سجّلت التجارة المصرية مع الاحتلال الإسرائيلي قفزة حادة خلال يونيو 2026، مع ارتفاع الواردات بنسبة 127.1% والصادرات بنسبة 147.9%، في أرقام تضع حكومة السيسي أمام مساءلة سياسية عن توسيع العلاقات الاقتصادية مع الاحتلال.

 

وفيما بلغت الواردات المصرية من إسرائيل 266.376 مليون دولار خلال شهر واحد، لم تتجاوز الصادرات إليها 38.857 مليون دولار، لتظهر فجوة ضخمة تفضح اختلال العلاقة، وتضع شعارات الاستقلال الاقتصادي أمام اختبار الأرقام.

 

 

قفزة الواردات تفضح اختلال العلاقة

 

فقد ارتفعت الواردات المصرية من إسرائيل من 117.294 مليون دولار في يونيو 2025 إلى 266.376 مليون دولار في يونيو 2026، بزيادة تتجاوز 149 مليون دولار، بما يعكس تسارعًا شهريًا كبيرًا في التدفقات التجارية.

 

وفي المقابل، ارتفعت الصادرات المصرية من 15.677 مليون دولار إلى 38.857 مليون دولار، بزيادة قدرها 23.18 مليون دولار؛ لكن ضخامة نسبة نموها لا تمحو حقيقة أن قيمة الواردات تجاوزتها بنحو سبعة أمثال.

 

وبحساب الفارق بين الاتجاهين، بلغ العجز التجاري المصري مع إسرائيل خلال يونيو نحو 227.5 مليون دولار، بينما تجاوزت الزيادة في الواردات ستة أمثال الزيادة في الصادرات، وهو اختلال لا تستره النسب المئوية البراقة.

 

ومن هنا، يصبح تقديم ارتفاع الصادرات باعتباره مكسبًا كافيًا قراءة مبتورة؛ فالسؤال السياسي والاقتصادي يتعلق بحجم الاعتماد على الاحتلال، وبقدرة الدولة على تقليصه، وبالثمن الذي تدفعه مقابل استمرار هذه العلاقة غير المتوازنة.

 

ومع ذلك، تقتضي الدقة الفصل بين قفزة يونيو وحصيلة الأشهر الستة؛ إذ انخفض إجمالي التبادل خلال النصف الأول إلى نحو 1.362 مليار دولار، مقابل 1.374 مليار دولار، فلا يصح تعميم الارتفاع الشهري على الفترة بأكملها.

 

 

الطاقة تفتح أبواب الارتهان للاحتلال

 

أما تركيب الواردات، فيضع ملف الطاقة في قلب العلاقة؛ فقد بلغت واردات الوقود المعدني والزيوت والشموع والبيتومين من إسرائيل نحو 2.28 مليار دولار خلال 2025، من إجمالي واردات بلغ نحو 2.34 مليار دولار.

 

وبذلك، استحوذت هذه المجموعة على نحو 97% من قيمة الواردات المصرية من إسرائيل، بما يوضح شدة التركّز في قطاع حيوي، ويجعل الحديث عن الاستقلال الاقتصادي ناقصًا دون مناقشة مصادر الطاقة وبدائلها.

 

وعليه، فإن جوهر المساءلة يتجاوز عدد الشحنات وقيمتها إلى الخيارات التي صنعت هذا الاعتماد؛ فالسلطة مطالبة بتفسير كيف تحمي احتياجات الإنتاج والخدمات، بينما ترتبط وارداتها من الاحتلال بهذا القدر بقطاع استراتيجي.

 

وفي المقابل، توزعت الصادرات المصرية خلال 2025 بين الملح والكبريت والأحجار والإسمنت والجير والكيماويات والمعدات والبلاستيك والمنتجات الغذائية، وهي قائمة تؤكد اتساع مجالات التعامل، لكنها لا تغيّر وحدها ميزان العلاقة المختل.

 

كذلك، يوضح المصدر الوارد في النص أن هذه التعاملات تخص التجارة مع إسرائيل، بينما تُرصد التجارة المخصصة لغزة والضفة الغربية ضمن المبادلات مع فلسطين؛ لذلك لا يجوز خلط المسارين أو تقديم أحدهما تفسيرًا للآخر.

 

 

أولويات الحكومة تعمّق ضعف التصنيع

 

وفي تفسيرها لضغوط الاستيراد، تربط خبيرة الجمارك واللوجستيات نادية المرشدي زيادة الواردات بحاجة المصانع إلى مستلزمات إنتاج تعجز عن تدبيرها محليًا، وتشير إلى ضعف اهتمام الحكومة بتوسيع التصنيع للحد من الاعتماد على الخارج.

 

كما تلفت المرشدي إلى تشجيع الاستثمار في العقارات والبنية الأساسية التي تستحوذ على معظم استثمارات الدولة، وفق الرأي المنقول عنها، وهو طرح يضع ترتيب الأولويات الحكومية في صلب أزمة الإنتاج والتجارة الخارجية.

 

وبهذا المعنى، تصبح مساءلة الحكومة مباشرة: لماذا يستمر توجيه الموارد إلى قطاعات لا تسد احتياجات المصانع، بينما يواجه المنتجون نقصًا في المدخلات المحلية؟ وأين نتائج السياسات التي يفترض أن تقلص الحاجة إلى الاستيراد؟

 

غير أن تفسير احتياجات المصانع لا يمنح التطبيع حصانة من المساءلة؛ فتوفير مستلزمات الإنتاج يفرض البحث عن بدائل وتنويع الموردين، ويستدعي سياسة صناعية واضحة، بدل التعامل مع الاعتماد على الاحتلال باعتباره أمرًا بلا خيارات.

 

وفي المحصلة، تضع الأرقام حكومة السيسي أمام مسؤولية تتجاوز إدارة فاتورة تجارية: بناء قدرة إنتاجية تقلل التبعية، وإعلان مسار واضح لتنويع مصادر الطاقة والمدخلات، وتفسير استمرار العلاقات الاقتصادية الواسعة مع الاحتلال أمام المصريين.