قفز سعر طن دقيق «الزيرو» من نحو 16 ألف جنيه في أغسطس إلى قرابة 21 ألفًا خلال سبتمبر 2026، بفارق يقارب 5 آلاف جنيه في شهرين، بينما بدأت المخابز المطالبة برفع أسعار الخبز.
وتوالت الزيادات على 8 دفعات متفاوتة بين المطاحن وأنواع الدقيق، فاختلطت أرقام قرارات التسعير بأسعار البيع النهائية، لكن النتيجة وصلت واضحة إلى المخابز: تكلفة أعلى وضغط متصاعد لنقلها إلى الأسر.
المطاحن تغير الأسعار والمخابز تدفع
ففي بداية أغسطس، أعلنت مطاحن رفع أسعار الدقيق بنسب متفاوتة؛ بلغت الزيادة بين 750 و800 جنيه للطن لدى شركتين، و600 جنيه لدى مطحن آخر، وبين 250 و500 جنيه لدى مطاحن أخرى.
ولم تكن تلك القيم زيادات متتالية للصنف نفسه، بل قرارات تخص شركات ومنتجات مختلفة؛ غير أن اختلافها لم يخفف أثرها على المخابز التي تشتري احتياجاتها بالسعر الجديد.
وبعد أسابيع، تحدث خالد فكري، ممثل شعبة المخابز بغرفة القاهرة التجارية، عن انتقال سعر طن دقيق «الزيرو» من نحو 16 ألف جنيه في أغسطس إلى قرابة 21 ألفًا في سبتمبر.
ويعني ذلك فارقًا يقارب 5 آلاف جنيه للطن، أو نحو 31% بين السعرين المعلنين، من دون أن يعني وقوع زيادة واحدة بهذه القيمة أو تطابق أسعار جميع أنواع الدقيق.
وكان فكري قد اعترض على تحريك أسعار الدقيق قبل شراء المطاحن شحنات قمح بالأسعار الأعلى، واضعًا توقيت التسعير نفسه تحت السؤال، لا قيمة الزيادة المعلنة وحدها.
وهنا تظهر فجوة تحتاج إلى إجابة علنية: كم دفعت المطاحن في القمح الذي أنتجت منه الدقيق المباع خلال كل مرحلة، وكم أضافت فعلًا تكاليف الطحن والنقل والشحن؟.
فإذا كان جزء من الإنتاج يعتمد على مخزون اشتُري بسعر أقل، فإن رفع ثمنه فورًا على أساس تكلفة مستقبلية يمنح المطاحن هامشًا إضافيًا ويدفع المخابز إلى طلب تعويضه.
وفي جميع الأحوال، لا يستطيع صاحب المخبز تأجيل شراء الدقيق حتى تستقر السوق؛ فالإنتاج يومي، وكل قائمة أسعار جديدة تدخل مباشرة في حساب تكلفة الأرغفة التي يبيعها.
قفزات سبتمبر ترفع فاتورة الطن
ثم جاءت قرارات سبتمبر لتزيد الاضطراب؛ ففي 12 منه أُعلنت زيادة قدرها 1000 جنيه للطن لبعض أنواع دقيق المخبوزات والسميد، مع اختلاف المنتجات المشمولة بها من مطحن إلى آخر.
وفي 13 سبتمبر، أعلنت مطاحن زيادات أخرى بلغت 500 جنيه للطن لأصناف منها الدقيق السياحي والحبة الكاملة، بينما واجه المشترون قوائم أسعار تتغير بحسب الشركة ونوعية المنتج.
وبحلول 20 سبتمبر، أشار فكري إلى زيادة إضافية قدرها 250 جنيهًا للطن، في وقت كانت فيه المخابز تبحث أثر القفزات السابقة على تكلفة الخبز السياحي والفينو.
لكن جمع زيادات شركات مختلفة للوصول إلى رقم واحد سيكون مضللًا؛ فالمؤشر الأوضح هو مقارنة سعر دقيق «الزيرو» المعلن في أغسطس بسعره في سبتمبر، وفارقها يقارب 5 آلاف جنيه.
ومن جانبه، تناول الخبير الاقتصادي ممدوح الولي في تحليل سابق أثر الاعتماد على واردات القمح في انتقال اضطرابات الأسعار العالمية والشحن إلى الدقيق والمخبوزات داخل مصر.
وتزداد خطورة هذا الاعتماد عندما تصبح صدمة الاستيراد فاتورة محلية فورية، بينما لا يحصل مشتري الخبز على بيان يوضح نصيب القمح والشحن والطحن من كل زيادة جديدة.
وفي سبتمبر، تحدث مستوردون عن ارتفاع سعر طن القمح المستورد من نحو 270 إلى 320 دولارًا، بالتزامن مع اضطراب الملاحة والشحن عبر البحر الأسود.
غير أن ارتفاع تكلفة الاستيراد لا يمنح أي مطحن حق إضافة زيادة لا تسندها فواتيره؛ فالسعر العالمي يفسر الضغط على السوق، لكنه لا يحدد وحده السعر العادل لكل طن دقيق.
ولذلك تصبح معرفة حجم المخزون وسعر شرائه وتاريخ طحنه مسألة تمس ثمن الخبز مباشرة، بعدما تحولت أسعار المواد الخام إلى مبرر متكرر لتعديل القوائم المحلية.
الرغيف ينتظر ثمن الزيادات الجديدة
ومع بلوغ طن الدقيق نحو 21 ألف جنيه، طالبت شعبة المخابز برفع سعر الرغيف السياحي وزن 80 جرامًا من جنيهين إلى 2.25 جنيه، أي بزيادة 25 قرشًا للرغيف.
وفي المقابل، ظل السعر المحدد لهذا الوزن جنيهين وقت طرح المطالبة، بينما قالت الشعبة إنها تنتظر قرار وزارة التموين بشأن أسعار بعض أوزان الخبز السياحي والفينو.
وهكذا تقف الأسر أمام احتمالين يضغطان على ميزانيتها: ارتفاع السعر المعلن، أو تقليل وزن الرغيف إذا لم تُضبط المخابز وتُفحص المنتجات المعروضة للبيع.
وقد حذر الخبير الاقتصادي أحمد السيد النجار، في طرح سابق عن أسعار الخبز، من تسعير منتج صُنع من قمح اشتُري قبل موجة الغلاء كما لو أُنتج من شحنات أغلى.
وتعيد الزيادات الحالية هذه المسألة إلى الواجهة؛ فلا يكفي إعلان أن سعر القمح المستورد ارتفع، ما لم تُعرف تكلفة القمح الذي دخل المطحن فعلًا قبل تعديل سعر الدقيق.
وفوق ذلك، يضاعف بدء الدراسة أثر أي زيادة في الفينو، لأن شراءه يتكرر صباحًا لدى أسر كثيرة؛ وما يبدو مبلغًا صغيرًا في الرغيف يتحول إلى عبء شهري متراكم.
أما الخبز المدعم، فتخضع منظومته لتسعير مختلف عن دقيق «الزيرو» التجاري؛ غير أن ثبات سعره لا يلغي أثر ارتفاع أسعار الفينو والخبز السياحي وسائر المخبوزات.
ومن ثم، تحتاج السوق إلى إعلان واضح لأسعار الدقيق حسب النوع والمطحن، مع رقابة على أوزان الخبز، حتى لا تنتقل زيادة التكلفة ومعها زيادات غير مبررة إلى الأسر.
وفي النهاية، يبقى الرقم الأشد وقعًا هو فارق 5 آلاف جنيه للطن بين أغسطس وسبتمبر. ومع غياب تفصيل معلن لكل تغيير في سعر الصنف نفسه، تظل فاتورة الغلاء أوضح من حساباتها.

