترام سيادة القانون وسلامة الإجراءات، والتحقيق الجاد في أي بلاغ يتضمن ادعاءات بانتهاكات، مؤكدًا رفض استخدام اتهامات غير مثبتة لتعطيل العمل النقابي أو الحد من قدرة النقابة على أداء واجباتها.

 

وشدد كذلك على ضرورة احترام الضمانات الدستورية المتعلقة بحرية الصحافة والنشر، باعتبارها جزءًا من الإطار الذي ينظم العلاقة بين المؤسسات العامة والعمل الإعلامي، ويضمن ممارسة المهنة في حدود القانون دون إخضاعها للضغوط أو الحملات التي تستهدف إسكات الأصوات المنتقدة.