يتزايد العنف الرقمي الذي يستهدف النساء في مصر، مهددًا سلامتهن وخصوصيتهن وقدرتهن على المشاركة في الحياة العامة، بحسب تقرير أعده معهد صحافة الحرب والسلام، وسلط الضوء على تجارب صحفيات مصريات تعرضن للترهيب والمضايقات وحملات الإساءة عبر الإنترنت بسبب عملهن وآرائهن والقضايا التي تناولنها.


ونشر معهد صحافة الحرب والسلام تقريرًا ضمن تحديثاته الميدانية حول العنف الرقمي ضد النساء في مصر، موضحًا أن المنصات الرقمية، التي تحولت إلى مساحات أساسية للعمل والتعليم والنشاط المدني والنقاش العام، قد تتحول في الوقت نفسه إلى أدوات للتنمر والملاحقة الإلكترونية والابتزاز ونشر الخوف.

 


العنف الرقمي يهدد مشاركة النساء في الحياة العامة


أصبحت الإساءة عبر الإنترنت مصدر تهديد متزايد للنساء في مصر، خصوصًا مع اتساع الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي في التعبير عن الرأي والعمل الصحفي والمشاركة العامة.


وقالت الصحفية المصرية مريم سامي إنها تعرضت لتهديدات بالقتل وحملة هدفت إلى إغلاق حسابها على فيسبوك، بعد تناولها قضايا مثيرة للجدل، من بينها التطرف المرتبط بتنظيم داعش.


وصفت سامي ما تعرضت له بأنه وضعها تحت ضغط وخوف شديدين، مشيرة إلى أن مستوى العنف الذي واجهته عبر الإنترنت فاق توقعاتها. وأضافت أن المعتدين يسعون إلى ترهيب ضحاياهم ودفعهم إلى الصمت عبر الإهانات والإساءة، خصوصًا عندما يعجزون عن مواجهة الضحايا بوسائل أخرى.
 

وترى الصحفية فيولا فهمي، التي تغطي قضايا حقوق الإنسان والحريات الدينية، أن العنف الرقمي يمثل امتدادًا طبيعيًا لأشكال التمييز والعنف القائم على كراهية النساء التي تواجهها النساء والفتيات في الحياة اليومية، سواء في الشوارع أو أماكن العمل أو وسائل النقل العام.
 

وأوضحت فهمي أن الهدف من هذا النوع من المضايقات لا يقتصر على الإساءة المباشرة، بل يمتد إلى زرع الخوف والشك في النفس لدى النساء، ودفعهن إلى فرض قيود ذاتية على ما يكتبنه أو يقلنه.
 

وقالت إن المرأة قد تجد نفسها تسأل: «هل أكتب أم لا؟ هل أعبر عن رأيي أم لا؟»، مشيرة إلى أن تكرار مشاعر الشك والريبة والخوف يدفع النساء إلى فرض قيود كبيرة على أنفسهن.


ولم تسلم الصحفيات من هذه الضغوط حتى داخل الوسط الإعلامي نفسه. فقد أغلقت الصحفية المصرية إيمان عادل حسابها على فيسبوك في وقت سابق من العام، بعد تعرضها لموجة واسعة من الإساءة الإلكترونية.


وقالت عادل إن أكثر ما صدمها تمثل في مشاركة صحفيين آخرين في الهجمات ضدها، رغم أن طبيعة عملهم يفترض أن تجعلهم أكثر إدراكًا لحملات الكراهية والعنف الرقمي، وأكثر قدرة على مساعدة الضحايا في الوصول إلى الحقيقة.


وتكشف هذه الشهادات عن جانب أعمق من مشكلة العنف الإلكتروني، إذ لا تقتصر آثاره على لحظة التعرض للإساءة، بل قد تدفع النساء إلى إعادة التفكير في المشاركة العامة والتعبير عن آرائهن، خشية التعرض لمزيد من التهديدات أو التشهير.

 


قانون مكافحة جرائم الإنترنت لا يضمن الحماية الفعلية


تواجه النساء اللواتي يبلغن عن العنف الرقمي في مصر عقبات متعددة، تبدأ من الخوف من الانتقام والوصمة الاجتماعية، ولا تنتهي عند عدم وضوح الجهات التي يمكن اللجوء إليها للحصول على الدعم.


ويجرّم قانون مكافحة جرائم الإنترنت في مصر أشكالًا من العنف المرتكب عبر الإنترنت، ويفرض عقوبة الحبس لمدة لا تقل عن ستة أشهر، إلى جانب غرامة تتراوح بين 50 ألفًا و100 ألف جنيه مصري، أي ما يعادل نحو ألف إلى ألفي دولار.


لكن وجود نصوص قانونية تجرّم العنف الرقمي لا يعني بالضرورة شعور النساء بالأمان أو حصولهن على حماية فعالة. ويشير معهد صحافة الحرب والسلام إلى أن إجراءات الردع والملاحقة بحق مرتكبي هذه الانتهاكات لا تزال محدودة في الواقع.


وتكشف هذه الفجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي عن تحدٍ رئيسي أمام مكافحة العنف الإلكتروني ضد النساء في مصر. فالحماية القانونية تحتاج إلى آليات إنفاذ فعالة، وإجراءات واضحة لتلقي الشكاوى، ودعم للضحايا، إلى جانب رفع الوعي بطبيعة العنف الرقمي وآثاره.


ولا تتعلق المشكلة بالمضايقات الفردية فحسب، بل تشمل كذلك حملات منظمة يمكن أن تستهدف صحفيات أو ناشطات أو نساء يشاركن في النقاش العام، بما يجعل المنصات الرقمية مساحة تحمل في الوقت نفسه فرصًا واسعة للتعبير ومخاطر متزايدة على مستخدماتها.


ويكتسب الأمر أهمية خاصة في ظل الدور المتنامي للتكنولوجيا في الحياة اليومية. فقد كتبت ناديا سامت-وارن، مديرة برنامج معهد صحافة الحرب والسلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، العام الماضي أن التكنولوجيا أصبحت جزءًا أساسيًا ومتكاملًا من الحياة اليومية، لكنها تحولت كذلك إلى أداة يمكن تسليحها لإلحاق الضرر بالنساء والأطفال بطرق مقلقة.


ويشير هذا الطرح إلى أن التعامل مع العنف الرقمي باعتباره مجرد مشكلة تتعلق بسلوك المستخدمين لن يكون كافيًا. فطبيعة البيئة الرقمية نفسها، وسرعة انتشار المحتوى المسيء، وإمكانية إنشاء حملات تستهدف أفرادًا بعينهم، كلها عوامل تجعل المواجهة بحاجة إلى استجابة مؤسسية ومجتمعية أوسع.

 


مواجهة العنف الإلكتروني تحتاج إلى القانون والتعليم والمجتمع المدني


لا يكفي توجيه النصائح إلى النساء بضرورة توخي الحذر أثناء استخدام الإنترنت لمواجهة العنف الرقمي. ويؤكد معهد صحافة الحرب والسلام أن التصدي لهذه الظاهرة يحتاج إلى تضافر إجراءات قانونية وتعليمية وجهود منظمات المجتمع المدني.


ويعني ذلك تطوير قدرة النساء على فهم المخاطر الرقمية والتعامل معها، بالتوازي مع توفير مسارات واضحة للإبلاغ عن التهديدات والمضايقات، وملاحقة المتورطين عندما تستدعي الوقائع ذلك.


كما يفرض اتساع نطاق العنف الإلكتروني ضرورة تعزيز التوعية المجتمعية بخطورته، خصوصًا أن كثيرًا من أشكاله قد يجري التعامل معها باعتبارها مجرد تعليقات مسيئة أو خلافات عابرة، رغم قدرتها على إحداث آثار نفسية ومهنية واجتماعية طويلة الأمد.


ويرى المعهد أن النساء في مصر، كما هو الحال في مناطق أخرى من العالم، قد يتراجعن عن التعبير عن آرائهن نتيجة التحرش والتهديدات الإلكترونية، ما يضعف قدرتهن على المشاركة بصورة متساوية في الحياة العامة والسياسية.


ويشكل ذلك خطرًا يتجاوز سلامة الأفراد إلى المجال العام نفسه؛ فعندما تدفع حملات التخويف النساء إلى الصمت أو الانسحاب من المنصات الرقمية، تخسر المجتمعات أصواتًا وتجارب ووجهات نظر كان يمكن أن تثري النقاش العام.


وفي هذا السياق، يواصل معهد صحافة الحرب والسلام العمل على دعم مشاركة النساء بحرية في الفضاءات الرقمية، من خلال مبادرات تستهدف فهم العنف الرقمي والتعامل معه. ومن بين هذه المبادرات أداة مدعومة بالذكاء الاصطناعي طورها أحد شركاء المعهد في أرمينيا، بهدف رصد كراهية النساء عبر الإنترنت، إلى جانب «دليل التضليل القائم على النوع الاجتماعي» الذي نشره المعهد بعدة لغات، من بينها التركية والروسية.
 

ويشير هذا الاتجاه إلى تحول التعامل مع العنف الرقمي من مجرد الاستجابة للحوادث الفردية إلى تطوير أدوات تساعد على رصد أنماط الإساءة وفهمها والتعامل معها بصورة أكثر منهجية.


وتبقى حماية النساء في المجال الرقمي مرتبطة بقدرة المؤسسات على الانتقال من رد الفعل إلى الوقاية، ومن الاكتفاء بتجريم السلوك إلى توفير بيئة أكثر أمانًا للمشاركة. فالقوانين وحدها لا تكفي إذا لم ترافقها آليات فعالة للتنفيذ، كما أن التوعية لا تحقق أهدافها إذا لم تجد النساء دعمًا مؤسسيًا عندما يتعرضن للتهديد أو الابتزاز أو حملات التشهير.


ويبرز العنف الرقمي ضد النساء في مصر باعتباره قضية تتقاطع فيها حرية التعبير وحقوق النساء والأمن الرقمي والمشاركة السياسية والعامة. ومع استمرار توسع حضور التكنولوجيا في تفاصيل الحياة اليومية، تصبح مواجهة الإساءة الإلكترونية مسؤولية مشتركة بين المؤسسات القانونية والمنصات الرقمية ووسائل الإعلام والمجتمع المدني.


ولا ينبغي أن تتحول حماية النساء من العنف الرقمي إلى مطالبة لهن بالانسحاب من الفضاء الإلكتروني، بل إلى توفير بيئة تسمح لهن باستخدام هذه المساحات بأمان وحرية، وممارسة العمل والتعبير والمشاركة العامة دون أن تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة للترهيب والإسكات.

 

https://iwpr.net/global-voices/digital-misogyny-egypt