يثير الحديث عن عيسى ابن مريم عليه السلام وأسماء أتباعه جملة من الأسئلة المرتبطة باللغة والعقيدة والتاريخ، تبدأ من معنى لقب «المسيح»، وسبب تسمية أتباعه بـ«النصارى»، وتمتد إلى ظهور مصطلح «المسيحيين» ومدى اختلاف دلالته عن المصطلح القرآني الذي أطلق على المنتسبين إلى ديانة عيسى عليه السلام.

 

ويضع القرآن الكريم أساسًا واضحًا لهذه القضية، فيسمي عيسى عليه السلام «المسيح عيسى ابن مريم»، كما يستخدم لفظ «النصارى» عند الحديث عن أتباع هذه الديانة، بينما تتعدد التفسيرات اللغوية والتاريخية لأصل التسمية، سواء بربطها بالنصرة أو بمدينة الناصرة، كما تتعدد الأقوال في سبب تلقيب عيسى عليه السلام بالمسيح.

 

 

النصارى في اللغة والقرآن والسنة

 

النصارى جمع نصران ونصرانة، غير أن الاستعمال العربي الأشهر جرى على «نصراني» و«نصرانية» بياء النسبة، وأصبح اللفظ دالًا على أتباع عيسى ابن مريم عليه السلام، فيما أطلق اسم «النصرانية» على الديانة المنسوبة إليه.

 

ويصف الإمام الشهرستاني النصارى بأنهم أمة عيسى ابن مريم عليه السلام، رسول الله وكلمته، والمبعوث بعد موسى عليه السلام، وهو تعريف يربط التسمية أساسًا بالانتساب إلى رسالة عيسى ودعوته.

 

وتعددت الأقوال في سبب تسمية أتباع عيسى عليه السلام بالنصارى، فقيل إن الاسم يعود إلى مدينة الناصرة في منطقة الجليل التي ارتبطت بنشأة عيسى عليه السلام ودعوته، ومن هذه النسبة جاء وصف «يسوع الناصري».

 

وقيل أيضًا إنهم سموا نصارى من «النصرة»، أي لأنهم نصروا عيسى عليه السلام وآزروه، أو لأن بعضهم كان ينصر بعضًا، وهو تفسير ارتبط بقصة الحواريين واستجابتهم لدعوة عيسى عليه السلام.

 

ويشير هذا المعنى إلى قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: 14].

 

والحواريون هم الصفوة من أتباع عيسى عليه السلام الذين استجابوا لدعوته، وقد اشتهر أنهم كانوا اثني عشر رجلًا حملوا دعوته ووقفوا معه.

 

أما التعريف الاصطلاحي للنصارى فيطلق على المنتسبين إلى ديانة عيسى ابن مريم عليه السلام، سواء كان المنتسب متمسكًا بتعاليم دينه أو مفرطًا فيها.

 

وقد ورد لفظ «النصارى» صراحة في القرآن الكريم، ومن ذلك قول الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62].

 

كما وردت النسبة إلى النصرانية في السنة النبوية، فقال النبي ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، رقم 1385.

 

فلفظ «ينصرانه» مشتق من النصرانية، بما يؤكد رسوخ هذه التسمية في الاستعمال الإسلامي عند الحديث عن أتباع هذه الديانة.

 

 

المسيحية تسمية ارتبطت بالمسيح

 

يطلق أتباع الديانة المسيحية على أنفسهم اسم «المسيحيين» نسبة إلى المسيح عليه السلام، بينما يسمون ديانتهم «المسيحية»، وهي تسمية تقوم من الناحية اللغوية على الانتساب المباشر إلى لقب المسيح.

 

ولم يرد لفظ «المسيحية» بوصفه اسمًا للديانة في القرآن الكريم أو السنة النبوية، وإنما جاء التعبير القرآني باستخدام لفظ «النصارى» عند الحديث عن أتباع عيسى عليه السلام.

 

أما تاريخيًا، فتذكر أقوال متعددة أن إطلاق تسمية المسيحيين ظهر في وقت مبكر بعد عيسى عليه السلام، ويربط أحد الأقوال ذلك بمدينة أنطاكية في القرن الأول الميلادي، بينما تذكر أقوال أخرى مراحل تاريخية لاحقة لانتشار المصطلح.

 

ومن هنا يظهر اختلاف بين الاستعمال الديني الإسلامي والاستعمال الذي أصبح شائعًا بين أتباع الكنائس، فالخطاب القرآني يستخدم «النصارى»، بينما أصبحت كلمة «المسيحيين» التسمية الأكثر استخدامًا لدى أتباع الديانة أنفسهم في العصر الحديث.

 

ولا يغير اختلاف الاسم من حقيقة أن البحث في أصل المصطلحين ينبغي أن يميز بين الدلالة اللغوية والتطور التاريخي من جهة، وبين الاستعمال القرآني والعقدي من جهة أخرى.

 

 

لماذا لقب عيسى بالمسيح؟

 

أخبر القرآن الكريم أن لقب «المسيح» ارتبط بعيسى ابن مريم عليه السلام قبل ولادته، إذ جاءت البشرى إلى مريم عليها السلام باسمه ولقبه وصفاته.

 

قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ۝ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 45-46].

 

فالقرآن يقرر أن اسمه عيسى، وأن من ألقابه «المسيح»، وينسبه إلى أمه مريم عليها السلام، وهو التعبير القرآني المتكرر في الحديث عنه.

 

واسم «عيسى» اسم علم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، بينما يستخدم المسيحيون اسم «يسوع»، ويُفسر في تراثهم بمعنى «المخلص».

 

أما لقب «المسيح» فقد ورد في القرآن الكريم مرات عديدة، واختلف علماء اللغة والتفسير في تحديد السبب المباشر وراء هذه التسمية، وإن كانت معظم الأقوال تعود إلى أصل لغوي واحد هو «المسح».

 

ويرى الراغب الأصفهاني أن المسح يعني إمرار اليد على الشيء وإزالة الأثر عنه، ومن هذا الأصل ظهرت مجموعة من التفسيرات التي حاولت بيان مناسبة إطلاق لقب المسيح على عيسى ابن مريم عليه السلام.

 

 

معاني المسح وتعدد الأقوال

 

ذهب فريق من العلماء إلى أن «المسيح» يمكن أن يكون بمعنى «الماسح»، أي اسم فاعل، وفسروا ذلك بأن عيسى عليه السلام كان يمسح الأرض، أي يسير فيها وينتقل من مكان إلى آخر للدعوة إلى الله.

 

وقيل كذلك إن تسميته بالمسيح جاءت لأنه كان يمسح بيده على أصحاب الأمراض والعاهات فيبرؤون بإذن الله تعالى، وهو تفسير آخر يقوم على اعتبار «المسيح» اسم فاعل من الفعل مسح.

 

وفي اتجاه آخر قيل إن «المسيح» بمعنى «الممسوح»، أي اسم مفعول، وإن الله تعالى مسحه بالبركة وطهره من الأخلاق المذمومة، فكان مباركًا مطهرًا.

 

وذكر بعض أهل اللغة أن من دلالات اللفظ أيضًا الجمال وحسن الهيئة، ومن ذلك التعبير العربي «مسحة من جمال».

 

وقد جاء في الحديث عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه: «كأن فيه مَسْحَةٌ من مَلَك». أخرجه أحمد، رقم 19180.

 

كما ذكر بعض العلماء ضمن المعاني اللغوية للمسيح أن يكون ممسوح أخمص القدم، أي إن باطن القدم لا يظهر فيه التقعر المعتاد، وهي من الأقوال التي أوردها أهل اللغة في تفسير أصل الكلمة.

 

وعلى هذا تتعدد الأقوال حول اللقب بين كونه من المسح باليد، أو المسح في الأرض بالسير، أو كونه ممسوحًا بالبركة، أو ارتباط الكلمة بمعاني الحسن والجمال.

 

أما في العقيدة المسيحية، فيرتبط لقب «المسيح» بمفهوم «الممسوح» أو المكرس لمهمة دينية، وهو معنى له جذوره في الاستعمال الديني القديم لفكرة المسح والتكريس.

 

وفي التصور الإسلامي يبقى عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله والمسيح ابن مريم، وقد نسبه القرآن إلى أمه تأكيدًا لحقيقة ميلاده المعجز من غير أب، مع نفي ما ينسب إلى الله تعالى من الولد.

 

 

المسيحي والنصراني بين التسمية والعقيدة

 

دار نقاش طويل بين الباحثين حول العلاقة بين كلمتي «النصراني» و«المسيحي»، وهل هما اسمان لأصحاب ديانة واحدة، أم أن لكل منهما دلالة تاريخية أو عقدية مختلفة.

 

ويرى اتجاه أن لفظ «النصارى» يرتبط أصلًا بمن نصروا عيسى عليه السلام واتبعوا دعوته، ويستشهدون مرة أخرى بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ [الصف: 14].

 

ويستند هذا الاتجاه إلى أن الحواريين كانوا أنصار عيسى عليه السلام، وبالتالي ربط أصحاب هذا القول بين «الأنصار» و«النصارى».

 

أما الاتجاه الآخر فيرى أن «المسيحي» هو الانتساب اللغوي المباشر إلى المسيح، وهو الاسم الذي يفضله اليوم معظم أتباع الكنائس عند تعريف أنفسهم وديانتهم.

 

وذهب بعض الكتاب المسيحيين إلى التمييز تاريخيًا بين «النصارى» وبعض الجماعات القديمة المنسوبة إلى البيئة اليهودية التي آمنت بعيسى، وبين «المسيحيين» الذين تطورت عقائد الكنائس المعروفة لديهم لاحقًا، غير أن هذا الاستخدام الاصطلاحي لا يغير استعمال القرآن للفظ «النصارى».

 

فالقرآن تحدث عن الحواريين باعتبارهم أنصار عيسى عليه السلام، فقال تعالى: ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: 14].

 

كما تحدث القرآن عن جماعة من النصارى رقّت قلوبهم للحق عندما سمعوا الوحي، فقال سبحانه: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ۝ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 82-83].

 

وبذلك تظل «النصارى» هي التسمية التي استخدمها القرآن الكريم، بينما «المسيحيون» تسمية تقوم على الانتساب إلى المسيح وأصبحت الاسم الذي يستخدمه أتباع الديانة على نطاق واسع.

 

أما من المنظور الإسلامي، فإن الأصل الذي ينطلق منه المسلم في معرفة عيسى ابن مريم عليه السلام هو ما جاء به القرآن الكريم والسنة الصحيحة: نبي كريم ورسول من أولي العزم، ولد بمعجزة من غير أب، وأيده الله بالآيات، وبشرت الملائكة أمه به، وسماه القرآن «المسيح عيسى ابن مريم»، وجعل الإيمان به وبنبوته جزءًا من عقيدة المسلم.

 

......................................

المصادر والمراجع:

1.   عبد المعطي، محمد علي. مظاهر الوثنية في عقائد أهل الكتاب، مكتبة عباد الرحمن، ط1، 1431هـ، 2010م، القاهرة.

2.   الرومي، سليمان بن عبد الله بن صالح. دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية، مكتبة الرشد ـ ناشرون، الرياض، ط1، 1428هـ  2007م.

3.   الخالدي، صلاح. مواقف الأنبياء من القرآن، دار القلم، دمشق، ط1، 2010م.

4.   الأصفهاني، الراغب. المفردات في غريب القرآن، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دار القلم، دمشق /الدار الشامية، بيروت، ط1، 1412هـ.

5.   عبدالملك، بطرس ورفيقاه. قاموس الكتاب المقدس، القاهرة: دار الثقافة، ط10، 1995م.

6.   عادل، نور الدين. مجادلة أهل الكتاب في القرآن الكريم والسنة النبوية، مكتبة الرشد، الرياض، ط1، 2007م.