بعد 53 عامًا من عبور الجيش المصري قناة السويس، هل يستطيع خوض حرب جديدة؟، هذا السؤال الافتراضي يدور في ذهن كثير من الناس المتخوفين من تأثير وانعكاسات انخراط الجيش في الاقتصاد المدني بقوة خلال السنوات الأخيرة على دوره الأساسي المتمثل في حماية الوطن والحفاظ على سلامة أراضيه. 


ويطرح هؤلاء مقارنة بين الجيش المصري في الوقت الراهن وما كان عليه الوضع قبل 53 عامًا، فآنذاك تشكل جيش أكتوبر حول سؤال واضح: كيف نستعيد الأرض؟، بينما الجيش يعمل حاليًا في جبهات متعددة: الدفاع والأمن والاقتصاد والتنمية وإدارة الأصول، وهو ما يدعو إلى التساؤل: هل تركيز الجيش في عقيدته القتالية يضمن قوة الدولة أم أن تداخل وظائف الجيش مع الدولة سيعمل على استقرارها؟


يرى الخبراء والمحللون العسكريون أن الإجابة لا تكمن في قدرة الجيش على القتال فحسب، بل في مدى ملاءمة عقيدته المتطورة لطبيعة الحروب المعاصرة وتكلفة تداخل مهامه مع مفاصل الدولة.

 


هل يستطيع الجيش المصري خوض حرب جديدة اليوم؟


يمتلك الجيش القدرة العملياتية والتكنولوجية لخوض حرب برية وبحرية وجوية كبرى وعنيفة.


 التفوق النوعي والترسانة الحديثة: جيش 1973 كان يعاني من فجوة تكنولوجية مرعبة سدها بالتضحية البشرية الفائقة. أما الآن، وعبر خطة تنويع مصادر السلاح، يمتلك الجيش أسلحة هجومية وردعية متطورة جدًا (حاملات مروحيات "ميسترال"، مقاتلات "رافال" الفرنسية، غواصات ألمانية، ومنظومات دفاع جوي صينية وروسية متطورة)، مما يضعه ضمن أقوى 15 جيشًا على مستوى العالم.


جاهزية حروب القوات المشتركة: المناورات المتتالية بالذخيرة الحية (مثل مناورة "بدر 2026" الأخيرة القريبة من الاتجاهين الاستراتيجيين الجنوبي والشرقي) أثبتت امتلاك الجيش قدرة عالية على التعبئة السريعة، والتنسيق الرقمي، وإدارة مسارح عمليات معقدة.

 

 

التناقض بين "جيش أكتوبر" و"جيش الاقتصاد"


غير أن المعضلة الهيكلية تكمن في تشتت البوصلة الاستراتيجية:


 جيش 1973 (التوحد الفكري): صِيغت عقيدته وفكره بالكامل حول سؤال واحد: كيف نقتحم هذا الساتر الرملي ونحرر سيناء؟ كان هذا التركيز هو سر العبقرية والتفوق الميداني.


 جيش الإدارة الحالية (تعدد المسؤوليات): انتقل الجيش من مرحلة "الثكنات والتدريب" إلى إدارة الأصول، والإنتاج، وتأمين السلع، والمقاولات، والإشراف على التنمية. هذا التحول جعل الجيش مؤسسة موازية للدولة تدير شؤون الاقتصاد والخدمات، وهو ما يطرح التساؤل الثاني حول جدوى هذا التداخل.

 

الإجابة عن المعضلة: تركيز العقيدة أم تداخل الوظائف؟


لتحليل هذا الجانب، ينقسم المُنظّرون الاستراتيجيون إلى مدرستين:


المدرسة الأولى: تداخل الوظائف يضمن استقرار الدولة (المنظور الرسمي)


ترى هذه المدرسة أن الدولة المصرية واجهت بعد عام 2011 خطر الانهيار والتفكك المؤسسي، ولم تكن هناك مؤسسة متماسكة، منضبطة، وتمتلك قدرات لوجستية وتنفيذية هائلة سوى الجيش.


ومن هذا المنطلق، يرى أنصار هذه المدرسة أن تداخل الجيش في الاقتصاد والتنمية (مثل بناء المدن والطرق وتوفير السلع) كان بمثابة "مظلة أمان اجتماعي وعمراني" لمنع ثوران الجماهير نتيجة الفقر أو انهيار الخدمات الأساسية.


في هذه الرؤية، يعتبر امتلاك الجيش لمصانع مياه، وصوبات زراعية، ومزارع، ومصانع أسمنت، ضمانًا لقدرته على الصمود الإمدادي الذاتي في أي حرب طويلة، دون أن يتأثر بالحصار أو الأزمات المدنية.
في حين، يرى أنصار المدرسة الثانية أن تركيز العقيدة القتالية الصرفة هو الضامن الحقيقي. 

 

 

مخاطر جسيمة على الأمن القومي


ويرى خبراء العلوم العسكرية وحروب الجيل الخامس أن التداخل الحالي يحمل مخاطر جسيمة على الأمن القومي:


 تآكل الكفاءة الذهنية والقتالية: الحروب الحديثة لم تعد تعتمد على أعداد المشاة فقط، بل على السيبرانية، الفضاء، الذكاء الاصطناعي، التخطيط الاستراتيجي فائق التعقيد. تحويل انتباه الضباط والقادة لإدارة شركات ومتابعة سلاسل التوريد والإنتاج والتنافس التجاري، يأتي حتماً على حساب ساعات التدريب الذهني والبدني والميداني الشاق.


عندما يتورط جيش في إدارة أصول اقتصادية بمليارات الدولارات (طرق، موانئ، عقارات، مصانع)، يميل فكره الاستراتيجي تلقائيًا نحو تجنب خوض حروب ضرورية أو اتخاذ مواقف صدامية حاسمة لحماية هذه الاستثمارات من الدمار، مما قد يُضعف "هيبة الردع" لدى الخصوم الإقليميين.


منافسة القطاع الخاص تضعف الشركات المدنية ورجال الأعمال، وتخلق احتقانًا شعبيًا صامتًا نتيجة غياب الشفافية في ميزانيات تلك المشروعات؛ ومصدر القوة التاريخي للجيش المصري كان دائمًا هو "الحاضنة واللحمة الشعبية غير المشروطة".


لذا، فإن الجيش المصري اليوم وإن كان قويًا ومسلحًا بأحدث التكنولوجيا وقادرًا على حماية الحدود ودخول معارك جديدة، لكن استمرار تداخله الواسع في الاقتصاد المدني قد يمنح الدولة استقرارًا "مؤقتًا وظاهريًا"، بينما يستنزف على المدى البعيد عقليته القتالية الصرفة وكفاءته المتخصصة التي ميزت جيش أكتوبر.