أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجددًا ملف سد النهضة الإثيوبي، مهاجمًا سياسات التمويل الدولي الموجهة للمشروع، واصفًا إياها بالخطوة "الغبية للغاية"، مؤكدًا في الوقت ذاته أن قضية مياه النيل تمثل أزمة وجودية للأمن القومي المصري. 

 

وفي تصريحاته التي أعادت ملف سد النهضة إلى واجهة الاهتمام السياسي والدبلوماسي الدولي، عبّر ترامب عن استنكاره الشديد لقيام مؤسسات مالية ودولية بضخ أموال ضخمة لصالح إثيوبيا لبناء السد، معتبرًا أن تقديم التمويل لمشروع يثير نزاعًا إقليميًا حادًا هو "أمر غبي للغاية".

 

وشدد ترامب على أن مياه النيل هي مسألة حياة أو موت بالنسبة لمصر، قالئلاً إن مصر لا يمكنها التعايش مع أي وضع يهدد حصتها التاريخية من المياه، وإن السد بوضعه الحالي يفرض ضغطاً هائلاً وأزمة حقيقية على الدولة المصرية.

 

 

 التلويح بالخيار العسكري 


وألمح ترامب في حديثه إلى أن استمرار التعنت قد يدفع المتضررين إلى اتخاذ خطوات ضرورية لحماية مصالحهم، مكرراً تحذيراته السابقة من أن الوضع قد ينتهي بـ"تفجير السد" إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قانوني منصف.

 

تأتي هذه التصريحات امتداداً للموقف الصارم الذي تبناه ترامب خلال ولايته الأولى، وتحديدًا منذ رعاية واشنطن للمفاوضات في أواخر عام 2019 ومطلع عام 2020، والتي رفضت إثيوبيا التوقيع على مسودتها النهائية في اللحظات الأخيرة. 


وعلى إثر ذلك، قررت إدارة ترامب تجميد جزء كبير من المساعدات المالية والأمنية المخصصة لأديس أبابا عقابًا لها على خرق التعهدات.

 

ويرى مراقبون سياسيون أن تصريحات ترامب الحالية تشير إلى احتمالية ممارسة واشنطن ضغوطًا اقتصادية وسياسية متجددة على الجانب الإثيوبي، والضغط على الصناديق الدولية لوقف أي دعم مستقبلي للمشروعات المرتبطة بالسد لحين توقيع اتفاق ملزم لقواعد الملء والتشغيل.

 

 

إستراتيجية "إعادة التموضع والوساطة الخشنة"

 

تُشير القراءة السياسية إلى أن ترامب يسعى جاهدًا إلى إعادة فرض واشنطن كلاعب رئيسي وأوحد في هذا الملف. فبعدما وصلت المفاوضات الثلاثية بين مصر والسودان وإثيوبيا إلى طريق مسدود تمامًا، يطرح ترامب نفسه من جديد كوسيط يمتلك أدوات "الضغط الاقتصادي والدبلوماسي غير التقليدي"، معتمدًا على لغة حاسمة ضد أديس أبابا لإرغامها على العودة لطاولة المفاوضات بعد اكتمال بناء السد وافتتاحه الأحادي.

 

 

معاقبة إثيوبيا وتجفيف منابع الدعم الدولي

 

وصف ترامب للاستثمارات الموجهة للسد بـ"التصرف الغبي" (مدعيًا أن واشنطن أسهمت في تمويله بطرق ما عبر مؤسسات دولية)، يحمل رسالة تحذيرية شديدة الصرامة للمؤسسات المالية والدول المانحة. هذا الموقف يُمهد لسياسة أمريكية تعتمد على محاصرة إثيوبيا اقتصاديًا داخل صندوق النقد والبنك الدوليين لمنعها من تلقي قروض دولية لمشروعات الطاقة المستقبلية.


كما يهدف إلى حرمان أديس أبابا من الغطاء السياسي الغربي لخططها التوسعية المائية ما لم تُوقع اتفاقًا قانونيًا ملزمًا ينظم قواعد ملء وتشغيل السد في أوقات الجفاف.

 

 

الانحياز الكامل للأمن المائي المصري


أظهرت التصريحات إدراكًا أمريكيًا عميقًا لطبيعة الأزمة؛ حيث اعتبر ترامب أن مياه النيل هي "شريان الحياة المطلق لمصر". تبني ترامب لهذا الطرح وتصريحه بأن إثيوبيا "استولت على المياه" يمنح الموقف المصري دعمًا أمام المحافل الدولية والاتحاد الإفريقي، كما يظهر تفهّم الإدارة الأمريكية للخطوط الحمراء المصرية، والوعي بأن حرمان مصر من مياهها هو تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي في شمال شرق إفريقيا والشرق الأوسط.

 

 

مفارقة "ادعاء الحل" والتناقض الميداني


على الرغم من النبرة الصارمة، زعم ترامب في كلمته قائلاً: "لكنني تمكنت من حل هذه المشكلة"، وهو تصريح يعكس أسلوبه المعتاد في إدارة الأزمات الدولية القائم على الإيحاء بوجود ترتيبات خلف الكواليس.
غير أن التحليل الواقعي يرى في هذه الجملة تناقضاً مع الواقع؛ فالسد اكتمل بناؤه وجرى افتتاحه رسمياً عام 2025 دون التوصل لأي اتفاق ملزم يحمي حقوق المصب.