تضع حصيلة ثلاثة عشر عامًا الصناعة المصرية أمام صورة لا تختصرها معدلات النمو، بعدما خرجت شركات تاريخية من الإنتاج بالتصفية، وتوقفت أخرى سنوات، بينما انتقلت أراضٍ مرتبطة بكيانات صناعية إلى مشروعات عمرانية واستثمارية.

 

وتدفع هذه الوقائع إلى سؤال اقتصادي مباشر هل يكفي ارتفاع الناتج المحلي لإثبات قوة الاقتصاد، إذا فقدت الدولة في الوقت نفسه قدرات صناعية ثقيلة، أو احتاجت لاحقًا لإنفاق جديد لإعادة مصانع متوقفة؟

 

 

ثلاث تصفيات تعيد سؤال الصناعة

 

وفي هذا السياق، يرى الدكتور جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، أن تصفية كيانات مثل الحديد والصلب والنصر للكوك أضعفت الهيكل الإنتاجي، ووسعت الاعتماد على التدفقات الخارجية بدل الادخار والإنتاج المحلي.

 

وفي أكتوبر 2018، أنهت الجمعية العامة غير العادية مسيرة الشركة القومية للأسمنت بالتصفية بعد 62 عامًا من العمل، بينما أشارت بيانات الشركة إلى توقف أفرانها تدريجيًا منذ 2015 وتقادم معداتها.

 

ومع أن القرار استند إلى خسائر متراكمة وصعوبات تشغيلية، فإن بقاء المعدات دون تحديث واسع لسنوات طويلة يترك سؤال المسؤولية سابقًا على قرار الإغلاق، لا بعد وصول الشركة إلى نهايتها.

 

ثم في يناير 2021، تقرر تصفية شركة الحديد والصلب المصرية بعد 67 عامًا من تأسيسها، مع إرجاع القرار إلى خسائر متراكمة قاربت تسعة مليارات جنيه وعدم القدرة على استعادة التشغيل.

 

غير أن الشركة لم تكن مصنعًا استهلاكيًا عاديًا، بل مجمعًا للصناعات الثقيلة، ولذلك اعتبر عبد الخالق أن تقييمها بمنطق الخسائر وحده يهمل القيمة الاستراتيجية لصناعة متكاملة يصعب تعويضها سريعًا.

 

وبعد ذلك بعام واحد، لحقت شركة النصر لصناعة الكوك بالمصير نفسه، إذ تقررت تصفيتها في سبتمبر 2022 بعد 62 عامًا من التأسيس، وكان فقدان الحديد والصلب كعميل رئيسي ضمن أسباب القرار.

 

وبذلك انتهت ثلاث شركات بلغ مجموع أعمارها التشغيلية 191 عامًا تقريبًا، وهي مدة لا تعني مجرد أرقام تاريخية، بل خبرات بشرية وشبكات توريد ومعرفة فنية وأصولًا صناعية تراكمت عبر أجيال.

 

وفي المقابل، قدمت الجهات الحكومية مبررات تتعلق بالخسائر وتقادم التكنولوجيا ومشكلات البيئة وتراجع الجدوى، وهي اعتبارات اقتصادية قائمة، لكنها لا تغلق التساؤل حول توقيت التطوير ولماذا تأخر قبل الوصول إلى التصفية.

 

كما أن إغلاق شركة كبيرة قد يمتد أثره إلى الموردين والمقاولين والنقل والعمالة والأسواق المرتبطة بها، وهو ما ظهر بوضوح في علاقة النصر للكوك بالحديد والصلب قبل تصفية الشركتين.

 

 

توقف المصانع يضاعف كلفة العودة

 

وفي هذا الإطار، يقول الدكتور رشاد عبده، أستاذ الاقتصاد والخبير في شؤون القطاع العام، إن التصفية يجب أن تكون آخر الخيارات، معتبرًا أن مشكلات الشركات يمكن التعامل معها بإعادة الهيكلة قبل إنهاء النشاط.

 

وفي شركة الدلتا للأسمدة بطلخا، توقفت المصانع منذ أبريل 2020، قبل أن تبدأ لاحقًا خطة واسعة للإصلاح والصيانة والتأهيل تستهدف إعادة مصانع الأمونيا واليوريا إلى العمل بعد سنوات من التوقف.

 

ومع بدء مشروع الإحياء، تستهدف الخطة طاقة يومية تصل إلى 1200 طن أمونيا و1725 طن يوريا، بما يؤكد أن الأصل الصناعي الذي توقف لسنوات ما زال يحمل قيمة إنتاجية كبيرة.

 

لكن بقاء مصنع للأسمدة خارج الخدمة كل هذه المدة يفرض سؤالًا مختلفًا عن التصفية، يتعلق بكلفة التوقف نفسه، وفقدان الإنتاج والعمالة والأسواق، ثم كلفة الإنفاق اللاحق لإعادة الأصل إلى الخدمة.

 

وفي الوقت نفسه، فإن عودة المصنع تمثل مثالًا على أن إعادة التأهيل ممكنة حين تتوافر الموارد والإدارة، وهو ما يجعل المقارنة ضرورية مع شركات أخرى انتهى مسارها بالتصفية الكاملة.

 

ومن هنا يصبح جوهر المسألة هو توقيت التدخل، لأن المصنع حين يتوقف طويلًا لا يخسر مبيعاته فقط، بل تتراجع خبرات العاملين وتتضرر علاقات الموردين وتزداد تكاليف إعادة التشغيل والصيانة.

 

كذلك لا يمكن فصل هذه القضية عن احتياجات الاقتصاد من العملة الأجنبية، فكل سلعة استراتيجية تُنتج محليًا تقلل جزءًا من فاتورة الاستيراد، بينما تمنح زيادة الصادرات مصدرًا أكثر استدامة للعملة الصعبة.

 

وعلى الجانب الآخر، تقول الحكومة إن برامج التطوير الحالية تستهدف زيادة الإنتاج والتشغيل والصادرات، وهو توجه يعيد الصناعة إلى مركز السياسات، لكن نتائجه تظل مرتبطة بسرعة التنفيذ واستمرار المصانع بعد التشغيل.

 

ولهذا تبدو تجربة الدلتا للأسمدة اختبارًا عمليًا لفارق جوهري بين إنقاذ أصل منتج قبل انهياره، وبين تركه يتوقف سنوات ثم دفع تكلفة كبيرة لإعادته إلى نقطة كان يمكن الحفاظ عليها.

 

 

بيع الأرض يزاحم قيمة الإنتاج

 

وفي هذا الجانب، يرى الدكتور عبد النبي عبد المطلب، أستاذ الاقتصاد وخبير الموازنات والسياسات المالية، أن بيع الأصول للحصول على عوائد لمرة واحدة لا يعادل بناء موارد إنتاجية متكررة ومستدامة للاقتصاد.

 

وفي المحلة الكبرى، تأسست شركة مصر للغزل والنسيج عام 1927، وتحولت عبر عقود إلى أحد أكبر التجمعات الصناعية، بينما شهدت السنوات الأخيرة تنفيذ مشروع واسع لتحديث مصانع الغزل والنسيج.

 

ومع ذلك، وافقت الجمعية العامة للشركة في يونيو 2025 على بيع 47.96 فدانًا من أرض المدينة الثانية المعروفة بالمستعمرة إلى صندوق التنمية الحضرية لإقامة مشروع سكني ضمن التطوير العمراني.

 

ثم في سبتمبر 2026، دخلت شراكة لتطوير الأرض نفسها في مشروع عمراني متكامل، وهو ما نقل مساحة كانت ضمن أصول الشركة إلى مسار عقاري يحقق إيرادات من التطوير.

 

وفي المقابل، لا تعني هذه الخطوة أن غزل المحلة جرى تصفيتها، فالشركة تشهد بالفعل تحديثًا صناعيًا واسعًا ومصانع جديدة، بينها غزل 1 ومجمعات للنسيج والصباغة وتجهيز خطوط إنتاج حديثة.

 

لكن الجمع بين ضخ استثمارات صناعية كبيرة من جهة وتحويل جزء من الأصول العقارية إلى مشروع عمراني من جهة أخرى يعيد السؤال حول الحدود الفاصلة بين تمويل التطوير وحماية الأصول طويلة الأجل.

 

كما أن الأرض يمكن بيعها أو تطويرها مرة واحدة، بينما الأصل الصناعي الناجح يولد إنتاجًا وفرص عمل وصادرات بصورة متكررة، ولذلك يصبح معيار العائد طويل الأجل أهم من السيولة الفورية وحدها.

 

ومن ناحية أوسع، لا تتناقض معدلات نمو الناتج المحلي بالضرورة مع تراجع قطاعات صناعية بعينها، لأن النمو قد يأتي من البناء والخدمات والاستهلاك، بينما يبقى تركيب الاقتصاد ومصادر العملة الأجنبية مسألة أخرى.

 

وبالتالي، فإن قوة النمو لا تقاس فقط بنسبة الزيادة السنوية، بل بقدرته على رفع الإنتاجية والصادرات الصناعية وتقليل الاعتماد على الواردات وخلق وظائف مستقرة ذات قيمة مضافة مرتفعة.

 

وفي النهاية، فإن سجل القومية للأسمنت والحديد والصلب والنصر للكوك، إلى جانب توقف الدلتا للأسمدة وتحولات أراضي غزل المحلة، يضع أمام السياسة الاقتصادية سؤالًا لا يمكن دفنه تحت رقم واحد للنمو.

 

ولهذا يبقى الامتحان الحقيقي هو ما إذا كانت السنوات المقبلة ستزيد عدد المصانع العاملة وقدرتها التصديرية، أم ستظل الأصول والأراضي مصدرًا أسرع للسيولة من بناء إنتاج يتكرر عائده كل عام.