يدخل نظام البكالوريا المصرية عامه الدراسي الجديد محمّلًا بقواعد واشتراطات ثقيلة على الطلاب والأسر، بعدما قرر وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف ربط دخول الفرصة الأولى للامتحان بإنجاز 60% من التقييمات، ورفع نسبة الأسئلة المقالية إلى نصف الامتحان، وفرض 200 جنيه للمادة الواحدة عند دخول محاولة التحسين الاختيارية.

 

ويبدأ التطبيق بينما ظلت أسئلة الجاهزية تطارد الوزارة حتى الأسابيع الأخيرة السابقة للعام الدراسي؛ إذ انتقدت داليا الحزاوي، مؤسس ائتلاف أولياء أمور مصر، تأخر إتاحة تفاصيل النظام والمناهج، وطالبت بتوفير المعلمين وتدريبهم وتهيئة المدارس قبل إلزام الطلاب بمنظومة حضور وتقييمات جديدة.

 

وتضع هذه الصورة مسؤولية مباشرة على إدارة محمد عبد اللطيف، الذي ظل حتى 17 أغسطس يتحدث عن قرب إعلان القرارات المنظمة للبكالوريا وإتاحة المناهج، بينما كان العام الدراسي على الأبواب ونظام جديد بالكامل ينتظر آلاف الطلاب والمعلمين.

 

فالطالب لم يعد أمام تغيير في اسم الشهادة فقط، وإنما أمام مسارات مختلفة ومناهج حديثة وتقييمات أسبوعية وشهرية ومشروعات وحضور إلزامي ونظام امتحانات جديد ومحاولات تحسين مدفوعة، وهي تغييرات كان يفترض أن يسبقها استعداد طويل لا سباق مع موعد الدراسة.

 

 

نظام يسبق جاهزية المدارس

 

جاءت إحدى أبرز نقاط الارتباك من شرط إنجاز الطالب 60% من الأداءات والتقييمات الأسبوعية والشهرية حتى يسمح له بدخول الفرصة الأولى للامتحانات، وهو شرط يطبق اعتبارًا من العام الدراسي 2026/2027 على طلاب البكالوريا.

 

وتتكون منظومة التقييم من مشروع بـ15 درجة، وتقييم أسبوعي بـ20، وأداء منزلي وحصة بـ15، وسلوك ومواظبة بـ10، إضافة إلى تقييمين شهريين يحصل كل منهما على 20 درجة، بإجمالي 100 درجة.
والأغرب أن هذه الدرجات نفسها لا تدخل في مجموع الطالب النهائي؛ فالوزارة تؤكد عدم وجود أعمال سنة في البكالوريا، وأن الدرجة النهائية للمادة تعتمد على الامتحان، لكن أداء نسبة محددة من تلك التقييمات يصبح بوابة للفرصة الأولى المجانية.

 

وهكذا أوجدت الوزارة منظومة تقييم ضخمة لا تمنح الطالب درجات في مجموعه، لكنها تستطيع التأثير في حقه في دخول الامتحان الأول، وهو ما يفتح بابًا لمشكلات التسجيل والحضور والتقدير داخل مدارس تختلف بشدة في مستوى الإدارة والانضباط وتوافر المعلمين.

 

داليا الحزاوي حذرت من هذه النقطة تحديدًا، وطالبت برقابة حقيقية وآلية تظلم واضحة حتى لا يصبح مستقبل الطالب متعلقًا بتقدير فردي، كما شددت على أن تهيئة المدارس كان يجب أن تسبق فرض منظومة التقييم والحضور.

 

كما أشارت إلى مخاوف تتعلق بعدم وجود عدد كاف من المعلمين المؤهلين لبعض المواد الحديثة، ومنها المحاسبة، في وقت دفعت فيه صعوبة المناهج الجديدة بعض المعلمين إلى إعلان عدم استعدادهم لتدريسها قبل الحصول على التدريب الكافي.

 

ويجعل ذلك حديث الوزارة المتكرر عن إعادة الطالب إلى المدرسة ناقصًا إذا لم تكن المدرسة نفسها قد سبقت الطالب إلى الاستعداد؛ فإجبار الطالب على الحضور لا يصنع تعليمًا بمجرد تسجيل اسمه، إذا كان المعلم غير مدرب أو المادة حديثة أو البيئة المدرسية غير مهيأة.

 

 

نصف الامتحان أسئلة مقالية

 

زاد محمد عبد اللطيف الضغوط بإقرار امتحانات البكالوريا بنسبة **50% اختيار من متعدد و50% أسئلة مقالية** للصفين الثاني والثالث اعتبارًا من العام الدراسي 2026/2027.

 

والانتقال من امتحانات يغلب عليها الاختيار من متعدد إلى نصف ورقة امتحانية مقالية ليس تعديلًا شكليًا؛ فهو يغير طريقة مذاكرة الطالب، وطريقة تدريب المعلم، وآلية التصحيح، والوقت اللازم للإجابة، ويحتاج بالتالي إلى استعداد يسبق القرار لا يلحق به.

 

وحذرت داليا الحزاوي من أن الأسئلة المقالية تحتاج إلى وقت أكبر للتفكير والكتابة والمراجعة، وطالبت بأن يتناسب زمن الامتحان مع النسبة الجديدة، حتى لا تتحول محاولة قياس الفهم إلى سباق مع عقارب الساعة.

 

كما أن تأخر المناهج جعل الأزمة أكثر وضوحًا، إذ قالت الحزاوي إن إتاحتها جاءت في توقيت متأخر قبل بداية العام الدراسي، رغم أن الطلاب يحتاجون إلى الاطلاع عليها مبكرًا لتحديد المسار والاستعداد، كما يحتاج المعلم إلى وقت لإعداد الشرح والتدريب.

 

وتزداد خطورة التأخير لأن الصف الثاني يمثل الجزء الأكبر من مجموع البكالوريا، بواقع 400 درجة من إجمالي 600، مقابل 200 درجة للصف الثالث، وفق شرح نظام الدراسة الذي تناولته تصريحات الخبراء بشأن النظام الجديد.

 

وهنا تصبح مسؤولية الوزير أبعد من إصدار قرار الامتحانات؛ فقرار بنسبة 50% مقالي لا يمكن فصله عن موعد نشر الكتب وتدريب المدرسين وتوفير نماذج الأسئلة وآليات التصحيح وتحديد الزمن المناسب للامتحان.

 

لكن القرارات جاءت متلاحقة خلال أسابيع سبقت الدراسة، ما جعل الطالب وولي الأمر والمعلم مطالبين باستيعاب نظام كامل في توقيت كان يفترض أن يكون مخصصًا للاستعداد له لا لاكتشاف قواعده.

 

 

التحسين يتحول إلى فاتورة

 

قدمت الوزارة تعدد فرص الامتحان باعتباره جزءًا أساسيًا من نظام البكالوريا، لكن الفرصة الثانية ليست مجانية؛ فالطالب في الصف الثاني يؤدي الامتحان الأول إجباريًا في مايو دون رسوم، ثم يدفع **200 جنيه عن كل مادة** إذا أراد المحاولة مرة أخرى في يوليو.

 

وفي الصف الثالث تتكرر المعادلة؛ محاولة إجبارية مجانية في يونيو وأخرى اختيارية في أغسطس مقابل 200 جنيه للمادة، مع احتساب الدرجة الأعلى التي يحصل عليها الطالب من محاولاته.

 

وهذا يضع مفهوم «التحسين» نفسه أمام سؤال اجتماعي واضح: الطالب الذي تستطيع أسرته دفع الرسوم يستطيع تكرار المحاولة، بينما الطالب الذي تعجز أسرته عن تحمل تكلفة عدة مواد قد يكتفي بنتيجته الأولى حتى لو كان قادرًا أكاديميًا على تحسينها.

 

فالطالب الذي يعيد ثلاث مواد يحتاج إلى 600 جنيه للمحاولة، وإذا امتدت إعادة الامتحانات إلى أكثر من مادة أو أكثر من عام، تتحول المرونة التي يروج لها النظام إلى فاتورة إضافية تتحملها الأسرة فوق مصاريف الدروس والكتب والتنقل.

 

وقد حذرت الحزاوي أيضًا من أن غياب قواعد مفهومة للتحسين قد يقود إلى ما وصفته بـ«صراع المجاميع»، وطالبت بتوضيح عدد المحاولات وقواعدها بصورة مبكرة ودقيقة بدل ترك الأسر تبحث عن تفسير لكل قرار جديد.

 

أما الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، فأوضح أن انخفاض درجة الطالب في التقييمات لا يحرمه بذاته من الامتحان، لأن المطلوب هو أداء 60% منها وليس الحصول على 60% من درجاتها، وهو توضيح احتاج إليه الجمهور أصلًا بسبب تعقيد صياغة النظام وتعدد قواعده.

 

وهذه الحاجة المستمرة إلى الشرح بعد صدور القرارات تكشف واحدة من مشكلات إدارة الملف؛ فالنظام الذي يغير مستقبل المرحلة الثانوية كان يفترض أن يصل إلى الطالب والأسرة كمنظومة واضحة ومتكاملة، لا كقرارات متتابعة تحتاج كل واحدة منها إلى تفسير جديد.

 

وفي 14 سبتمبر، شارك محمد عبد اللطيف في ورشة لمتابعة تطبيق البكالوريا بالتعاون مع جهات دولية، مؤكدًا أن النظام يستهدف التفكير والفهم والتطبيق، لكن الاختبار الحقيقي لهذا الشعار يبقى في الفصول والمدارس التي ستنفذ تلك القرارات بالفعل.

 

فلا تكفي مسميات جديدة ومسارات حديثة إذا سبق القرارُ تجهيزَ المدرسة، ولا معنى لإعادة الطالب إلى الفصل إذا لم يكن المعلم جاهزًا للمادة، كما أن منح فرصة تحسين مدفوعة لا يلغي تفاوت قدرة الأسر على شرائها.

 

وبذلك يبدأ محمد عبد اللطيف التطبيق وهو محاصر بأسئلة صنعتها قرارات وزارته نفسها: لماذا تأخرت المناهج والتفاصيل؟ وهل جرى تدريب العدد الكافي من المعلمين؟ وكيف يضمن الطالب عدالة تسجيل 60% من التقييمات؟ وهل زمن الامتحان مناسب لنصف ورقة مقالية؟ ولماذا يصبح تحسين النتيجة مرتبطًا بدفع 200 جنيه عن كل مادة؟

 

إن اختبار البكالوريا الحقيقي لن يكون في البيانات التي تصفها بالتطوير، وإنما في قدرة الوزارة على إثبات أن المدارس والمعلمين ونظام التقييم والتصحيح كانوا جاهزين قبل أن يصبح مئات الآلاف من الطلاب أول دفعة تتحمل نتائج تجربة بهذا الحجم دون إستعداد.