في جنوب محافظة الأقصر، تبدو حياة الحاج عبد الراضي محمد حسين مختلفة عن الصورة المعتادة للأسرة المصرية من حيث العدد وطريقة إدارة شؤونها اليومية. فعلى مدار أكثر من أربعة عقود، كوّن الرجل أسرة تضم 4 زوجات و40 ابنا وابنة، بينهم 26 بنتا و14 ولدا، بينما اتسعت العائلة مع مرور السنوات لتشمل عشرات الأحفاد، يقدّر عبد الراضي عددهم بنحو 100 حفيد.

 

هذا العدد الكبير جعل المنزل أشبه بتجمع عائلي واسع تتداخل فيه الأجيال والفروع، بينما أصبح تنظيم الحياة اليومية ومتابعة احتياجات الأبناء والأحفاد مسؤولية مستمرة تقع في جانب كبير منها على رب الأسرة.

 

وخلال حديثه عن تجربته، استعرض الحاج عبد الراضي تفاصيل سنوات طويلة عاشها وسط أبنائه، متحدثا عن الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها الأسرة، وكيف حاول رغم محدودية الإمكانات أن يوفر احتياجات أفرادها الأساسية، وأن يحافظ في الوقت نفسه على ترابطهم وتماسكهم.

 

 

أكثر من أربعة عقود مع الأسرة

 

على امتداد أكثر من 40 عاما، تغير شكل الأسرة بصورة كبيرة، فالأبناء كبروا وتزوج بعضهم، وبدأت أجيال جديدة من الأحفاد في الظهور، لتتحول العائلة تدريجيا إلى واحدة من الأسر الكبيرة في المنطقة.

 

ويقول عبد الراضي إن كثرة أفراد أسرته لم تكن دائما أمرا سهلا، خصوصا خلال السنوات التي كانت فيها الإمكانات المادية محدودة. فكل فرد جديد كان يعني احتياجات إضافية من الطعام والملابس والتعليم وغيرها من متطلبات الحياة.

 

ومع ذلك، يرى الرجل أن وجود الأبناء حوله يمثل مصدر قوة وسند له، وليس عبئا فقط، وهو ما يفسر تمسكه بفكرة الأسرة الكبيرة وحرصه على استمرار التواصل بين أفرادها.

 

وبمرور الوقت، أصبح عليه التعامل مع عائلة تضم أعمارا مختلفة، من الأبناء إلى الأحفاد، وهو ما فرض عليه أسلوبا خاصا في إدارة شؤون البيت والحفاظ على العلاقات بين أفراد الأسرة.

 

 

سنوات صعبة وطعام محدود

 

يتذكر الحاج عبد الراضي سنوات مرت فيها الأسرة بظروف مالية قاسية، وصلت في بعض الفترات إلى الاعتماد على الخبز وحده، بينما غابت اللحوم عن مائدة الأسرة لسنوات.

 

وكان توفير الطعام، بحسب روايته، من أكبر التحديات التي واجهته طوال تلك المرحلة، خصوصا مع ارتفاع عدد الأبناء وتعدد احتياجاتهم.

 

ويشير إلى أن همه الأساسي كان ألا يحتاج أبناؤه إلى الآخرين، وأن يحاول حمايتهم من سؤال الناس أو طلب المساعدة منهم. لذلك تحمل فترات الجوع والضيق، واستمر في العمل وتدبير احتياجات الأسرة وفقا لما تسمح به إمكاناته.

 

ويرى عبد الراضي أن أبناءه، رغم الظروف الصعبة التي عاشوها، حافظوا على تماسكهم، مشيرا إلى اهتمامهم بالصلاة وتمسكهم بالقيم الدينية والاجتماعية التي تربوا عليها.

 

ويصف تلك المرحلة باعتبارها اختبارا قاسيا للأسرة، لكنه يؤكد أنه لم يلجأ إلى السرقة أو نهب أموال الآخرين أو الاستدانة منهم، وفضّل تحمل ظروفه بنفسه مهما كانت صعبة.

 

 

توزيع الأدوار داخل العائلة

 

مع وصول عدد الأبناء والأحفاد إلى هذا الحجم، لم يعد من الممكن أن يتحمل شخص واحد جميع المسؤوليات اليومية، ولذلك أصبح تقسيم الأدوار بين الأبناء جزءا أساسيا من طريقة إدارة الأسرة.

 

ويقول عبد الراضي إنه يعتمد على أبنائه في متابعة كثير من التفاصيل، وهو ما يساعد على تنظيم شؤون العائلة وتقليل الضغط الناتج عن العدد الكبير لأفرادها.

 

فالعائلة لم تعد تضم الأب والأبناء فقط، وإنما تشعبت إلى فروع متعددة بعد زواج الأبناء وتكوينهم أسرهم الخاصة، وهو ما جعل إدارة العلاقات بينهم تحتاج إلى قدر من التنظيم والتنسيق المستمر.

 

وفي الوقت نفسه، يظل رب الأسرة حاضرا في المشكلات والقرارات التي يرى أنها تحتاج إلى تدخله، خصوصا عندما يتعلق الأمر بخلاف بين أبنائه أو بناته.

 

ويبدو أن مكانته داخل الأسرة تمنحه قدرة كبيرة على التأثير في أفرادها، إذ يرى أن الكلمة منه قد تكون كافية لإنهاء خلاف أو تهدئة موقف قبل أن يتطور.

 

 

جلسات المساء تجمع الأبناء

 

رغم ضخامة عدد أفراد الأسرة، يقول الحاج عبد الراضي إن أبناءه لا يقضون أوقاتهم خارج المنزل في المقاهي، وإنما يفضلون الاجتماع داخل البيت خلال ساعات المساء.

 

وتتحول تلك الجلسات إلى مساحة للحديث والضحك وتبادل الأخبار بين أفراد العائلة، في مشهد يجمع أكثر من جيل في مكان واحد.

 

ومع تزايد عدد الأحفاد، أصبح التعرف إلى جميع أفراد الأسرة أمرا أكثر صعوبة بالنسبة إلى الجد نفسه. ويعترف عبد الراضي بأنه قد يجد أحيانا أسماء لأحفاد لا يستطيع تذكرها بسهولة، بسبب كثرة عددهم وتفرع الأسرة.

 

وهذه التفاصيل تعكس حجم التغير الذي طرأ على الأسرة خلال السنوات الماضية، فالعائلة التي بدأت بأبناء محدودي العدد أصبحت تضم عشرات الأفراد من أجيال مختلفة، لكل منهم حياته ومسؤولياته، لكنهم يلتقون بصورة منتظمة داخل التجمع العائلي.

 

 

خلافات تنتهي بكلمة

 

وجود عدد كبير من الأشخاص في أسرة واحدة يجعل الخلافات أمرا يصعب تجنبه، إلا أن عبد الراضي يقول إنه يتدخل بنفسه عندما يشعر بوجود مشكلة بين أحد أبنائه أو بناته.

 

وبحسب روايته، لا يسمح بأن تستمر الخلافات لفترات طويلة، إذ يتدخل لتسوية الموقف وتوجيه كلمة تنهي النقاش.

 

ويبدو أن هذه الطريقة أصبحت جزءا من أسلوب إدارة الأسرة، خصوصا أن استمرار الخلافات داخل عائلة بهذا الحجم يمكن أن يؤدي إلى انقسام بين فروعها المختلفة.

 

لذلك يحاول الرجل الحفاظ على دوره باعتباره كبير العائلة، معتمدا على حضوره الشخصي وعلاقته بأبنائه، إلى جانب توزيع المسؤوليات بينهم.

 

ولا تقتصر أهمية هذا الدور على حل المشكلات، وإنما تمتد إلى الحفاظ على التواصل بين أفراد الأسرة، خصوصا مع اتساع دائرة الأبناء والأحفاد وتعدد البيوت والفروع.

 

 

الأبناء سند رغم المتاعب

 

رغم ما واجهه من أعباء اقتصادية واجتماعية، لا ينظر الحاج عبد الراضي إلى العدد الكبير من أبنائه باعتباره مشكلة في حد ذاته، بل يعتبرهم سندا له وعزوة تحيط به في سنوات عمره المتقدمة.

 

ويؤكد أنه لا يزال يرغب في الإنجاب، في إشارة إلى نظرته الخاصة إلى الأسرة والأبناء، باعتبار وجودهم جزءا أساسيا من حياته.

 

وتكشف تجربته في الوقت نفسه عن جانب آخر من حياة الأسر الكبيرة، حيث لا تتوقف التحديات عند توفير الطعام والاحتياجات الأساسية، وإنما تمتد إلى تنظيم العلاقات الداخلية وإدارة الخلافات ومتابعة الأجيال الجديدة.

 

ومع بلوغ عدد الأحفاد قرابة 100، وفقا لتقديره، باتت الأسرة أقرب إلى مجتمع صغير له قواعده وعلاقاته وتسلسل أفراده، بينما يحتفظ الجد بمكانته في قلب هذا التجمع.

 

 

أمنية خاصة لزوجته الأولى

 

وسط حديثه عن أبنائه وحياته العائلية، يخص عبد الراضي زوجته الأولى بذكر خاص، مستحضرا السنوات الصعبة التي عاشتها معه.

 

ويقول إنه يتمنى أن يؤديها فريضة الحج، تقديرا لما تحملهته معه خلال سنوات الشدة، وما قدمته من دعم في فترة لم تكن فيها ظروف الأسرة المادية سهلة.

 

https://www.instagram.com/reel/DdrM9sLj8L6