كشف الدكتور أحمد كريمة معاناة آلاف المواطنين بمدينة العياط في الجيزة، بسبب تأخر استكمال وتشغيل شبكة الصرف الصحي، بينما تُترك مناطق مسجد النصر والشونة والمدرسة المشتركة تحت رحمة البيارات والمياه الملوثة.
وحذّر أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، وابن قرية العطف، من إهمال يطارد السكان داخل بيوتهم، متهمًا الجهات المعنية بتشتيت المسؤولية والاعتماد على تقارير مكتبية ترفع شعار «كله تمام».
بيارات بدائية تحاصر البيوت والسكان
ففي المناطق المتضررة، يحل الصرف البدائي محل خدمة أساسية يفترض أن تصل إلى كل بيت، ويجد الأهالي أنفسهم مضطرين للاعتماد على «الطرنشات»، لأن الشبكة التي ينتظرون تشغيلها لم تنه معاناتهم.
وبحسب الشكاوى الواردة، تتسرب مياه الصرف وترشح أسفل جدران المنازل، مع تحذيرات من تآكل الأساسات وتهديد سلامة المباني، وهو خطر يتطلب فحصًا هندسيًا عاجلًا، لا ترك السكان وحدهم أمام مخاوفهم.
وفوق ذلك، تلاحق الروائح الكريهة الأهالي على مدار اليوم، وتقتحم تفاصيل حياتهم اليومية، لتصبح البيوت التي يفترض أن تمنح أصحابها الراحة محاصرة بمخلفات الصرف وآثار غياب الخدمة الضرورية عن مناطقهم.
كذلك ترصد الشكاوى انتشار الحشرات والآفات والفئران والثعابين في المناطق المتضررة ومنازلها، بما يضاعف معاناة السكان، ويكشف أن الأزمة تجاوزت تأخر تشغيل الشبكة إلى تدهور بيئي يومي تتركه الجهات المعنية يتفاقم.
وفي هذا الواقع، تتضاعف المخاوف على الأطفال وكبار السن والمرضى، بينما تعجز الشعارات الحكومية عن إبعاد المياه الملوثة عن المنازل، أو منح الأسر بيئة نظيفة تستطيع أن تعيش داخلها بكرامة.
ومن هنا، فإن وصف كريمة للعياط بالمدينة المنكوبة يعكس قسوة المعاناة التي ينقلها؛ إذ لا يطلب السكان امتيازات استثنائية، وإنما شبكة تعمل وتوقف طفح البيارات وتخفف التلوث الذي يحاصر بيوتهم.
وبدلًا من إنهاء هذه المعاناة، يستمر الأهالي في دفع ثمن غياب الخدمة من راحتهم وأموالهم، بينما يظل تأخر التشغيل شاهدًا على إدارة عاجزة عن تحويل المسؤولية إلى عمل يلمسه المواطنون.
ولذلك، تتحمل حكومة السيسي وأجهزتها المعنية مسؤولية معالجة هذا الوضع؛ فالصرف الصحي واجب خدمي أساسي، وتعطله بهذه الصورة يكشف استخفافًا بحقوق سكان تُترك حياتهم اليومية معلقة على مشروع لم يكتمل.
محليات غائبة ومسؤوليات تضيع بالأوراق
وفي تشخيصه للأزمة، أشار كريمة إلى تداخل الاختصاصات بين المرافق والمحليات ومقاولات الباطن، وهو تداخل يتحول، وفق وصفه، إلى تشتيت للمسؤولية، بينما يبقى المواطن وحده حاملًا لأعباء الخدمة الغائبة.
كما اتهم الأجهزة المحلية بغياب المتابعة الميدانية، والاعتماد على تقارير مكتبية تقوم على «تستيف الأوراق»، لتنكشف فجوة قاسية بين ما قد تقوله الملفات وما يواجهه السكان أمام منازلهم كل يوم.
وعندما تصبح عبارة «كله تمام» بديلًا عن النزول إلى الشوارع، تفقد الإدارة قدرتها على رؤية الأزمة، ويغدو ترتيب الورق أهم من وقف طفح الصرف الذي يدفع الأهالي إلى الاستغاثة.
وبالتالي، فإن تعدد الجهات لا يمنح أي جهة حق التنصل، بل يفرض تحديد المسؤوليات بوضوح؛ لأن المواطن لا ينبغي أن يظل عالقًا بين المرافق والمحليات والمقاولين بحثًا عمن يستجيب.
وفي المقابل، يحتاج السكان إلى متابعة تكشف ما تبقى من الأعمال، وتحدد أسباب التعطيل، وتعلن مواعيد قابلة للمحاسبة لاستكمال الشبكة وتشغيلها، بدل استمرار المعاناة دون مسار واضح لإنهاء الأزمة فعليًا.
ثم إن وجود مقاولات من الباطن، كما أشار كريمة، لا يسقط واجب الجهات المشرفة في متابعة التنفيذ؛ فالمحاسبة يجب أن تصل إلى موضع التقصير، وأن تمنع ضياع المسؤولية بين الأطراف.
ومن ناحية أخرى، فإن وصول الشكاوى إلى هذا المستوى يفضح ضعف الاستجابة المحلية؛ إذ اضطر السكان إلى الاستغاثة لنيل خدمة أساسية، بينما تظل البيارات والروائح والمياه الملوثة حاضرة في حياتهم.
وعلى هذا الأساس، وجه كريمة رسالته للمسؤولين مستشهدًا بقوله تعالى: «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها»، ومطالبًا بحقوق السكان الإنسانية في حياة كريمة، بعيدًا عن إدارة تختزل واجباتها بالأوراق.
ولهذا، فإن معالجة الأزمة تتطلب محاسبة المسؤولين عن التعطيل والتقصير وفق ما تكشفه المتابعة، لا الاكتفاء بتدوير الشكوى بين الجهات، بينما يواصل الأهالي تحمل نتائج غياب شبكة صرف مكتملة وعاملة.
استنزاف للأهالي واتهامات بتلويث النيل
وإلى جانب المعاناة البيئية، تستنزف أسعار عربات الكسح المرتفعة الموارد المالية للأهالي، الذين يدفعون لتفريغ البيارات، ثم يظلون مضطرين للعودة إلى الوسيلة نفسها ما دامت الخدمة الأساسية التي ينتظرونها غائبة.
وبذلك، تتحول كلفة غياب الصرف إلى عبء متكرر على الأسر، فتدفع من ميزانياتها لتدبير حل بدائي، بينما يبقى الحل الذي يفترض أن توفره الجهات المسؤولة معطلًا في المناطق المتضررة.
والأشد خطورة أن كريمة قال إن عربات الكسح تلقي حمولتها الملوثة في ترعة الجيزة ونهر النيل، بمرأى ومسمع من الجميع، وهو اتهام يستوجب رقابة ميدانية وتحركًا عاجلًا من الجهات المختصة.
فإذا استمرت الممارسات التي تصفها الشكاوى، تصبح عملية التخلص من الصرف وسيلة لنقل التلوث إلى مجاري المياه، بدل معالجته، وتتسع المشكلة خارج حدود البيارات والبيوت التي بدأت عندها معاناة السكان.
ومن ثم، فإن المطلوب رقابة على عربات الكسح وأماكن تفريغ حمولاتها، بالتوازي مع استكمال وتشغيل الشبكة؛ لأن ترك التلوث ينتقل من مكان إلى آخر لا يعالج أصل الأزمة ولا آثارها.
وفي الوقت نفسه، يستلزم وضع المنازل المتضررة فحصًا للسلامة ومعالجة آثار التسرب، حتى لا يظل السكان محاصرين بالخوف على أساسات بيوتهم، دون تحرك يحدد الضرر ويوقف أسبابه وفق تقييم مختص.
وأمام هذه الصورة، لا تملك حكومة السيسي مبررًا لاستمرار الإهمال؛ فمطالب الأهالي واضحة، والمناطق المتضررة محددة، والشكاوى تصف أزمة يومية تحتاج تنفيذًا ومتابعة ومحاسبة، لا مزيدًا من تداول الملفات بين المكاتب.
وأخيرًا، يبقى شعار «كله تمام» مستفزًا أمام البيارات الطافحة والروائح الخانقة؛ فالكرامة التي يطالب بها سكان العياط تبدأ بخدمة تعمل، ومسؤول يتحمل واجبه، وحكومة توقف ترك الناس فريسة لهذا الإهمال.

