منذ مارس 2014، يعيش الصيدلي إبراهيم يحيى عبد الفتاح عزب سنوات طويلة خلف القضبان، بعدما صدر بحقه حكم نهائي بالإعدام في القضية المعروفة إعلاميًا باسم «مقتل الحارس»، وهي القضية التي أيدت فيها محكمة النقض حكم الإعدام بحق إبراهيم وخمسة آخرين في 7 يونيو 2017.

 

وبعد أكثر من 12 عامًا من الاحتجاز، لا تتوقف معاناة إبراهيم عند سنوات السجن أو الحكم الصادر بحقه، إذ تتحدث أسرته عن آثار جسدية ونفسية مستمرة تقول إنها تعود إلى ما تعرض له خلال فترة التحقيق، بينما تشير منظمات حقوقية إلى وجود ادعاءات موثقة بشأن التعذيب وانتزاع اعترافات تحت الإكراه.

 

وتكشف شهادة شقيقته عن جانب إنساني قاسٍ من القضية، بعدما تحولت السنوات التي قضاها إبراهيم خلف القضبان إلى عمر مفقود، تخللته ذكريات مؤلمة عن التحقيق والتعذيب، إلى جانب فقدان والده الذي رحل دون أن يتمكن نجله من توديعه.

 

 

سنوات طويلة خلف القضبان

 

تقول المنظمات الحقوقية إن إبراهيم عزب مستمر في الاحتجاز منذ مارس 2014، أي لأكثر من 12 عامًا، بينما لا يزال يواجه حكمًا نهائيًا بالإعدام في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«مقتل الحارس».

 

وكانت محكمة النقض قد أيدت في 7 يونيو 2017 حكم الإعدام الصادر بحق إبراهيم وخمسة آخرين، لتصبح القضية مرتبطة بحكم نهائي بالإعدام، رغم استمرار المخاوف الحقوقية المتعلقة بظروف التحقيق والأدلة التي استندت إليها القضية.

 

وتشير التقارير الحقوقية التي تناولت حالة إبراهيم إلى أن آثار إصابات ظهرت عليه خلال التحقيق، كما تحدث عن تعرضه للاعتداء من جانب أفراد في الأمن الوطني أثناء فترة التحقيق، في الوقت الذي كان فيه معصوب العينين.

 

وبحسب ما نُقل عنه، فإن الاعترافات التي أدلى بها جاءت تحت وطأة التعذيب، وهو ما يفتح تساؤلات حقوقية وقانونية حول مدى سلامة الإجراءات التي سبقت صدور الحكم، وحول مدى إمكانية الاعتماد على اعترافات يقول صاحبها إنها انتزعت منه بالإكراه.

 

 

تعذيب ترك آثاره حتى اليوم

 

لا تتوقف رواية الأسرة عند ما حدث خلال فترة التحقيق، وإنما تمتد إلى الآثار التي تقول شقيقته إنها لا تزال تلاحق إبراهيم بعد مرور أكثر من عقد على تلك الوقائع.

 

وتروي شقيقته أنه تعرض للصعق بالكهرباء خلال التحقيق، إلى جانب تسليط إضاءة قوية مباشرة على عينيه، وهو ما تقول إنه تسبب في تدهور شديد في قدرته على الرؤية.

 

كما تتحدث عن إبقائه معصوب العينين باستخدام قماش أسود لفترات طويلة، الأمر الذي جعل الرؤية بالنسبة إليه شديدة الصعوبة، ووصلت حالته في إحدى الفترات، بحسب روايتها، إلى احتياجه لمن يسنده أثناء الحركة بسبب عدم قدرته على الرؤية بصورة طبيعية.

 

وتقول الأسرة إن آثار ما جرى لم تختفِ بانتهاء التحقيقات، بل ظلت مرتبطة بحياته اليومية، سواء على المستوى الجسدي أو النفسي، لتتحول فترة التحقيق إلى تجربة تركت آثارًا ممتدة لسنوات.

 

وتختصر شقيقته جانبًا من هذه المعاناة في سؤال مؤلم: «مين هيعوضه عن كوابيس لسه بيشوفها من وقت التعذيب؟».

 

 

صراخ لا يزال عالقًا بالذاكرة

 

بحسب شهادة شقيقته، لم تقتصر الضغوط التي تعرض لها إبراهيم، وفق روايتها، على الاعتداءات الجسدية، وإنما شملت أيضًا أساليب ضغط نفسي قاسية.

 

وتقول إن المحققين استخدموا أصوات صراخ امرأة للضغط عليه ودفعه إلى الاعتراف، كما أوهموه بأن شقيقته موجودة في غرفة مجاورة وأنها تتعرض للأذى.

 

وتوضح أن هذه اللحظات تركت أثرًا نفسيًا عميقًا لديه، مشيرة إلى أنه لا يزال حتى الآن غير قادر على معرفة هوية صاحبة الصوت الذي سمعه خلال فترة التحقيق.

 

وتنقل عنه قولًا يلخص أثر تلك الواقعة: «هو للآن مش عارف صراخ مين.. بس بيكفي إنه صراخ بنت».

 

وبحسب شقيقته، فإن الأصوات المرتبطة بتلك الفترة لا تزال حاضرة في ذاكرته، رغم مرور سنوات طويلة، بما يعكس، من وجهة نظر الأسرة، حجم التأثير النفسي الذي خلفته فترة التحقيق وما رافقها من ضغوط.

 

ولا ترى الأسرة أن انتهاء التحقيقات أو مرور السنوات يعني انتهاء آثار ما حدث، إذ تقول إن ذكريات تلك المرحلة لا تزال تظهر في حياته حتى الآن، سواء من خلال الكوابيس أو استعادة تفاصيل مرتبطة بما تعرض له.

 

 

السجن حرمه من وداع والده

 

لم تقتصر الخسائر التي تتحدث عنها أسرة إبراهيم عزب على السنوات التي قضاها خلف القضبان أو الآثار الصحية والنفسية التي تقول إنها لحقت به، وإنما امتدت إلى علاقاته الأسرية وأهم اللحظات التي لا يمكن استعادتها.

 

فخلال وجوده في السجن، توفي والده، ولم يتمكن إبراهيم من توديعه أو إلقاء النظرة الأخيرة عليه.

 

وتقول شقيقته إن هذه اللحظة تمثل واحدة من أقسى الخسائر التي تعرضت لها الأسرة، خاصة أن غياب إبراهيم عن جنازة والده ووداعه لم يكن قرارًا اختاره، وإنما جاء في ظل استمرار احتجازه.

 

وتقول: «مين هيعوضه عن لحظة وداع وإلقاء النظرة الأخيرة على بابا لما اتوفى؟.. ومين هيعوضني أنا عن اللحظة دي؟».

 

 

عمر ضائع وأسرة تنتظر العوض

 

بعد أكثر من 12 عامًا، تتساءل شقيقة إبراهيم عن مصير السنوات التي مرت من عمره، وعن إمكانية تعويضه عن فترة طويلة عاشها بعيدًا عن أسرته وحياته الطبيعية.

 

وتقول إن سنوات الاحتجاز لم تسلبه حريته فقط، وإنما حرمته أيضًا من تفاصيل الحياة اليومية، ومن الوجود إلى جانب أسرته، ومن المشاركة في مناسباتها وأزماتها، ومن وداع والده.

 

وتلخص شقيقته سنوات المعاناة في كلمات شديدة القسوة: «مين هيعوضه عن سنين عمره اللي ضاعت؟.. مين هيعوضه ومين هيعوضنا؟ الله كريم والعوض من الله».

 

 

مخاوف حقوقية بشأن حكم الإعدام

 

وترى المنظمات الحقوقية أن استمرار تنفيذ حكم الإعدام في قضية تتضمن ادعاءات جدية بشأن التعذيب وانتزاع الاعترافات يثير مخاوف كبيرة تتعلق بالحق في الحياة وضمانات المحاكمة العادلة.

 

وتستند هذه المخاوف، بحسب ما ورد في التقارير الحقوقية، إلى ادعاءات ظهرت منذ المراحل الأولى للتحقيق، تتعلق بالتعذيب والاعتداء وانتزاع الاعترافات بالإكراه.

 

وتطالب المنظمات الحقوقية بوقف تنفيذ حكم الإعدام بحق إبراهيم عزب، وإعادة النظر في القضية بما يضمن استبعاد أي اعتراف أو دليل يثبت أنه جرى الحصول عليه تحت الإكراه.

 

كما تدعو إلى فتح تحقيق مستقل وجاد في ادعاءات التعذيب، وتحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم إذا ثبتت صحتها، باعتبار أن التحقيق في هذه الوقائع يمثل جانبًا أساسيًا من ضمانات العدالة.

 

ولا تتوقف المطالب عند الجانب القضائي، إذ تشمل أيضًا إنهاء أي عزل مطول قد يتعرض له إبراهيم، وضمان حصوله على الرعاية الطبية والنفسية اللازمة، خصوصًا فيما يتعلق بالمشكلات التي تقول أسرته إنها أصابت عينيه.