جمال محمد إبراهيم
كاتب سوداني وسفير سابق
من الغريب أن ينشغل السودانيون، نخبهم المستنيرون وسواهم من عفويين، في ما حسبوه معضلة، كمثل معضلة البيضة والدجاجة التي حار حولها الإنسان قبل آلاف السنين. ها هُـم السُّودانيون يغرقون في سجال حول أيهما يسبق الآخر: تحقيق نعماء السلام أم إيقاف ويلات الحرب؟
يطول السّجال حول السؤال، وكأنّه هو المفتاح السحري، إن لم نمسك به لن تنفتح البوابة لإجابة ناجزة. أو ربما صار لا مناص من أن يدفع السُّودانيون أثمان تلك الإجابة، خلال حرب طاحنة، ظلّتْ تدور نحو أربعة أعوام طوال. لقد كتب على السودانيين القتل والخراب، وبشر منهم يُحصون بالملايين كُتبَ عليهم التشرّد داخل بلادهم، والنّزوح القاسي خارجها، إلى بلدان عربية وأفريقية أخرى، لكأنَّ التصاهر التاريخي العميق الذي تخلَّقَ بين مكونات هويتهم قدّرَ له أن يتحلّل إلى عناصره الأولى، تشتتًا وتفكّكًا.
(2)
أثار هذا الجدال المجاني ما تشهده السَّاحة من طرحٍ لمبادرة للحوار السوداني - السوداني، التبستْ بداياتها، إنْ كانت محض مقترحٍ من سودانيين مستنيرين ومستقلين، أم أنّ لها صلة بسُلطة الأمر الواقع القائمة في الخرطوم، ويقودها الجنرال عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش الرسمي للدولة الذي يقاتل مليشيا الدعم السريع المتمرّدة التي استقوتْ عليه، للأعوام الأربعة المنصرمة.
لم يكتفِ البرهان بالترحيب بلجنة تهيئة الحوار، بل تعهّد بدعم المبادرة معنويًا وماديًا. ذلك ما أثار الرَّيب حول من وراء ذلك الحوار المقترح. ليس هناك تعريف واضح للمشاركين فيه، ولا توصيف محدَّد لأهدافه ومآلاته ومراميه. ثمَّة من يستفسر إن كان الحوار هو لوقف الحرب، أم هو لرسم خريطة طريق، تحلّ معضلة البلاد من جذورها. ثم سؤال الأولوية لأيٍّ مِن المسارين تكون؟
(3)
وحتّى تبقى الإجابة مؤجلة على تلك الأسئلة المحورية، تثير أصوات وأقلام جدالًا محتدمًا حول المبادرة إنْ كانت، في الأصل، لحوارٍ مقترح، أمْ هي لتهيئة الحوار وترتيبه؟ بدا الأمر ملتبسًا، فالتوضيح الصادر عن قيادات حكومة الأمر الواقع أن اللجنة التي أعلنت بنفسها أنّ مهمتها محض جهد لوجيستي، لترتيب الحوار وتهيئته، وليس مناطًا بها إدارة الحـوار نفسه.
وليزداد الأمر لبسًا، رأى كثيرون أنّ ترحيب البرهان نفسه باللجنة التي قالت عن نفسها إنها مستقلة يشكِّل نوعًا خفيًا من الوصاية عليها، بما يوحي أنَّ ذلك الحوار (وليس ترتيبه أو تهيئته فحسب) سينتهي ليكون نوعًا من "المونولوغ" الذي سيجيّره الجنرال ومناصروه، لتعزيز قبضته العسكرية، فينشئ نسخة من نظام عمر البشير البائد، ولكن منقَّحـة بشعاراتٍ برَّاقة لحُكم مدني في نهاية الأمر، لا يعرف أحدٌ متى يتحقّق. في نظر معارضة خارجية يقودها رئيس الوزراء السابق، عبدالله حمدوك، من يناصرون الجنرال ليسوا سوى عناصر من الإسلاميين القدامى الذين أسقطتهم انتفاضة شعبية في ديسمبر 2018، فهم ما زالوا على أحلامهم طامعين لاستئناف السيطرة على البلاد ثانية، بعد أن حكموها ثلاثة عقود بالقهر والفساد، وتركوا السودان عنزًا أسود وسط المجتمع الدولي.
(4)
إن كان من منفذٍ للخروج من تعقيدات المشهد، فهو إعلان أعضاء في تلك اللجنة أنّ مهمتهم ترتيب الحوار القادم وتهيئته، أي لن تخرج عن أمور لوجستية، ليس لإجراء حوار، بل هو لتهيئة الحوار. وإلى هذا، تجنّبت تلك اللجنة المناداة بوقفِ الحرب، حتى لا يناقض هذا موقف قائد الجيش الذي ظلّ متمسكًا بمحاربة "قوات المليشيا المتمردّة" إلى آخر جندي. وعليه؛ سيناقض طرح إيقاف الحرب أولوية أجندة الجنرال.
وتبرز معضلة أخرى تجابه تلك اللجنة التي أعلنت استقلالها عن الأطراف المتصارعة، من مدنيين وعسكريين، فيما لو أن الطرح هو لتهيئة (وترتيب) حوار بين الفرقاء، مدنيين وعسكريين، فإنَّ حرب السودان في أصلها تدور بين قوتَين مسلحتَين: الجيش الرسمي والمليشيا التي تمرّدت عليه، فهل للجنة المستقلة أن تتواصل مع "المليشيا المتمردة"؟ ... حتّى إن كانت مهمة اللجنة هي تلك، فإنَّ جهد الترتيب والتهيئة يتطلب شجاعة للتواصل مع جميع الأطراف المعنية، من مدنيين وعسكريين في المشهد السوداني، وبمن فيهم من حُسبوا متمرّدين على سلطة الدولة.
إذا لم تكن ثمَّـة إجابة حاضرة، فأيِّ ترتيبٍ لحوار لن يكون ذا بالٍ، إلا أنْ يتم بعد وقف الحرب عمليًا، وعبر هدنةٍ لا يصعب إقناع المتصارعين حولها، ليبدأ بعدها الجلوس حول مائدة تفاوض لمعالجة الأزمة السودانية من جذورها. تلك هي المهمَّة التي قد تستغرق وقتًا أطول وجهدًا مضاعفًا للوصول إلى توافق حول ملفاتها المتشعِّبة. أما الحديث عن حوار أو تهيئة حوار، بعد وقف الحرب أو بعدها، فهو مضيعة سفسطائية.
سينتهي الأمر، إن كان هذا هو الحال، بمقترح الحوار أو تهيئته، إلى أن يكون في أقصى حالاته، تمرينًا للتودَّد لمعارضي الخارج، أو في أدناه تمرينًا لتفاوضٍ مع الذات، ومونولوغ أحادي الجانب في مسرحٍ للرجل الواحد، تمثله حكومة الأمر الواقع التي يقودها جيش الدولة الرّسمي وحكومة الأمر الواقع التي يتسيّدها الجنرال البرهان ومناصروه.
(5)
يبقى على أيِّ مبادرة تهـدف إلى حوار بناءٍ بين السودانيين، مدنييهم وعسكرييهم، أو حتّى لترتيبه وتهيئته، أن تتجه لتخاطب الأطراف المتصارعة، أولوية تسبق أيّ حوار أو تفاوض، بعده يجري التوافق لمعالجة معضلات الدولة السودانية، دستورها ومواثيقها وهياكلها. لن يجري هذا إلّا بعد أن تسكت البنادق والمسيّرات، فتنفتح طاولات التفاوض. الهدنة التي ستوقف الحرب سينطلق بعدها وعلى الفور الحوار المطلوب للتوافق، من دون وصاية من أي طرف على طرفٍ آخر، على نظام حكم مدني، وتحديد مهام نظام الحكم وطبيعته، ومهام الجيش الوطني وفق دستور محدّد المعالم، يجيزه الشعب. بعد هذه الترتيبات التي تخرج عن ذلك الحوار، تبدأ مرحلة إزالة آثار الحرب، وترميم الخراب وإعادة جهود إعمار البلاد. هذا المسار، وما يكتنفه من تعقيد، قد يمضي في مسيرة إصلاح معقّـد وطويل الأجل، وربما يتجاوز سنوات وعقودًا.
مصير السودان، وأهله مشرّدون، وأكثرهم جوعى، واقتصاده منهار، وعملته فقدت قيمتها، سيبقى رهين ما يتوافق حوله السودانيون بخلوص نيّاتٍ وجهود صادقة، بعيدًا عن الأهواء الشخصية، وإلغاء لمؤثرات الضغائن والأحقاد، إذ تعلو مصلحة الأوطان فوق كلّ مصلحة وتسمو على كلّ غرض.

