تدفع موجة الإيجارات الجديدة في الإسكندرية آلاف الأسر إلى مواجهة سوق تتسع فيه الفجوة بين الدخل والسكن، بعدما وصل متوسط الإيجار الشهري للشقق إلى 6,900 جنيه خلال الربع الثاني من 2026.

 

وتضع زيادة سنوية بلغت 13% خلال النصف الأول من العام ضغطًا إضافيًا على الباحثين عن مسكن، بينما يرتفع متوسط سعر المتر إلى 60 جنيهًا شهريًا وتتباعد الأسعار بقسوة بين أحياء المدينة.

 

 

13 % زيادة تعمق أزمة السكن

 

فمع بلوغ المتوسط العام 6,900 جنيه شهريًا، لم يعد الحديث عن الإيجار مسألة تفاوض محدودة بين مالك ومستأجر، بل صار عبئًا ثابتًا يقتطع حصة متزايدة من دخول الأسر كل شهر.

 

وفي الوقت نفسه، تعني زيادة الأسعار 13% خلال نصف عام مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق أن السكن يتحرك أسرع من قدرة شرائح واسعة على إعادة ترتيب ميزانياتها ومواجهة المصروفات الأخرى.

 

كما يضاعف متوسط 60 جنيهًا للمتر شهريًا الضغوط على الأسر التي تحتاج إلى مساحات مناسبة لأعداد أفرادها، إذ تتحول الزيادة في المساحة إلى قفزة مباشرة في قيمة الإيجار المطلوب.

 

ومن ثم، لا تبدو الأزمة مرتبطة بنقص المعلومات وحده، وإنما بغياب أدوات فعالة تضمن اتساق الإيجارات الجديدة مع مستويات الدخل، وتحول دون تحوّل السكن إلى عبء يبتلع الإنفاق الأساسي.

 

وفي هذا السياق، يرى يحيى شوكت، باحث سياسات السكن والعمران، أن إصلاح منظومة الإيجار يجب أن يشمل السوق القديم والجديد مع حماية الفئات الأكثر هشاشة بدل تركها لمعادلة السعر السوقي وحدها.

 

كما طرح شوكت في أعماله المتعلقة بالإيجار ضرورة توفير دعم للفئات الأضعف وربط أي زيادات بقواعد أكثر عدالة، وهي مقاربة تضع القدرة على السداد في قلب السياسة السكنية لا هامشها.

 

وبذلك، تضع أرقام الإسكندرية قضية القدرة على تحمل التكلفة أمام اختبار مباشر، لأن ارتفاع المتوسطات لا يعكس مجرد نشاط عقاري، بل يضغط على الاستقرار الأسري ويضيّق خيارات الانتقال والسكن.

 

 

خريطة الإيجار تفرز أحياء المدينة

 

أما جغرافيًا، فتظهر الفوارق بصورة أكثر حدة بين العامرية وشرق الإسكندرية، إذ يبدأ الإيجار من نحو 3,500 جنيه شهريًا في الأولى، بينما تقترب القيمة في الثانية من ستة أضعاف.

 

وفي المقابل، تستقر أحياء المنتزة أول والمنتزة ثان عند مستويات تمثل نقطة وسطية نسبيًا، ما يجعل خريطة المدينة نفسها مرآة للفروق في القدرة الشرائية وتفاوت الطلب على المناطق.

 

وعندما تصبح المسافة بين الحد الأدنى والأعلى بهذه الضخامة، يتحول اختيار الحي من قرار مرتبط بالخدمات والعمل والمدارس إلى معادلة مالية تحدد مسبقًا أين يستطيع المستأجر الإقامة وأين يُستبعد.

 

كما سجلت الأسعار ارتفاعًا في خمسة أحياء رئيسية، وكانت العامرية بين أكثرها زيادة، بينما اقتصر الاستقرار على الجمرك ووسط الإسكندرية والمجتمعات المغلقة، بما يعكس سوقًا غير متجانسة وسريعة التحول.

 

ومن ناحية أخرى، يضع هذا التفاوت عبئًا مضاعفًا على الأسر الأقل دخلًا، لأنها قد تضطر للابتعاد عن مناطق العمل والخدمات بحثًا عن إيجار أقل، ثم تدفع الفارق في النقل والوقت.

 

وفي هذا الإطار، يرى أحمد زعزع، الباحث والمصمم العمراني، أن سياسات التوسع التي تفتقر إلى السكن الميسر والنقل والخدمات المتاحة تعمق اللامساواة بدل أن تنتج عمرانًا قابلًا للعيش لشرائح أوسع.

 

كما سبق لزعزع أن ربط بين التوسع العقاري وارتفاع الأسعار حين لا يصاحبه توزيع اجتماعي متوازن وخدمات ميسرة، وهي زاوية تبدو واضحة مع الفروق الكبيرة بين أحياء الإسكندرية.

 

ولهذا، فإن قراءة المؤشر على مستوى المدينة وحده قد تخفي ضغوطًا أشد داخل الأحياء، لأن المتوسط العام لا يشرح من يستطيع الدفع ولا يوضح حجم التنازلات التي تقدمها الأسر.

 

 

الكومباوندات توسع فجوة القدرة الشرائية

 

أما داخل التجمعات السكنية المغلقة مثل صواري وبالم هيلز وأليكس ويست، فقد وصل متوسط الإيجار إلى 25 ألف جنيه شهريًا، وهو مستوى يبتعد جذريًا عن المتوسط العام للمدينة.

 

وفي الوقت ذاته، يوضح هذا الرقم أن سوق الإيجار في الإسكندرية لا يتحرك ضمن نطاق واحد، بل ينقسم إلى شرائح متباعدة تعكس تفاوتًا حادًا في الدخول وأنماط السكن المتاحة.

 

وبينما تحافظ المجتمعات المغلقة على استقرار نسبي في الأسعار، تبقى مستوياتها المرتفعة خارج قدرة قطاع واسع من المستأجرين، بما يجعل الاستقرار السعري نفسه غير كافٍ لقياس العدالة السكنية.

 

كما أن ارتفاع الإيجارات في هذه المشروعات يعيد طرح سؤال الأولويات، لأن التوسع في وحدات مرتفعة التكلفة لا يعالج تلقائيًا احتياجات الأسر التي تبحث عن شقة عادية غير مفروشة داخل المدينة.

 

ومن هنا، تبرز أهمية ما تطرحه أمنية خليل، الباحثة في الأنثروبولوجيا العمرانية، التي ربطت في أعمالها بين تحرير الإيجارات الجديدة وارتفاع الكلفة على أسر لا تواكب دخولها زيادات السوق.

 

كما شددت خليل في كتاباتها حول سياسات السكن على أن إدارة العمران من أعلى دون الانطلاق من احتياجات السكان تخلق فجوات اجتماعية ومكانية، حتى حين تستمر مشروعات البناء والتطوير بوتيرة مرتفعة.

 

وبالتالي، لا تكفي زيادة المعروض العقاري كإجابة جاهزة إذا كان الجزء الأكبر منه يتحرك عند أسعار تتجاوز قدرة المستأجر العادي، لأن وفرة الوحدات لا تعني بالضرورة وفرة السكن الممكن تحمله.

 

وعلى هذا الأساس، يمنح مؤشر الإيجار بالإسكندرية صورة أكثر وضوحًا عن مناطق الضغط، لكنه في الوقت نفسه يبرز الحاجة إلى سياسات تربط بين الإيجار والدخل وتراقب أثر السوق على الأسر.

 

كما تزداد أهمية المؤشر لأنه يتتبع الشقق الجديدة غير المفروشة وغير المصيفية، أي إنه يقترب من الاحتياج السكني اليومي بعيدًا عن تشوهات المواسم السياحية أو الإيجارات قصيرة الأجل.

 

وفي النهاية، تقول أرقام الربع الثاني إن أزمة السكن في الإسكندرية لم تعد مجرد تفاوت بين حي وآخر، بل صارت مسألة قدرة على البقاء داخل المدينة دون استنزاف الدخل في الإيجار.

 

وبينما تستمر الأسعار في الصعود، يبقى السؤال الأثقل هو ما إذا كانت السياسات السكنية ستتحرك لحماية القدرة على تحمل التكلفة، أم يظل السوق وحده يحدد من يسكن وأين وبأي ثمن.