دخل ملف الدعم العسكري المصري المحتمل للسعودية مرحلة أوضح بعد طلب الرياض من مصر وفرنسا وبريطانيا وباكستان دعمًا للدفاع الجوي لمواجهة الصواريخ والمسيّرات الحوثية، مع ترحيب مصري مقابل أموال قدرت بـ 10 مليارات دولار والتنازل عن الودائع السعودية البالغة اكثر من 5 مليارات دولار أو تأجيلها.

 

وفي الوقت نفسه، تصاعدت الضغوط على السعودية بعد اعتراض صاروخ باليستي باتجاه الرياض واستمرار هجمات بالصواريخ والمسيّرات، بالتوازي مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني للبحر الأحمر واقتراب القتال من الممرات المرتبطة بباب المندب.

 

 

طلب سعودي يتجه للدفاع الجوي

 

وبحسب المعلومات المتاحة، جاء الطلب السعودي في صورة مساعدة دفاعية لتعزيز اعتراض الصواريخ والمسيّرات، ولم يتضمن إعلانًا رسميًا عن مطالبة مصر بالمشاركة في هجمات جوية داخل اليمن أو إرسال قوات برية إلى الجبهات.

 

ومن ناحية أخرى، ارتبط التحرك السعودي بتقارير عن تراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية لدى المملكة، بالتزامن مع ضغوط على المخزون الأميركي، ما دفع الرياض إلى توسيع دائرة الدول التي تطلب منها إسنادًا دفاعيًا.

 

وفي السياق نفسه، أعلنت القاهرة في 15 سبتمبر تضامنها الكامل مع السعودية ورفضها الهجمات على أراضيها، مؤكدة ترابط أمن البلدين، لكنها لم تربط هذا الموقف السياسي بقرار محدد لنشر وحدات عسكرية مصرية خارج الحدود.

 

كما ركزت مباحثات القاهرة والرياض في اليوم نفسه على أمن البحر الأحمر وباب المندب وحرية الملاحة، وهي ملفات تمس المصالح المصرية مباشرة بسبب ارتباط حركة السفن في الممر الجنوبي بقناة السويس والتجارة الإقليمية.

 

وبالتوازي، أكد قائد قوات حرس الحدود المصرية وجود تنسيق مستمر مع الجانب السعودي يشمل تبادل المعلومات واجتماعات دورية وتأمين خليج العقبة والامتداد الجنوبي للبحر الأحمر، وهو تعاون معلن قبل حسم طلب الدفاع الجوي.

 

ومع ذلك، يظل هذا التنسيق مختلفًا عن إرسال بطاريات دفاع جوي أو أطقم تشغيل أو طائرات مقاتلة، لأن أي انتقال إلى نشر قدرات قتالية سيرفع مستوى المشاركة من التعاون الحدودي إلى انخراط عسكري مباشر.

 

وفي المقابل، تحولت الاستجابة البريطانية إلى خطوة عملية في 22 سبتمبر مع إعلان إرسال طائرة للتزود بالوقود جوًا لدعم العمليات الدفاعية السعودية، بينما أبدت فرنسا استعدادًا للمساهمة في حماية منشآت الطاقة ضمن إطار دفاعي معلن.

 

 

خيارات القاهرة بين الدفاع والقتال

 

وعسكريًا، تستطيع القاهرة نظريًا تقديم مستويات متفاوتة من المساندة، تبدأ بتبادل الإنذار المبكر والمعلومات، ثم التدريب والدعم الفني، وقد تصل إلى نشر وسائل دفاع جوي أو عناصر متخصصة، لكن أيًا من هذه الصيغ لم يُعلن رسميًا.

 

ومن زاوية العمليات، فإن نشر منظومات دفاع جوي داخل السعودية لن يقتصر على المعدات وحدها غالبًا، بل يحتاج إلى أطقم تشغيل وصيانة واتصال ودمج مع شبكات الرصد والقيادة، ما يجعل طبيعة المهمة عاملًا حاسمًا.

 

وفي ما يتعلق بالطيران، تداول محللون احتمال بحث إرسال مفرزة جوية مصرية أو تقديم خبرات تشغيلية، لكن الطرح بقي في نطاق التحليل، ولم يصدر حتى الآن بيان عسكري مصري يثبت تجهيز مقاتلات أو أطقم للانتشار.

 

ومن الناحية الدستورية، تنص المادة 152 على عدم إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء، إذا تحولت المهمة إلى قتال خارجي.

 

وبالتالي، فإن توصيف أي انتشار محتمل سيكون مهمًا قانونيًا وسياسيًا، لأن مهمة دفاعية لحماية منشآت داخل السعودية تختلف عن المشاركة المباشرة في ضرب أهداف داخل اليمن، رغم إمكان تعقد الحدود العملية أثناء التصعيد.

 

ومن جهة المصالح المصرية، يحمل باب المندب أهمية تتجاوز العلاقة مع الرياض، لأن تعطيل الملاحة في البحر الأحمر يضغط على حركة قناة السويس وتدفقات النقد الأجنبي، ما يمنح القاهرة دافعًا مستقلًا لتعزيز أمن الممر البحري.

 

 

ما الذي تغير حتى الآن

 

وحتى الآن، يتمثل التطور الأهم في انتقال الملف من تضامن سياسي عام إلى طلب سعودي محدد يتعلق بالدفاع الجوي، بالتزامن مع تعاون أمني بحري معلن، لكن مرحلة نشر قوات أو منظومات مصرية لم تبدأ رسميًا.

 

وبالمقارنة، أعلنت بريطانيا طبيعة مساهمتها وأداة التنفيذ بصورة واضحة، كما أعلنت فرنسا استعدادها لحماية منشآت الطاقة، بينما لم تصدر القاهرة حتى 23 سبتمبر بيانًا مماثلًا يحدد نوع الدعم العسكري أو مكانه أو مدته.

 

وفي الجانب الاقتصادي، تزامنت التطورات مع حديث عن اتفاق مبدئي لضخ استثمارات سعودية تتجاوز 10 مليارات دولار وتجديد وديعة بقيمة 5.3 مليارات دولار لدى البنك المركزي، وهي ملفات نوقشت بعد زيارة محمد بن سلمان للقاهرة.

 

لكن في المقابل، لا توجد وثيقة أو تصريحات رسمية تثبت أن الاستثمارات أو تجديد الوديعة يمثلان مقابلًا لدعم عسكري مصري، ولذلك يبقى الربط بين المسارين المالي والعسكري استنتاجًا سياسيًا لا يمكن عرضه كاتفاق مثبت.

 

ومن الناحية العملية، إذا اقتصر الدور المصري على الدفاع داخل الأراضي السعودية، فقد يتركز على الإنذار المبكر أو الرصد أو التدريب أو تشغيل منظومات اعتراض، وهي مهام تختلف في مخاطرها عن شن غارات داخل اليمن.

 

أما إذا تطور الأمر إلى مشاركة في ضرب مواقع إطلاق الصواريخ والمسيّرات داخل اليمن، فسيكون ذلك تحولًا نوعيًا في الدور المصري، وسيحتاج إلى ترتيبات عسكرية وسياسية وقانونية أكثر وضوحًا من صيغة التنسيق الحالية.

 

ولهذا، تصبح المؤشرات الحاسمة خلال الأيام المقبلة هي صدور بيان رسمي مصري، أو تحرك برلماني مرتبط بمهمة خارجية، أو إعلان وصول معدات وأطقم عسكرية، أو ظهور صيغة عمليات مشتركة تتجاوز التنسيق الحدودي المعتاد.

 

وفي المحصلة، يؤكد المتاح حتى الآن وجود طلب سعودي للدعم الدفاعي وتنسيق مصري سعودي متقدم في البحر الأحمر، والكواليس تثبت  أن مصر قررت دخول الحرب ضد الحوثيين أو إرسال قوات قتالية إلى السعودية.