يتصدر اعتصام الصحفيين داخل مقر نقابتهم بالقاهرة المواجهة مع استمرار غموض احتجاز ستة من محرري منصة متصدقش، بعدما تجمع العشرات مساء السبت مطالبين بإظهار زملائهم والإفراج عنهم، وسط انتشار أمني كثيف حول المبنى ومداخل الشارع المؤدي إليه.
ويضع الاعتصام أزمة الصحفيين الستة في صدارة تحرك نقابي احتجاجي مفتوح متواصل، إذ دعا مجلس النقابة لاجتماع طارئ الاثنين المقبل، بينما اتفق المشاركون على استمرار الاعتصام يوميا، رفضا لاستهداف الصحافة المستقلة وانتظارا لقرارات المجلس بشأن سبل التصعيد.
اعتصام مستمر في مواجهة الاختفاء
ففي مقر النقابة، شارك خالد البلشي وثمانية من أعضاء المجلس المكون من اثني عشر عضوا في الفعالية التي تجاوزت ساعتين، حيث طالب الصحفيون بإجابات واضحة عن مكان احتجاز زملائهم، بدلا من استمرار الغموض المحيط بمصيرهم منذ احتجازهم.
وخلال الاعتصام، ارتفعت هتافات «هاتوا الستة من الزنازين.. الحرية لكل سجين» و«عاش كفاح الصحفيين»، فيما حمل المشاركون لافتات «متصدقش.. الصحافة مش جريمة» و«تسقط صحافة التعليمات الأمنية»، لتعلن الوقفة رفض إخضاع العمل الصحفي المستقل لمنطق التعليمات الأمنية والترهيب.
وفي المقابل، انتشرت عناصر وقيادات أمنية بالزيين الميري والمدني عند مداخل شارع عبد الخالق ثروت، حيث مبنى النقابة، مع وجود سيارات ميكروباص وناقلات للأمن المركزي، تحسبا لخروج الصحفيين وتنظيم وقفة احتجاجية على سلالم نقابتهم خارج المبنى.
وبينما كان الصحفيون يسألون عن زملائهم داخل النقابة، أكد البلشي أن أماكن احتجازهم غير معلومة تماما، رغم إعلان وزارة الداخلية القبض عليهم، وهو ما أبقى السؤال الأساسي بلا أي إجابة رسمية أمام الأسر والمحامين والمشاركين في الاعتصام.
كما أوضح البلشي أن محامي النقابة تواصل مع النيابة العامة واطلع على سجلات بياناتها، مؤكدا أن الصحفيين الستة لم يعرضوا عليها، لتبقى رواية بدء التحقيق القضائي معهم موضع نفي مباشر من النقابة خلال الفعالية التضامنية داخل مقرها.
وبناء على ذلك، اتفق المشاركون على إبقاء الاعتصام قائما يوميا حتى الاجتماع الطارئ، مع مناقشة خيارات التصعيد وفق التطورات، بما ينقل التضامن من فعالية عابرة إلى تحرك مستمر يطالب بإظهار الصحفيين وضمان سلامتهم وحريتهم وحقوقهم القانونية.
نفي التحقيقات يفضح تضارب الروايات
ومن جهة أخرى، نفى البلشي صحة ما نشر عن صدور قرار بحبس الصحفيين الستة خمسة عشر يوما على ذمة التحقيقات، بعدما تداول مستخدمون صور خبر بهذا المضمون، بينما لم تتمكن النقابة من معرفة مكان احتجاز الزملاء.
كذلك أعلن حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية والممثل القانوني للصحفيين، أن المسؤول المختص بالتحقيقات هناك بنيابة أمن الدولة العليا نفى صحة الخبر، وأكد له أن الصحفيين الستة لم يجر التحقيق معهم منذ القبض عليهم.
وعلى هذا الأساس، تقدمت النقابة بطلبين إلى النائب العام ونيابة أمن الدولة العليا لاستيضاح حقيقة صدور قرار الحبس القضائي المتداول، مطالبة بإخطارها بحضور التحقيقات مع الزملاء والإفصاح عن أماكن احتجازهم، بدلا من ترك مصيرهم للروايات المتضاربة.
وفي بيانها الصادر بشأن الأزمة، تمسكت النقابة بالضمانات الواردة في قانون إنشائها، بينما تنص المادة 69 من القانون رقم 76 لسنة 1970 على إخطار مجلس النقابة بشكاوى العمل الصحفي قبل التحقيق بوقت مناسب، وإتاحة حضور النقيب أو من ينيبه.
أما وزارة الداخلية، فلم تصدر سوى بيان الخميس، بعد نحو ثمان وأربعين ساعة من بدء وقائع الاختفاء، واتهمت متصدقش بالانتماء إلى اللجان الإعلامية لجماعة الإخوان، وهو اتهام أكدت المنصة عدم صحته، رافضة الرواية الأمنية المطروحة بشأنها.
وبالإضافة إلى ذلك، قالت الوزارة إنها أخطرت البلشي بضبط أحد المقبوض عليهم المقيدين بالنقابة وخلفيات القبض عليه، لكن وكيل النقابة محمد سعد عبد الحفيظ نفى حصول الإخطار المسبق للنقابة، مؤكدا أن الأسر والمحامين هم من أبلغوا النقيب.
وهكذا، تتعارض الروايات بشأن الإخطار والتحقيق والحبس، بينما يبقى غياب المعلومات عن مكان الاحتجاز جوهر الأزمة المستمرة حتى الآن، فلا بيان الداخلية أنهى الغموض، ولا الأخبار المتداولة قدمت جوابا تقبله النقابة والمحامون بشأن مصير الصحفيين الستة المحتجزين.
تضامن واسع يرفض ترهيب الصحافة
وفي مواجهة هذه الوقائع، أدان أكثر من أربعمائة صحفي القبض على محرري متصدقش، واعتبروا ما جرى تصعيدا خطيرا يستهدف الصحافة المستقلة ويهدد حق العاملين فيها في ممارسة مهنتهم بأمان، مطالبين بوضوح بالإفراج الفوري عن الزملاء.
كما حمل الموقعون الجهات المعنية المسؤولية الكاملة عن أمن الصحفيين وسلامتهم، وطالبوا بالإفصاح عن أماكن احتجازهم وضمان حقوقهم القانونية، رافضين أشكال التضييق ومحاولات إسكات الأصوات الصحفية، ومؤكدين أن الدفاع عن حرية الصحافة مسؤولية جماعية لجميع الصحفيين.
وفي هذا السياق، شمل التضامن محمد أشرف وعبد الله قدري وإسلام بركات ومحمد عادل ومحمد محمود وعمر هلال، وهم الصحفيون الستة الذين طالبت البيانات بإظهار أماكن احتجازهم والإفراج عنهم، وسط استمرار تحرك النقابة وزملائهم.
وبالتوازي، توالت بيانات تضامن مطالبة بإنهاء احتجاز فريق التحرير، فيما أكد الصحفيون أن مساندة زملائهم دفاع عن حق الجميع في العمل بحرية دون خوف أو تهديد، وعن حق المجتمع في صحافة مستقلة ومناخ يخلو من الترهيب.
ومن قبل، تعرض محرر متصدقش كريم أسعد للقبض عليه في 2023 بعد مداهمة منزله وسؤاله عن تغطية حادث طائرة زامبيا، واحتجز ثمانيا وأربعين ساعة بجهة أمنية قبل إطلاق سراحه، لتستحضر الأزمة الحالية واقعة سابقة بالمنصة.
وفوق ذلك، تحتل مصر المركز 169 بين 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، مع اعتراضات سابقة للنقابة على استمرار حجب مواقع صحفية، بما يضيف خلفية أخرى لمطالب حماية المهنة ورفض القيود المفروضة عليها.
وأخيرا، يدخل الاجتماع الطارئ على وقع اعتصام مستمر ومطالب واضحة بإظهار الصحفيين والإفراج عنهم، بينما يرفض المشاركون تحويل العمل الصحفي إلى تهمة، ويؤكدون أن التضامن مع غرفة التحرير المحتجزة دفاع عن حرية الجميع وحق المجتمع في المعرفة.

