وائل قنديل

كاتب صحافي مصري

 

هل فاجأك الإعلان عن زيارة رئيس حكومة الاحتلال الصهيوني أبو ظبي "لبحث سبل تعزيز وتطوير العلاقات الثنائية بين الإمارات وإسرائيل " بحسب وكالة أنباء الإمارات، الرسمية؟ هل صدمك الكشف عن زيارة سرّية لمدير المخابرات المصرية السابق عباس كامل إلى الكيان الصهيوني للإبلاغ عن المقاومة الفلسطينية وتخطيطها لعملية طوفان الأقصى؟. القراءة الدقيقة لجملة المواقف العربية الرسمية من "الطوفان" تجعل الخبرين عاديين، بل منطقيين وتحصيل حاصل.

 

ويبقى السؤال الأهم: هل كان "7 أكتوبر" المجيد، قبل ثلاث سنوات، لحظة انفعال فلسطيني غاضب من دون مقدّمات أو ترتيبات شكلت فيما بينها قرارًًا استراتيجيًّا يتجاوز الآني ليصنع المستقبل؟ يشتعل السؤال على بعد سبعة أيام من ذكرى أهم عمل عربي بمواجهة العدو الصهيوني منذ معركة أكتوبر (1973)، وهو الفعل الذي أحدث صدمة مزدوجة أصابت الاحتلال الإسرائيلي والنظام العربي معًا، فكان أن تحرّكا معًا لإخماد الثورة الفلسطينية التي لا تزال تتفاعل بامتداد خريطة الشرق الأوسط كله.

 

لم يكن "الطوفان" طيشًا أو تهوّرًا مفاجئًا، بل كان تصحيحًا لحركة تاريخ انحرف عن مساره الطبيعي، إذ سبقته ألف علامة على أنه واقع لا محالة، بعد أن وجد الإنسان الفلسطيني نفسه في مواجهة الاقتلاع والمحو، فيما كان العرب يتسابقون على مد خطوط التعاون بينهم وبين المحتل. وهنا من المهم، بل من اللازم قراءة ما قبل اندلاع الطوفان بعيدًا عن تلك العتمة الإعلامية، المقصود بها تصوير الأمر كأنه ليس إلا عملية انتحارية فلسطينية.

 

منذ 2021، وبالتحديد مع انتفاضة القدس الباسلة، والتي بلغت ذروتها مع ملحمة الشيخ جراح، تجمّعت سحبٌ سوداء أمام الوجود الفلسطيني، إذ يمكن رصد مجموعة هائلة من هدايا النظام العربي للكيان الصهيوني في الفترة بين الاختراق الصهيوني للخليج العربي، بتوقيع كامب ديفيد الثانية مع الإمارات والبحرين، والأسابيع القليلة السابقة على لحظة 7 أكتوبر (2023)، وهي المعطيات التي يمكن من خلالها الإجابة عن سؤال: لماذا خذل العرب الطوفان إلى حد التآمر عليه.

 

اشتعلت في العام 2022 كل المدن والبلدات الفلسطينية بالثورة بعد فضيحة "قمة النقب" التي ترأستها إسرائيل، ودعت إليها عدة دول عربية، تنافست فيما بينها على لقب الأكثر نفعًا وقربى للاحتلال الصهيوني، فكانت هذه الانتفاضات التي اندلعت في المدن الفلسطينية المحتلة، من مخرجات قمة النقب وتداعياتها، وتعبيرًا عن أن المواطن الفلسطيني بات مقتنعًا، أكثر من أي وقت مضى، بأنه يخوض معركته للدفاع عن وجوده وحده. وقد تأكدت هذه القناعة لدي الفلسطيني المقاوم، حين صفعه النظام الرسمي العربي مجدّدًا حين انعقدت" قمة العقبة" التي ساقت لها واشنطن ممثلين لمصر والأردن والكيان الصهيوني وسلطة رام الله، وانعقدت من أجل إيقاف المد الفلسطيني المقاوم في نابلس وغيرها من المدن والبلدات الفلسطينية.

 

وبينما كان الاحتلال يستخدم كل أدواته في سحق الشعب الفلسطيني المنتفض عقدت جامعة الدول العربية اجتماعًا وصفته بأنه "رفيع المستوى" على وقع الاعتداءات الإسرائيلية على القدس المحتلة والاجتياح المتكرّر للمدن الفلسطينية، مع تصاعد الدعوات إلى اليمين الصهيوني المتطرّف لاستئصال الوجود الفلسطيني على أرض فلسطين، حيث أعلن وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموترتش، أنه لا يوجد فلسطينيون لأنه لا يوجد شعب فلسطيني، وهي العقيدة الصهيونية التي جرى تطبيقها عمليًّا بإنشاء جيش المستوطنين، جنبًا إلى جنب جيش الاحتلال الرسمي. لم يحرك ذاك التصريح الاستئصالي ساكنًا لدي العرب الرسميين، بل سمعنا في الاجتماع العربي من أجل القدس، الجنرال عبد الفتاح السيسي، موجهًا كلامه إلى الكيان الصهيوني "أقول لإسرائيل، حكومة وشعبًا، لقد حان الوقت للاندماج بين شعوب المنطقة ... لنطو صفحة الألم من أجل الأجيال القادمة الفلسطينية والإسرائيلية".

 

الشاهد أن الخذلان كان موقفًا استراتيجيًّا، وليس نتيجة عجز في القدرة أو اختلالًا في موازين القوة بين الدول العربية مجتمعة والكيان الصهيوني. كان هذا الموقف الرسمي المتصنّع للعجز إجراءً عقابيًّا مبكّرًا ضد أبطال "الطوفان"، تعبيرًا عن قناعة راسخة بأنه ليس مسموحًا لأي طرف عربي أن يغيّر قواعد اللعبة كما وضعتها الولايات المتحدة ورسختها أكثر من نصف قرن، هي عمر تلك التي تسمّى "عملية السلام" التي بات العنصر الحاسم في بقاء أنظمة حاكمة أو زوالها.