تجددت احتجاجات عمال وموظفي شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالقاهرة، مع عودة الوقفات داخل محطة التبين بحلوان، للمطالبة بعلاوات متأخرة وبدلات أفضل وتثبيت العمالة المؤقتة وتسوية أوضاع وظيفية ممتدة منذ سنوات.

 

وتحوّلت الأزمة من مطالب مالية مؤجلة إلى نزاع عمالي مزمن، بعدما اتسعت التحركات خلال الأشهر الماضية من مواقع محدودة إلى عشرات الفروع والمحطات، بينما بقيت ملفات العلاوات والتثبيت والأجور دون تسوية نهائية حتى سبتمبر 2026.

 

 

عشر سنوات من العلاوات المعلقة

 

وفي محطة التبين، تجمع العمال داخل مبنى الإدارة مطالبين بصرف العلاوات الدورية والتشجيعية المتأخرة منذ عام 2016، وهي المدة التي جعلت الملف يتجاوز خلافًا عابرًا إلى أزمة متراكمة تمس دخول العاملين ومستقبلهم الوظيفي.

 

كما يقول العمال إن بدل الوجبة البالغ 150 جنيهًا شهريًا لم يعد يعكس أبسط تكاليف المعيشة، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الغذاء والنقل، ما جعل البدل بالنسبة إليهم رقمًا رمزيًا لا يخفف أعباء العمل اليومية.

 

كذلك لم تبدأ التحركات الحالية من فراغ، إذ سبق أن نظم العاملون احتجاجات في سبعة مواقع خلال يوليو، بعد امتناع محصلين وقارئي عدادات في عدة فروع عن التحصيل خلال يونيو للمطالبة بالتثبيت وضم العلاوات.

 

وبحسب الوقائع المنشورة، توسعت الاحتجاجات لاحقًا إلى نحو 30 موقعًا بين شبكات وفروع ومقرات، ما يعكس اتساع دائرة المطالب وعدم اقتصارها على محطة واحدة أو مجموعة صغيرة من العاملين داخل القاهرة.

 

وفي المقابل، أعلنت الشركة القابضة خلال يونيو تشكيل لجنة لدراسة الجوانب القانونية والإدارية والمالية لملف العلاوات، لكن العمال عادوا للاحتجاج بعد أشهر مع تأكيدهم أن الأزمة لم تُحسم وأن المستحقات بقيت معلقة.

 

ومن جانبها، قالت إدارة الشركة في ردها على طلبات إحاطة إن تكلفة ضم العلاوات وحدها تتجاوز 4.5 مليار جنيه وإن قدراتها المالية الحالية لا تتحملها، وهو تفسير لم ينهِ الخلاف مع العاملين.

 

وفي يوليو، التقت إدارة الشركة بالمحتجين ووعدت بصرف علاوتين وتقسيط باقي العلاوات على ثلاث سنوات، وفق إفادات عمالية، لكن العاملين قالوا في سبتمبر إنهم لم يلمسوا خطوة تنفيذية تحسم الملف حتى ذلك الوقت.

 

وفي سياق أوسع، يرى الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني أن تراجع الأجور وهشاشة العقود وغياب الاستقرار الوظيفي أصبحت عناصر مترابطة في الأزمات العمالية، وليست وقائع منفصلة تظهر داخل كل منشأة بمعزل عن غيرها.

 

ولهذا تبدو أزمة مياه القاهرة جزءًا من هذا النمط الأوسع، لأن العامل لا يواجه مطلب علاوة منفردًا، بل يواجه في الوقت نفسه أجرًا متآكلًا وبدلات محدودة وعقدًا غير مستقر بالنسبة إلى قطاعات من زملائه.

 

 

أجور محصلين وبدلات متآكلة

 

وفي صفوف المحصلين، تتراوح الدخول التي يذكرها العمال بين خمسة وستة آلاف جنيه شهريًا، مع حرمان فئات منهم من مزايا مثل الأرباح السنوية، وهو ما يزيد الفجوة بين طبيعة العمل الميداني والعائد المالي المتاح.

 

كما ترتبط المكافآت لديهم بمستهدفات تحصيل تصل إلى 90%، وهي نسبة يقول العاملون إنها تجعل الوصول إلى حوافز مجزية أمرًا بالغ الصعوبة، خصوصًا عندما تتأثر نسب السداد بعوامل لا يملك المحصل السيطرة عليها.

 

وفوق ذلك، جاء منشور إداري سابق بزيادة حوافز تحصيل مؤقتة وإعفاء المحصلين من بصمة الانصراف واحتساب مدفوعات فوري ضمن المستهدف، لكن العمال اعتبروا تلك الإجراءات أقل من مطالبهم الرئيسية المتعلقة بالعلاوات والتثبيت.

 

ومن ثم بقيت المشكلة في نظر المحتجين مرتبطة بهيكل الأجر نفسه، لأن أي حافز مؤقت لا يعالج أثر علاوات غير مضمومة منذ 2016، ولا يمنح العامل وضوحًا بشأن دخله الثابت وحقوقه عند التقاعد.

 

وفي هذا الإطار، قال كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، إن مستويات الأجور الحالية لا تكفي احتياجات الأسر، وربط عدالة الأجر بضرورة مراعاة التضخم وتكاليف المعيشة والقوة الشرائية.

 

كما أشار عباس في حديث آخر عن العمالة المؤقتة إلى أن استمرار عقود هشة لسنوات يحرم العاملين من حقوق أساسية ويضعهم في حالة دائمة من عدم اليقين، حتى عندما يؤدون أعمالًا مستمرة داخل جهات ثابتة.

 

وبالنسبة لعمال مياه القاهرة، تتضاعف حدة الصورة لأن الحديث لا يدور عن مرفق هامشي، بل عن شبكة خدمية تعمل يوميًا لتأمين المياه والصرف لملايين السكان، بينما يطالب بعض من يشغلونها باستقرار وظيفي ومالي أساسي.

 

وفي الوقت نفسه، أدى تجميد العلاوات وفق رواية العمال إلى تقارب أجور أصحاب الخبرة الطويلة مع معينين أحدث بعد تطبيق زيادات عامة، وهو ما أثار اعتراضات بشأن التدرج الوظيفي وقيمة سنوات الخدمة داخل الشركة.

 

كما أعاد المحتجون طرح تسوية مرحلية تقضي بصرف علاوتين سنويًا، إحداهما قديمة وأخرى جديدة، باعتبارها محاولة لتوزيع التكلفة عبر عدة سنوات بدل إبقاء الملف كله مجمدًا دون جدول زمني متفق عليه.

 

وبذلك لم يعد الخلاف محصورًا في رقم إضافي بمفردات المرتب، بل أصبح مرتبطًا بثقة العاملين في الوعود الإدارية، خصوصًا بعد تكرار الاحتجاجات واللجان والوعود دون وصول الملف إلى نهاية مستقرة حتى الآن.

 

 

عقود مؤقتة وأمان وظيفي هش

 

أما ملف التثبيت، فيشمل محصلين وعاملين بعقود مؤقتة أو يومية يقولون إنهم أمضوا سنوات في تشغيل محطات وفروع حيوية، من دون حصول بعضهم على المزايا نفسها التي يحصل عليها العاملون المثبتون.

 

وفي المقابل، لا يتعلق مطلبهم فقط بمسمى وظيفي دائم، بل بالتأمين الصحي والاجتماعي والأرباح والاستقرار في الدخل، وهي عناصر يربطها العمال مباشرة بقدرتهم على التخطيط لحياة أسرية ومواجهة أي مرض أو توقف مفاجئ.

 

كما أن استمرار الاعتماد على عمالة مؤقتة في أعمال تتكرر يوميًا يفتح سؤالًا حول طبيعة الاحتياج نفسه، فإذا كانت الوظائف لازمة بصورة مستمرة، فإن بقاء شاغليها لسنوات في وضع مؤقت يصبح مصدرًا دائمًا للنزاع.

 

وفي هذا السياق، يوضح أشرف الشربيني، المحامي بالنقض ومدير المكتب القانوني لدار الخدمات النقابية والعمالية، أن العقود المؤقتة تضعف الأمان الوظيفي عندما تُستخدم لتغطية أعمال دائمة من دون ضمانات عادلة للأجر والاستمرار.

 

ومن ثم تتقاطع ملاحظته مع مطالب المحصلين والعاملين بنظام اليومية، لأن سنوات العمل الفعلية لا تتحول تلقائيًا إلى استقرار، بينما يظل العامل معرضًا لفقد مزايا أساسية رغم اعتياد المنشأة على وجوده وأدائه.

 

وفي النهاية، تضع الاحتجاجات المتجددة إدارة الشركة أمام أزمة متواصلة، فالعلاوات المتأخرة وبدل الوجبة والتثبيت ومستهدفات التحصيل أصبحت ملفات متداخلة تدفع العاملين إلى العودة للاحتجاج كلما طال انتظار تسوية واضحة وقابلة للتنفيذ.