في واحدة من الحكايات الإنسانية التي أعادت حرب أكتوبر إلى ذاكرة المصريين، تبرز قصة الجندي حسن البنا محمد جمال، الذي غادر ورشة صناعة الأثاث في حي باب الشعرية بالقاهرة لأداء الخدمة العسكرية، قبل أن يجد نفسه في قلب معارك أكتوبر 1973، ويعيش أيامًا قاسية داخل حصار الدفرسوار، بينما كانت أسرته تعتقد أنه استُشهد ولن يعود إلى منزله مرة أخرى.

 

وبعد أكثر من نصف قرن على الحرب، لا تزال تفاصيل رحلة حسن من الحياة المدنية إلى ميدان القتال، ثم عودته المفاجئة إلى أسرته، تحمل ملامح مرحلة عاش خلالها آلاف الجنود تجارب قاسية، امتزجت فيها المواجهة العسكرية بالخوف على المصير، والانقطاع عن الأهل، وانتظار أخبار المفقودين.

 

وتكشف رواية حسن، التي أعدها الصحفي عبد العزيز والي ونشرتها شبكة الجزيرة، جانبًا إنسانيًا من حرب أكتوبر، من خلال تجربة جندي عاش الحصار بعيدًا عن أسرته، في الوقت الذي كانت فيه والدته تستعد نفسيًا لفكرة فقدانه، قبل أن يتحول الحزن داخل المنزل إلى فرحة لم تكن الأسرة تتوقعها.

 

 

من ورشة الأثاث إلى الخدمة العسكرية

 

نشأ حسن البنا محمد جمال في حي باب الشعرية بالقاهرة، داخل أسرة ارتبطت مهنيًا بصناعة الأثاث، إذ تعلم الحرفة عن والده وجده، وكان يعمل في الورشة العائلية قبل التحاقه بالقوات المسلحة.

 

وكان حسن، بصفته الأخ الأكبر بين ثمانية أشقاء، يمثل جزءًا أساسيًا من حياة الأسرة، قبل أن تتغير تفاصيل يومه المعتادة مع بدء إجراءات تجنيده في يونيو 1971، حين ترك العمل مؤقتًا ليلتحق بالخدمة العسكرية، دون أن يتوقع أن تمتد تجربته قرابة أربع سنوات ونصف السنة.

 

ويستعيد حسن، في حديثه بداية خدمته في السادس من يونيو 1971، عندما التحق بسلاح الدفاع الجوي في القوات المسلحة المصرية. ومنذ الأيام الأولى، كانت احتمالات الحرب حاضرة في أحاديثه مع زملائه، الذين تبادلوا التوقعات بشأن موعد المواجهة المقبلة، في ظل استمرار حالة الاستعداد العسكري.

 

ومع مرور الوقت، لم تعد الحرب مجرد احتمال يتناقش حوله الجنود داخل المعسكرات، بل أصبحت واقعًا فرض عليهم الانتقال من التدريب والاستعداد إلى المشاركة الفعلية في المعارك.

 

وكانت تلك الفترة تمثل تحولًا كبيرًا في حياة حسن، الذي انتقل من بيئة العمل داخل ورشة الأثاث إلى الحياة العسكرية، بما تحمله من انضباط وتدريبات وانتظار طويل للحظة المواجهة.

 

 

أيام هادئة سبقت اندلاع الحرب

 

قبل اندلاع حرب أكتوبر 1973، كان حسن موجودًا في معسكره بمنطقة السلوم، حيث بدت الأيام عادية ولم تكن الأجواء توحي، وفق روايته، بما ستشهده المنطقة من تطورات عسكرية خلال وقت قصير.

 

لكن السادس من أكتوبر حمل تغيرًا كبيرًا في مسار حياته وحياة زملائه، بعدما بدأت القوات المصرية عمليات العبور والهجوم على القوات الإسرائيلية شرق قناة السويس، في إطار الحرب التي استهدفت استعادة الأراضي المصرية المحتلة.

 

ويقول حسن إن القوات انتقلت بالمركبات العسكرية لعبور قناة السويس، قبل المشاركة في المعارك التي أعقبت بدء العمليات. ومع تطور الأحداث، وجد نفسه وسط ظروف ميدانية مختلفة تمامًا عن حياة المعسكر، حيث أصبحت التحركات العسكرية والاشتباكات ومخاطر القتال جزءًا من يومه.

 

وشارك حسن ضمن قوات الفرقة الرابعة المدرعة، التي ارتبطت تحركاتها بعملية تطوير الهجوم شرقًا في 14 أكتوبر 1973. وكانت هذه المرحلة من الحرب من الفترات التي شهدت مواجهات عسكرية معقدة، في ظل محاولات القوات المصرية توسيع نطاق تقدمها شرق القناة.

 

ومع استمرار العمليات، أخذت المعارك مسارات أكثر صعوبة، خصوصًا بعد تمكن القوات الإسرائيلية من العبور إلى غرب القناة عبر منطقة الدفرسوار، وهو التطور الذي أدى إلى نشوء وضع عسكري بالغ التعقيد، ارتبط بحصار القوات المصرية الموجودة في المنطقة.

 

وبالنسبة إلى حسن، لم تعد المسألة مرتبطة فقط بالمشاركة في الحرب، بل أصبحت تتعلق بكيفية الصمود في ظروف ميدانية قاسية، مع تراجع فرص التواصل مع الأسرة وصعوبة معرفة ما يجري خارج نطاق القوات المحاصرة.

 

 

حصار الدفرسوار وأيام بلا أخبار

 

كانت فترة الحصار من أكثر المراحل التي ظلت راسخة في ذاكرة حسن، بعدما وجد نفسه وسط ظروف صعبة، اتسمت بنقص الإمدادات وانقطاع الأخبار، إلى جانب حالة الغموض التي أحاطت بمصير الجنود الموجودين داخل المنطقة.

 

ويختصر حسن جانبًا من تلك التجربة بقوله: «كنا محاصرين ومعنوياتنا منخفضة»، وهي العبارة التي تعكس حجم الضغط النفسي الذي تعرض له المقاتلون خلال تلك الفترة، في ظل عدم وضوح موعد انتهاء الحصار أو الظروف التي يمكن أن تنتهي إليها المواجهة.

 

ولم تكن الصعوبات مقتصرة على الجوانب العسكرية، إذ مثّل غياب التواصل مع الأهل عبئًا إضافيًا على الجنود، الذين اعتادوا قبل الحرب أن تكون لهم حياة مستقرة خارج المعسكرات، ينتظرهم خلالها أفراد أسرهم عند انتهاء الخدمة أو الحصول على إجازة.

 

ورغم الظروف التي عاشها، يؤكد حسن أن ثقته في العودة إلى أسرته ظلت حاضرة، وأن إيمانه بأنه سيخرج من الحصار حيًا ساعده على التماسك ومواصلة الصمود.

 

وكان التفكير في الأسرة حاضرًا بقوة في تلك اللحظات، إذ لم يكن حسن يعرف حجم القلق الذي تعيشه والدته وأشقاؤه في القاهرة، كما لم تكن أسرته تعرف ما إذا كان لا يزال على قيد الحياة أم أنه فقد خلال المعارك.

 

ومع مرور الأيام، تحول غياب الأخبار إلى مصدر قلق متزايد داخل المنزل، خصوصًا أن الأسرة لم تكن تمتلك وسيلة مباشرة للاطمئنان عليه أو معرفة مكان وجوده.

 

 

والدته ترتدي السواد اعتقادًا باستشهاده

 

في القاهرة، كانت أسرة حسن تعيش حالة من الانتظار المؤلم، مع استمرار انقطاع أخباره وعدم وصول معلومات واضحة عن مصيره خلال فترة الحصار.

 

وتروي شقيقته سامية أن والدته ارتدت الملابس السوداء طوال فترة غيابه، بعدما استقر في اعتقادها أن ابنها الأكبر استُشهد خلال الحرب، ولم يعد هناك أمل في عودته إلى المنزل.

 

وكان هذا الاعتقاد ينعكس على أجواء الأسرة، التي وجدت نفسها أمام احتمال فقدان أحد أبنائها دون أن تتمكن من التأكد من حقيقة ما حدث له. ومع غياب الأخبار، لم يكن أمام الأم ما يطمئنها أو يبدد مخاوفها.

 

وتوضح سامية أن محاولات طمأنة والدتها لم تكن تنجح في تغيير قناعتها، إذ ظلت متمسكة باعتقادها أن ابنها مات في المعركة، وهو ما جعل فترة الغياب أكثر قسوة على أفراد الأسرة.

 

وتكشف هذه التفاصيل جانبًا من المعاناة التي عاشتها عائلات الجنود خلال الحرب، إذ لم تكن المواجهات مقتصرة على ساحات القتال، بل امتدت آثارها إلى المنازل التي عاشت شهورًا من القلق والترقب، في ظل صعوبة الوصول إلى معلومات عن أبنائها الموجودين في الجبهة.

 

وبينما كان حسن يحاول الصمود داخل منطقة الحصار، كانت والدته تواجه احتمال فقدانه، دون أن تعرف أن ابنها لا يزال على قيد الحياة، وأن لقاءً مفاجئًا سيضع حدًا لفترة طويلة من الحزن والانتظار.

 

 

لقاء مفاجئ أنهى سنوات الخوف

 

بعد فك الحصار وعودته من ظروف الحرب، قرر حسن التوجه إلى مقر عمل شقيقته سامية، بدلًا من الذهاب مباشرة إلى المنزل، ليصبح اللقاء الذي جمعهما واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في ذاكرة الأسرة.

 

وتستعيد سامية تفاصيل تلك اللحظة، قائلة إنها شعرت بيد توضع على كتفها، وعندما التفتت فوجئت بوجود شقيقها الذي انقطعت أخباره طوال فترة الحصار، فلم تتحمل الصدمة وفقدت الوعي.

 

كان المشهد بالنسبة إليها أبعد من مجرد لقاء عائلي بعد غياب طويل، فقد كانت قد عاشت فترة من الاعتقاد بأن شقيقها لن يعود، قبل أن يظهر أمامها فجأة، حيًا بعد أن ظنت الأسرة أنه أصبح في عداد الشهداء.

 

وسارع زملاء سامية في العمل إلى مساعدتها بعد أن فوجئوا بما حدث، وحاولوا تهدئتها والتأكيد لها أن ما جرى يستحق الفرح، بعدما تحول انتظار الأخبار إلى لقاء مباشر مع شقيقها الذي عاد من الحرب.

 

أما حسن، فيصف الاستقبال الذي حظي به داخل مقر عمل شقيقته بأنه كان أشبه بحفل زفاف، في إشارة إلى حجم الفرحة التي أحاطت به بعد عودته، وما حمله ظهوره المفاجئ من مشاعر متداخلة بين الدهشة والارتياح والسعادة.

 

وبعد انتهاء اللقاء، واصل حسن طريقه إلى منزل الأسرة، حيث كان ينتظره بقية أفراد العائلة، في وقت لم يكن فيه غيابه قد تحول في ذاكرتهم بعد إلى قصة نجاة، بل ظل مرتبطًا بالخوف الذي عاشوه طوال فترة انقطاع أخباره.

 

 

العودة إلى الحياة وتوثيق ذكرى الحرب

 

بعد انتهاء خدمته العسكرية، عاد حسن إلى مهنته الأساسية في صناعة الأثاث، مستأنفًا العمل الذي عرفه قبل التجنيد، لكن التجربة التي عاشها خلال الحرب ظلت جزءًا من ذاكرته الشخصية والعائلية.

 

واحتفظ بشهادة التقدير التي حصل عليها بعد انتهاء خدمته، باعتبارها واحدة من الشواهد المادية على سنوات قضاها في القوات المسلحة، بعيدًا عن أسرته وحياته المهنية المعتادة.

 

ومع مرور السنوات، لم تختفِ ذكريات الحصار من حياته، بل أصبحت جزءًا من الحكايات التي نقلها إلى أبنائه وأحفاده، لتبقى تجربته حاضرة داخل الأسرة، وتتجاوز حدود الذكريات الفردية إلى استعادة جانب من تاريخ الحرب.

 

وتحمل قصة حسن أكثر من بُعد إنساني؛ فهي تسجل رحلة جندي انتقل من ورشة صغيرة في القاهرة إلى ميدان القتال، وعاش تجربة الحصار في الدفرسوار، قبل أن يعود إلى أسرته التي كانت قد اعتقدت أنه استُشهد.

 

كما تبرز الحكاية حجم المعاناة التي يمكن أن يخلفها غياب الأخبار خلال الحروب، عندما يجد الجنود أنفسهم بعيدًا عن ذويهم، فيما تعيش العائلات على احتمالات متناقضة بين الأمل والخوف.

 

وبعد مرور أكثر من خمسين عامًا على حرب أكتوبر، تظل عودة حسن البنا محمد جمال مثالًا على قصص الجنود الذين لم تنتهِ تجربتهم العسكرية بانتهاء المعارك، بل استمرت آثارها في الذاكرة والحياة الأسرية، لتصبح جزءًا من الروايات التي تستعيدها الأجيال في ذكرى العبور.

 

فبالنسبة إلى حسن، لم تكن العودة مجرد نهاية لفترة الحصار والخدمة العسكرية، بل كانت استعادة لحياته بين أهله، بعد أيام ظن خلالها كثيرون أن الطريق إلى اللقاء قد انقطع إلى الأبد.