كتبت حركة «مسار بديل» تحليلاً سياسياً معمقاً حول معركة طوفان الأقصى وأبعادها الاستراتيجية، حيث ناقش الكاتب خلفيات المواجهة الراهنة ضد الاحتلال الصهيوني بكل تجلياتها. وتطرق النص إلى إخفاق المنظومة الاستعمارية في كسر إرادة الشعب الفلسطيني طوال عقود مضت، كما بيّن الباحثون أن ما جرى في السابع من أكتوبر لم يكن وليد لحظته بل جاء رداً طبيعياً على تراكمات الحصار والعدوان.

 

نشرت منصة «أورينوكو تريبيون» هذا التقرير التحليلي الموسع متناولاً حق الشعوب في التحرر وتقرير المصير ومجابهة الاستعمار الاستيطاني. ويستند العمل الصحفي إلى قراءة موازية للمصادر التوثيقية الثلاثة في هذا التقرير، والتي تشمل أورينوكو تريبيون، والموسوعة البريطانية "بريتانيكا"، وصحيفة "ذا بالستاين كرونيكل". وتوضح المادة الإعلامية كيف تحاول الروايات السائدة تزييف التاريخ وتجاهل الجرائم الممنهجة الممتدة بحق أهل الأرض وأصحاب الحق.

 

تنطلق محاولات الدوائر الغربية من فرض سردية مشوهة تطالب الضحية بتقديم تبريرات دائمة للدفاع عن نفسها ووجودها. بينما يتجاهل هذا الطرح المنحاز حقيقة الاستعمار الصهيوني الذي شرد مئات الآلاف واستولى على الأراضي بالقوة العسكرية. ولذلك تسعى التحليلات الرصينة إلى مساءلة أصل المشروع التوسعي ورفض التنازل غير المشروط عن أدوات النضال المشروعة.

 

 

تداعيات الحصار الصهيوني وخيارات المواجهة

 

فرضت سلطات الاحتلال حصاراً خانقاً على قطاع غزة امتد قرابة عقدين من الزمن، مما جعل القطاع معزولاً عن العالم الخارجي ومحرومًا من مقومات الحياة الأساسية. ورافق هذا الإغلاق المستمر استيطان متصاعد في الضفة الغربية ومحاولات حثيثة لتهويد مدينة القدس وتجريد الفلسطينيين من أراضيهم وحقوقهم الوطنية. ومن ثم أدرك الشارع المقاوم أن السكوت على هذا الواقع يعني عملياً القبول بالتصفية التدريجية للقضية المركزية برمتها.

 

"السؤال الحقيقي ليس كيف تجري تبرئة ساحة المقاومة وتبريرها، بل كيف يستمر تبرير مشروع استعماري جرد الشعب الفلسطيني من أرضه وحقوقه الوطنية لأكثر من قرن كامل."

منصة أورينوكو تريبيون

 

تفرض حرب اللا تماثل قواعدها عندما يواجه شعب خاضع للاحتلال دولة نووية تمتلك ترسانة جوية متطورة وأجهزة استخباراتية مدعومة من قوى الهيمنة الغربية. ولهذا ابتكرت المقاومة أساليب معقدة مثل الأنفاق تحت الأرض لموازنة موازين القوى والتصدي للآلة العسكرية العدوانية. ولم تكن تلك الشبكات التحتية خياراً ترفياً بل فرضها منطق الدفاع عن النفس في بقعة جغرافية مطوقة براً وبحراً وجواً.

 

تتكرر الدعوات المشبوهة التي تطالب بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية تحت لافتات السلام الزائف، متجاهلة جوهر المعضلة ومستحقات الحل الشامل. ويؤكد مسار التاريخ التحرري عبر حركات التحرر العالمية أن القوى الاستعمارية لم تتراجع يوماً بفضل حسن النوايا، بل تحت ضغط المقاومة وارتفاع تكلفة الاحتلال وبقائه. ولهذا السبب يمثل إسقاط شروط المقاومة تكريساً لبنية الفصل العنصري واستسلاماً مجانياً لا يقبله أي مجتمع يسعى إلى التحرر والانعتاق.

 

يحمل الخطاب الخارجي وصاية سياسية فجة عندما يملي على الفلسطينيين طبيعة النضال المسموح به وطرقه وأوقاته. بينما تقتضي المبادئ الأساسية للتضامن الإنساني الإقرار بحق أصحاب الحق في رسم مسارهم التحرري وفق إرادتهم الحرة. ويصطدم أي تقييم يختزل المشهد في الكارثة الإنسانية الراهنة دون النظر إلى جذور المعاناة بالحقائق الصلبة التي تؤكد استمرار نكبة التهجير والإبادة منذ عام 1948.

 

 

التحولات الاستراتيجية والمسارات السياسية الدولية

 

أعادت معركة طوفان الأقصى القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية، وأسقطت مقولة الاستقرار الإقليمي المصطنع التي راجت خلال السنوات الأخيرة. وتصدعت صورة الكيان الصهيوني بوصفه قوة أمنية وعسكرية لا تقهر، كما تعثرت مشاريع التطبيع المتسارعة التي سعت لتجاوز الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة. وشهد العالم في المقابل موجة تضامن شعبية جارفة أعادت طرح الأسئلة الجوهرية حول جذور المشروع الصهيوني وطبيعته العنصرية.

 

"لا تقاس حركات التحرر الوطني بنتائج معركة منفردة، بل تقاس بقدرتها على تبديل موازين الصراع وإعادة طرح القضية التحررية على الساحة الدولية بعد محاولات شطبها وطمسها."

منصة أورينوكو تريبيون

 

توالت إثر هذه الأحداث الضغوط الدبلوماسية وتصاعدت المطالبات الدولية بمحاسبة الاحتلال على جرائمه المرتكبة بحق المدنيين في غزة. وأعلنت دول عدة بينها المكسيك وإسبانيا والنرويج وإيرلندا اعترافها الرسمي بالدولة الفلسطينية، معتبرة ذلك خطوة ضرورية لوقف التدهور السياسي. وانضمت إلى هذا المسار عواصم كبرى مثل فرنسا والمملكة المتحدة وكندا، مما عمق عزلة تل أبيب الدبلوماسية وأظهر حجم السخط العالمي ضد سياسات الإبادة.

 

أثبتت لجان الأمم المتحدة في تقاريرها الصادرة وجود دلائل معقولة على ارتكاب دولة الاحتلال أفعالاً تندرج تحت جريمة الإبادة الجماعية المحددة دولياً. واشتملت هذه الأفعال على القتل المباشر، والتجويع المتعمد، والتدمير الكلي للأحياء السكنية والبنى التحتية، فضلاً عن التهجير القسري للسكان. واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارات تندد بهذا العدوان بأغلبية ساحقة ضمت مئة واثنتين وأربعين دولة دعماً للحق الفلسطيني ووقف المذابح.

 

شهدت الجامعات الأمريكية حراكاً طلابياً واسعاً تنديداً بالعدوان، حيث أقام الطلاب خياماً اعتصامية داخل حرم جامعات كاليفورنيا في بركلي وكولومبيا وغيرها. وطالب المحتجون بوقف استثمارات الجامعات المرتبطة بكيان الاحتلال، وواجهوا حملات تضييق واعتقالات إدارية قاسية. ووثقت تقارير مستقلة في جامعة هارفارد وغيرها تنامي مشاعر التهديد والتضييق ضد الطلاب العرب والمسلمين المناصرين للعدالة في فلسطين.

 

 

تفكيك السرديات الزائفة وحتمية التحرير

 

قدم المؤرخ إيلان بابيه تحليلاً نقدياً متقدماً يستند إلى كشف الأرشيف السري والوثائق المستجدة لمواجهة السرديات الإسرائيلية المفبركة. وفند بابيه المزاعم التي تصور قيادة المقاومة كحركات طوباوية عدمية منفصلة عن الواقع الإنساني والسياسي المعاش. وأوضح المؤرخ أن القيادة الميدانية خاضت مفاوضات غير مباشرة حول المطالب الأساسية لكسر الحصار وإدخال المواد الأساسية وتحرير الأسرى الفلسطينيين قبل وقوع الانفجار.

 

"الغريق لا يخشى البلل؛ يلخص هذا المثل العربي الشهير المأزق الوجودي الذي دفع الفلسطينيين إلى مواجهة آلة القتل دفاعاً عن حقهم في الوجود والبقاء."

صحيفة ذا بالستاين كرونيكل

 

كشفت الدراسات التوثيقية أن التدمير الهائل في قطاع غزة كان مخططاً مسبقاً لدى قادة جيش الاحتلال منذ مناورات عام 2004 ومخطط حرق الضاحية عام 2006. وانتظر الكيان الذريعة العسكرية للبدء بتنفيذ مشاريع التهجير والتطهير العرقي المستمرة منذ عام 1948. ويتماشى هذا التوجه الإلغائي مع تصريحات وزراء اليمين المتطرف، والتي اعتبرت ما يجري فرصة تاريخية لا تتكرر لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين وإبادتهم.

 

أظهرت تقارير لجان التحقيق الإسرائيلية إخفاقات بنيوية وسياسية داخل حكومة بنيامين نتنياهو وجيشه، وأكدت تراجع جاهزية القوات الصهيونية عشية معركة طوفان الأقصى. وتوهم صانع القرار في تل أبيب إمكانية إدارة الاحتلال بالمهدئات الزائفة دون المساس بجوهر الصراع القائم على التوسع والمصادرة والاضطهاد. وأسقطت الملحمة البطولية هذا الوهم، مؤكدة أن سلامة الأرض وبقاء أهلها يظلان الأصل الذي لا يمكن تجاوزه بأي تسويات هشة.

 

يخلص التحليل التاريخي إلى أن إنهاء الصراع وتحقيق العدالة والاستقرار لا يتحققان بمفاوضات شكلية تحمي الهيكل الاستعماري، بل بتفكيك منظومة الاستعمار الاستيطاني بشكل جذري. ويتطلب المسار المستقبلي بناء فلسطين الحرة على كامل ترابها التاريخي من النهر إلى البحر، لضمان عودة اللاجئين إلى ديارهم التي هجروا منها. ويظل نضال الشعب الفلسطيني واجباً ومساراً أصيلاً ممتداً حتى دحر العدوان واسترداد السيادة الوطنية الكاملة على الأرض والمقدسات.

 

https://orinocotribune.com/resistance-needs-no-justification-reflections-on-the-al-aqsa-flood-and-the-right-of-peoples-to-resist-settler-colonialism/

https://www.britannica.com/event/Israel-Hamas-War/Global-reaction-to-the-war

https://www.palestinechronicle.com/why-al-aqsa-flood-happened-revisiting-october-2023-ilan-pappe/