أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى تفاهم مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين بشأن استئناف توريد كميات كبيرة من الديزل الروسي إلى الأسواق الأمريكية والعالمية خلال الأشهر المقبلة.
وجاء الإعلان بالتزامن مع تراجع سعر الديزل بالجملة في ميناء نيويورك بنحو 4.5%، ليصل إلى 4.67 دولارات للغالون، وسط تساؤلات بشأن قدرة الإمدادات المعلنة على إحداث تغيير مستدام في الأسعار.
الاتفاق يضغط على أسواق الطاقة
لكن الإعلان يفتح الباب أمام تساؤلات تتعلق بحجم الكميات التي ستصل فعليا إلى الأسواق، وقدرة روسيا على زيادة صادراتها في ظل تضرر عدد من مصافيها، فضلا عن تأثير العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة الروسي. كما يضع الاتفاق العلاقات الأمريكية الروسية في دائرة الاهتمام مجددا، في وقت تتواصل فيه الحرب بين روسيا وأوكرانيا وتستعد واشنطن لمحادثات جديدة بشأن تسوية النزاع.
تراجع أسعار الديزل في نيويورك
سجل سعر الديزل بالجملة في ميناء نيويورك انخفاضا بنحو 4.5% عقب الإعلان عن الاتفاق، ليصل إلى 4.67 دولارات للغالون، الذي يعادل نحو 3.7 لترات. ويعكس هذا التراجع استجابة أولية من السوق للتوقعات بشأن زيادة المعروض من الوقود، لكنه لا يمثل بالضرورة مؤشرا على انتهاء أزمة الإمدادات أو استمرار انخفاض الأسعار خلال الفترة المقبلة.
وتتأثر أسعار الديزل بمجموعة من العوامل، من بينها حجم الإنتاج في المصافي، وتكاليف نقل النفط والمنتجات المكررة، والطلب الصناعي والزراعي، إلى جانب التطورات الجيوسياسية التي قد تعطل تدفقات الطاقة. ولذلك، فإن الإعلان عن كميات إضافية لا يعني بالضرورة وصولها بالسرعة أو الحجم اللذين تتوقعهما الأسواق.
وكان ترامب قد ربط الاتفاق بإمكانية تخفيف الأعباء عن المستهلكين الأمريكيين، مطالبا شركات تكرير النفط وتجار التجزئة بالبدء في خفض الأسعار. وقال إن الإمدادات الروسية ستساعد في تقليل تكلفة الديزل على المزارعين ومربي الماشية وسائقي الشاحنات، وهي قطاعات تعتمد بدرجة كبيرة على الوقود في أنشطتها اليومية.
ويستخدم الديزل، المعروف في مصر باسم السولار، في تشغيل شاحنات نقل البضائع والحافلات والآليات الثقيلة والمعدات الزراعية، كما يدخل في تشغيل بعض السفن ومولدات الكهرباء. ويؤدي ارتفاع سعره إلى زيادة تكاليف نقل السلع وتشغيل المعدات، وقد تنتقل هذه الزيادة إلى أسعار المنتجات والخدمات التي يتحمل المستهلك النهائي تكلفتها.
كميات الإمدادات تثير تساؤلات المحللين
رغم التفاؤل الذي صاحب الإعلان، يرى محللون في قطاع الطاقة أن الكميات المعلنة قد لا تكون كافية لمعالجة النقص في المعروض العالمي، خاصة في ظل الأضرار التي لحقت بمصافي التكرير الروسية نتيجة الهجمات الأوكرانية.
وبحسب تقديرات نقلتها صحيفة فايننشال تايمز البريطانية عن محللين في قطاع الطاقة، تعمل المصافي الروسية بنحو 60% من طاقتها الإنتاجية، وهو ما يثير الشكوك بشأن قدرة موسكو على توفير كميات إضافية كبيرة من الديزل دون التأثير على التزاماتها التصديرية الأخرى.
وقالت ميشيل بروهارد، رئيسة سياسات المخاطر الجيوسياسية في شركة كبلر المتخصصة في بيانات تجارة الطاقة، إن التحدي الذي تواجهه روسيا يتعلق بالمصافي والإنتاج، وليس بمجرد القدرة على التصدير. ويعني ذلك أن الإعلان عن شحنات جديدة يظل مرتبطا بمدى توافر الوقود فعليا، وقدرة المنشآت المتضررة على مواصلة الإنتاج أو استعادة جزء من طاقتها التشغيلية.
وتشير بيانات كبلر إلى أن متوسط صادرات روسيا من الديزل المنقول بحرا بلغ نحو 2.6 مليون طن شهريا خلال السنوات التي سبقت عام 2025، قبل أن تتراجع الصادرات خلال عام 2026 بفعل القيود المفروضة على التصدير والأضرار التي أصابت مصافي التكرير.
كما أن تعهدات التوريد لا توضح وحدها كيفية توزيع الكميات بين الولايات المتحدة وبقية الأسواق العالمية، أو ما إذا كانت جميع الشحنات ستصل في المواعيد المحددة. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن الولايات المتحدة لم تستورد كميات تذكر من الديزل الروسي خلال السنوات الأخيرة، وكانت آخر وارداتها المسجلة من هذا الوقود في مارس 2022، وفقا للبيانات المشار إليها عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
وفي تقدير آخر، قال رايان مكاي، كبير استراتيجيي السلع الأساسية في شركة «تي دي سيكيوريتيز»، إن تأثير الكميات المعلنة قد يظل محدودا مقارنة بحجم الصادرات الروسية السابقة. ونقلت تقارير اقتصادية عن محللين أن الإمدادات الإضافية قد تساعد في تهدئة الأسعار مؤقتا، لكنها لا تمثل حلا شاملا للاختلالات التي يعاني منها سوق الديزل.
مصافي التكرير وتكاليف الشحن
لا يرتبط استقرار سوق الديزل بحجم النفط المتاح وحده، إذ يتطلب تحويل الخام إلى منتجات قابلة للاستخدام توافر طاقة تكريرية مناسبة وقدرة على نقل المنتجات إلى المستهلكين. ومن ثم، فإن تضرر المصافي الروسية قد يحد من استفادة الأسواق من أي زيادة معلنة في الإمدادات.
وتواجه المصافي أيضا ضغوطا ناجمة عن ارتفاع تكاليف الشحن والتشغيل، فضلا عن تقلبات أسعار النفط الخام والمنتجات المكررة. وحذرت بروهارد من أن انخفاض أسعار الديزل مقارنة بالنفط الخام قد يضغط على هوامش أرباح المصافي، الأمر الذي يمكن أن يدفع بعض المنشآت، خصوصا في آسيا، إلى خفض الإنتاج.
وإذا اتجهت مصافٍ آسيوية إلى تقليص إنتاجها بسبب تراجع الجدوى الاقتصادية، فقد ينخفض حجم الديزل المتاح للتصدير إلى الأسواق الأخرى، بما يحد من أثر الإمدادات الروسية الجديدة. ويعني ذلك أن زيادة المعروض في منطقة معينة لا تضمن بالضرورة تحسنا مماثلا في جميع الأسواق، إذ تختلف الأسعار وفقا لتكاليف النقل والطلب المحلي ومصادر التوريد المتاحة.
ونقلت وكالة بلومبرج عن ريبيكا بابين، خبيرة الطاقة في مجموعة «سي آي بي سي برايفت ويلث»، تقديرها أن الإمدادات الروسية قد تسهم في تحريك أسعار الطاقة على المدى القصير، لكنها لن تكون كافية لحل مشكلات السوق بصورة شاملة.
وبناء على هذه التقديرات، يتوقف التأثير الفعلي للاتفاق على انتظام الشحنات وحجمها النهائي، إلى جانب قدرة المصافي الروسية على تلبية الالتزامات المعلنة. كما ستظل تطورات الحرب والعقوبات وتكاليف النقل عوامل مؤثرة في اتجاهات الأسعار خلال الفترة المقبلة.
ترخيص أمريكي يخفف قيود العقوبات
تزامن الإعلان عن استئناف الإمدادات مع تحرك من وزارة الخزانة الأمريكية، التي أعلنت إصدار ترخيص عام مؤقت يسمح بتسويق المنتجات النفطية الروسية المشمولة بالقرار، مع إعفائها من العقوبات الأمريكية حتى أبريل 2027، وفقا للتفاصيل الواردة في التقارير المنشورة بشأن الاتفاق.
ويكتسب الترخيص أهمية لأنه يتيح إطارا قانونيا لتداول المنتجات المشمولة به، في ظل القيود التي فرضتها الولايات المتحدة ودول غربية على قطاع الطاقة الروسي بعد الحرب في أوكرانيا. وتهدف هذه العقوبات إلى تقليص الموارد المالية التي تحصل عليها موسكو، والحد من قدرتها على استخدام عائدات الطاقة في تمويل الحرب.
ومع ذلك، لا يعني الترخيص بالضرورة عودة التجارة النفطية بين البلدين إلى مستوياتها السابقة، كما لا يثبت أن جميع الكميات المعلنة ستتجه إلى الولايات المتحدة مباشرة. فالإعلان يشمل الأسواق العالمية أيضا، فيما لا تزال تفاصيل توزيع الشحنات ومسارات نقلها وحجم المبيعات النهائية غير واضحة بصورة كاملة.
وتتجه نسبة كبيرة من صادرات الديزل الروسي المنقولة بحرا إلى أسواق خارج الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك دول في أفريقيا وآسيا والبرازيل. ومن شأن دخول كميات إضافية إلى التجارة العالمية أن يعيد ترتيب بعض تدفقات الوقود بين المناطق، لكنه قد يؤدي أيضا إلى منافسة أكبر على الشحنات المتاحة إذا ظل الإنتاج محدودا.
أسعار الوقود في حسابات انتخابات الكونجرس
يأتي الاتفاق في توقيت حساس بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر. وتمثل تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة أحد الملفات الرئيسية التي تؤثر في النقاش السياسي الداخلي، في ظل الضغوط التي تواجه الأسر والشركات نتيجة ارتفاع نفقات التشغيل والنقل.
وقال ترامب إن خفض أسعار الديزل يمثل أولوية، مشيرا إلى أهمية توفير الوقود بأسعار أقل للمزارعين ومربي الماشية وسائقي الشاحنات. وتكتسب هذه الفئات أهمية اقتصادية وسياسية، بالنظر إلى ارتباط أعمالها المباشر بتكاليف الطاقة وقدرتها على نقل أثر ارتفاع الوقود إلى أسعار المنتجات والخدمات.
لكن حجم التأثير المحتمل يظل مرتبطا بمدى انتقال انخفاض أسعار الجملة إلى محطات الوقود والمستهلكين، وهي عملية لا تحدث بالضرورة بصورة فورية. كما أن الأسعار النهائية تتأثر بعوامل أخرى، تشمل تكاليف التوزيع والضرائب وهوامش الشركات وحجم الطلب المحلي.
وعلى الرغم من تراجع الديزل في نيويورك عقب الإعلان، فإن هذا التحرك وحده لا يكفي للحكم على نجاح الاتفاق في خفض الأسعار على نطاق واسع. وستحتاج الأسواق إلى متابعة وصول الشحنات فعليا، ومدى انتظامها، وأثرها على توازن العرض والطلب خلال الأسابيع المقبلة.
زيلينسكي ينتقد الاتفاق مع موسكو
في المقابل، أثار الإعلان انتقادات أوكرانية، إذ وصف الرئيس فولوديمير زيلينسكي الاتفاق بأنه قرار «مخزٍ» واعتبره مؤشرا إلى ضعف من جانب واشنطن. وتعكس تصريحاته اعتراض كييف على أي خطوات من شأنها تخفيف القيود الاقتصادية المفروضة على روسيا بينما تستمر الحرب بين البلدين.
وجاءت الانتقادات قبيل محادثات كان من المقرر أن يجريها وفد أوكراني مع مبعوثين أمريكيين في ولاية فلوريدا يومي الجمعة والسبت، بمشاركة أوروبية في إطار الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية للنزاع.
وبحسب مسؤولين أمريكيين، تعتزم واشنطن طرح أفكار جديدة خلال الاجتماعات، بعد تعثر محاولات الوساطة السابقة التي قادها ترامب لإنهاء الحرب. ويأتي ذلك وسط تباين في المواقف بشأن شروط التسوية، ومستقبل العقوبات، والضمانات المطلوبة لإنهاء القتال.
وكان ترامب قد انتقد في الأسابيع الأخيرة الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية، بينما أثار موقفه من الضربات الروسية المتواصلة على أوكرانيا انتقادات من مسؤولين أوكرانيين وأوروبيين. ويرى هؤلاء أن تخفيف القيود على قطاع الطاقة الروسي قد يتيح لموسكو الحصول على موارد إضافية، في حين تطرح الإدارة الأمريكية الاتفاق باعتباره خطوة لتوفير الوقود وتخفيف الضغوط على الأسعار.

