أطلق بنيامين نتنياهو تحذيرات من هجوم محتمل قبل انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر، مستغلًا ظهوره داخل قاعدة جوية لتوجيه تهديدات عسكرية، بينما تظهر الاستطلاعات تعثر معسكره في الوصول إلى الأغلبية.
وأثارت تصريحاته مخاوف من إدخال الملف الأمني في معركة البقاء السياسي، بعدما طالب غادي آيزنكوت بإطلاع المعارضة على المعلومات، للتحقق من وجود تهديد فعلي وليس مناورة تستهدف الإضرار بالعملية الانتخابية.
تهديدات عسكرية في توقيت انتخابي
فمن قاعدة «تل نوف» الجوية، قال نتنياهو الثلاثاء إن هناك مؤشرات على أن من وصفهم بأعداء إسرائيل سيحاولون مهاجمتها قبل الانتخابات، دون تحديد الجهات المقصودة أو طبيعة المعلومات التي استند إليها.
ثم أتبع حديثه بتحذير مباشر، مؤكدًا أن الذراع العسكرية الإسرائيلية تستطيع الوصول إلى خصومها في أي مكان ووقت، في رسالة تجمع بين التحذير من خطر محتمل والتلويح باستخدام القوة للرد عليه.
وجاء هذا الظهور قبل 28 يومًا من موعد الاقتراع، ما منح التصريحات بعدًا انتخابيًا واضحًا في توقيتها، خصوصًا مع إعلان تهديد يتعلق بالفترة السابقة للانتخابات تحديدًا، دون تقديم تفاصيل تفسر هذا الربط.
ورغم حدة الخطاب، لم يعلن نتنياهو معلومات عن هجوم محدد، أو توقيت محتمل لتنفيذه، كما لم يسمِّ طرفًا يستعد للمهاجمة، ولم يتحدث عن إجراءات أمنية جديدة اتُخذت لحماية الاستحقاق الانتخابي.
وبذلك، بقي الجمهور أمام تحذير واسع ومفتوح على احتمالات متعددة، بينما ظلت المعطيات التي يمكن أن تفسر خطورته خارج التصريح المنشور، وهو ما فتح الباب أمام مساءلة دوافع الإعلان وتوقيته.
وفي قراءة سياسية لهذا المشهد، قد يساعد إبراز خطر خارجي قبيل التصويت على نقل النقاش من حسابات المقاعد وفرص تشكيل الحكومة إلى الأمن والمواجهة، لكن التصريح وحده لا يثبت وجود خطة متعمدة لذلك.
أما الحديث عن التحضير لحرب واسعة ضد إيران وسوريا، فلا تسنده تفاصيل المادة المتاحة؛ إذ لم يذكر نتنياهو سوريا، ولم يربط التحذير الجديد بإيران، ولم يعلن قرارًا بفتح مواجهة عسكرية جديدة.
ومع ذلك، فإن اقتران التهديد العسكري بموعد الانتخابات يبرر طرح سؤال توظيف التصعيد سياسيًا، خصوصًا أن الاعتراض الذي أعلنه آيزنكوت انصب مباشرة على ضرورة الفصل بين الأمن والمنافسة على السلطة.
المعارضة تطالب باختبار جدية التحذير
وفي رده على التصريحات، دعا غادي آيزنكوت، زعيم حزب «يشار»، إلى إطلاع زعيم المعارضة يائير لبيد فورًا على المعلومات المتعلقة بالتهديد، إذا كانت تحذيرات نتنياهو تستند بالفعل إلى معطيات حقيقية.
وأوضح آيزنكوت أن هذه الخطوة ضرورية للتأكد من وجود خطر فعلي، وليس مناورة سياسية تهدف إلى الإضرار بالعملية الانتخابية، واضعًا مصداقية التحذير أمام مطلب محدد يتعلق بمشاركة المعلومات مع المعارضة.
كما شدد على منع خلط أمن إسرائيل بالانتخابات، حتى على مستوى المظهر، في اعتراض يستهدف طريقة إدارة الملف وتوقيت طرحه، دون أن يتضمن كلامه نفيًا قاطعًا لاحتمال وجود تهديد أمني.
وبهذا الموقف، نقل آيزنكوت النقاش من تبادل التهديدات إلى مساءلة صاحبها، مطالبًا بأن تُختبر المعلومات داخل إطار سياسي مسؤول، بدل الاكتفاء بإعلان خطر غامض من قاعدة عسكرية قبل الاقتراع.
وفي خلفية الجدل، كان نتنياهو قد تحدث قبل نحو ثلاثة أسابيع عن تفوق القوة الإسرائيلية وضعف خصومها، وقال خلال اجتماع حكومي إن إيران تمتنع عن مهاجمة إسرائيل وتعرف سبب ذلك.
كذلك، وصف النظام الإيراني بأنه ضعيف ويواجه صعوبات في البقاء، وكرر تحذير خصوم إسرائيل من مهاجمتها، مع التأكيد على قدرة الإسرائيليين على التوحد في أوقات الاختبار، وفق التصريحات الواردة.
غير أن الانتقال من خطاب تفوق القوة إلى التحذير من هجوم قبل الانتخابات يستدعي تفسيرًا للمؤشرات الجديدة، دون أن يعني بالضرورة تناقض الروايتين، أو إثبات أن نتنياهو قرر صناعة مواجهة للهروب من التصويت.
استطلاعات تضيق طريق البقاء السياسي
وعلى المستوى الانتخابي، تُظهر التقديرات المنشورة أواخر سبتمبر صعوبة حصول معسكر نتنياهو على الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة، فيما يتقدم حزب «يشار» بقيادة آيزنكوت على «الليكود»، مع اختلاف النتائج بين الاستطلاعات.
وتمنح الأرقام الواردة «الليكود» نحو 19 إلى 20 مقعدًا، مقابل 23 إلى 25 مقعدًا لحزب «يشار»، بما يضع المنافسة الحزبية في سياق ضاغط على نتنياهو خلال الأسابيع السابقة للاستحقاق.
كما تقدر بعض الاستطلاعات مقاعد معسكره، بما يشمل حلفاءه في اليمين والأحزاب الحريدية، بنحو 47 إلى 52 مقعدًا، دون أغلبية الـ61 اللازمة داخل الكنيست المؤلف من 120 مقعدًا.
وبحساب الفارق، يحتاج هذا المعسكر إلى ما بين تسعة و14 مقعدًا إضافيًا لبلوغ عتبة الأغلبية، وفق تلك التقديرات، وهو عجز يوضح حجم المأزق الانتخابي، مع بقاء الاستطلاعات مؤشرات قابلة للتغير.
وفي المقابل، لا يعني تقدم القوى المناوئة لنتنياهو ضمان قدرتها على تشكيل حكومة، إذ تظل ترتيبات الائتلاف مسألة مفتوحة، ولا تختزل نتيجة الانتخابات في ترتيب الأحزاب أو تراجع معسكر واحد.
ومن هنا، تنبع المخاوف من أن يصبح التلويح بالحرب وسيلة لتغيير أولويات المعركة الانتخابية، واستدعاء الاصطفاف الأمني في لحظة ضاغطة، وهي مخاوف تعززها أسئلة المعارضة لكنها لا ترقى إلى إثبات قرار عسكري.
وأمام هذا المشهد، يواجه نتنياهو سؤالًا لا تجيب عنه تهديدات القوة وحدها: هل يطلع المعارضة على معلومات تثبت جدية الخطر، أم يترك شبح الحرب حاضرًا في حملة انتخابية تتعثر فيها فرص معسكره؟

