يواجه مئات الصيادين في بحيرة وادي الريان أزمة متصاعدة، بعدما تحدثوا عن تراجع حاد في الثروة السمكية، وانتشار أساليب صيد مخالفة، وإقامة سواتر ترابية أعاقت وصولهم الآمن إلى مناطق الصيد.
وتتسع شكاوى الصيادين من القاهرة والجيزة والفيوم وبني سويف، في ظل غياب رقابة ميدانية حاسمة، بينما يطالبون أجهزة البيئة وحماية المحمية والثروة السمكية بالتحرك العاجل، والتحقق من الاتهامات، وفتح الطريق أمام الملتزمين بالقانون.
وفي هذا السياق، لا تبدو الأزمة مجرد خلاف عابر بين صيادين ومستأجري مراكب، بل تكشف عن صراع أوسع حول من يملك حق الوصول إلى مورد طبيعي، ومن يتحمل مسؤولية حمايته، ومن يدفع ثمن الفوضى.
ويقول الصيادون إنهم اعتادوا استخدام البوصة والماكينة، سواء من الشاطئ أو عبر استئجار المراكب، مؤكدين أن البحيرة كانت خلال السنوات الماضية مصدرًا وفيرًا للأسماك، قبل أن يبدأ التراجع تدريجيًا.
غير أن هذا التراجع، بحسب روايتهم، ازداد خلال العام الحالي، فأصبح الصيد العادي أكثر كلفة وأقل عائدًا، وتحولت الرحلات التي كانت توفر دخلًا مقبولًا إلى مغامرة يومية محفوفة بالخسارة والقلق.
كما يتحدث الصيادون عن استخدام شباك ضيقة، والصيد بالكهرباء، والغطس، وأسلحة الهربون، واسطوانات الأكسجين، وهي ممارسات يقولون إنها تستهدف الأسماك الكبيرة والأمهات، وتضرب قدرة البحيرة على تجديد مخزونها الطبيعي.
وفي قراءة حقوقية، يرى أحمد العطار، من مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان، أن حماية الموارد لا يجوز أن تتحول إلى قيود انتقائية على أصحاب المهن، وأن أي سياسة حكومية يجب أن توازن بين صون البيئة وضمان الحق في العمل.
ويستند هذا الرأي إلى خبرة المؤسسة في متابعة أوضاع صيادي بحيرة البردويل، حيث تناولت تقاريرها الحق في العمل وسبل المعيشة والإجراءات المفروضة على الصيادين، وانتقدت إقصاء المجتمعات المحلية من القرارات المؤثرة في حياتها.
وبذلك، يصبح ملف وادي الريان اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام الجهات الحكومية بمبدأ المشاركة، لأن منع الصيد أو تنظيمه دون شفافية يفتح الباب أمام الاحتكار، ويترك الصياد البسيط في مواجهة أصحاب النفوذ.
استغلال البحيرة يهدد الصيادين
ويحذر أحمد العطار من أن تجاهل أصوات الصيادين يدفعهم إلى الهامش، خصوصًا عندما تُفرض إجراءات واسعة دون إعلان معايير واضحة، أو آليات تظلم معلنة، أو رقابة مستقلة تضمن عدم إساءة استخدام السلطة.
كذلك فإن حماية بحيرة وادي الريان لا تعني، من المنظور الحقوقي، إغلاق المجال أمام الصيد المشروع، بل تتطلب تحديد المناطق المسموح بها، ومواعيد الصيد، وأنواع المعدات، مع تطبيق القواعد على الجميع دون استثناء.
ويؤكد الصيادون أن خلافاتهم مع بعض العاملين في تأجير المراكب تصاعدت بعدما بدأوا مناقشة المخالفات داخل مجموعة على تطبيق واتساب، ضمت صيادين مترددين على البحيرة، وسمحت بتبادل الشهادات حول ما يرونه.
ثم يقولون إن هذه المناقشات أعقبتها ضغوط، بينها رفع أسعار تأجير المراكب ومنع بعض الصيادين من ممارسة عملهم، الأمر الذي حوّل الخلاف من نقاش مهني إلى أزمة وصول ومعيشة وكرامة.
ومن جانبه، يمكن لمحمد لطفي، المدير التنفيذي للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، أن يضع هذه الوقائع في إطار الحق في العمل، مؤكدًا أن أي منع أو تقييد يحتاج إلى سند قانوني معلن، وضرورة التناسب.
كما تبرز خبرته الحقوقية أهمية التحقيق في الشكاوى دون الاكتفاء بمحاضر شكلية، لأن ترك الصيادين أمام قرارات غير مفسرة يضعف ثقتهم في المؤسسات، ويمنح المخالفات فرصة للتمدد داخل المحمية.
ويرى هذا الطرح، المنتقد للسياسات الحكومية التي تدار بعيدًا عن أصحاب المصلحة، أن التنمية والحماية البيئية لا يمكن أن تنجحا عبر العقاب الجماعي، ولا بإجبار الصيادين على الاختيار بين مصدر رزقهم وسلامة البحيرة.
وعلى الأرض، يطالب الصيادون بمعاينة الطريق المؤدي إلى منطقة الصيد، بعدما قالوا إن سواتر ترابية ظهرت منذ نحو شهر، وأعاقت مرور السيارات، ومنعت مئات المترددين من الوصول إلى مواقع عملهم.
ويتهم الصيادون أحد زملائهم ونجليه بإقامة السواتر باستخدام لودر، لكن هذه الاتهامات تظل بحاجة إلى فحص رسمي مستقل، يحدد حقيقة الواقعة، وملكية الأرض، والجهة التي سمحت بالأعمال أو تغاضت عنها.
ولا يكفي، في هذه الحالة، إزالة السواتر مؤقتًا، لأن المطلوب هو كشف أسباب إغلاق الطريق، وتحديد المسؤوليات، ووضع مسار واضح للوصول، يمنع تكرار الواقعة ويضمن عدم استخدام الطرق العامة كورقة ضغط.
غياب الرقابة يفاقم الأزمة
وفي الجانب القانوني، يرى خالد علي، المحامي والحقوقي المصري، أن التعامل مع شكاوى الصيادين يجب أن يمر عبر تحقيق موثق، يتيح سماع أقوال المتضررين، وفحص الأدلة، ومراجعة القرارات الإدارية المرتبطة بالمحمية.
ويملك خالد علي خبرة في قضايا الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمنازعات الإدارية، ولذلك فإن قراءته تركز على ضرورة خضوع قرارات المنع والإغلاق والتراخيص لمبدأ المشروعية، وعدم تركها لتقديرات غير قابلة للمراجعة.
وبحسب هذا التصور، فإن معارضة السياسات الحكومية لا تعني رفض حماية البيئة، وإنما رفض الإدارة المنفردة للموارد، ورفض تحويل الإجراءات الاستثنائية إلى قاعدة دائمة، خصوصًا عندما تمس مصدر دخل فئات محدودة الحماية.
ويؤكد الصيادون استعداد عمرو الصياد، أحد مقدمي الاستغاثة، للحضور من القاهرة والتعاون مع الجهات المختصة، كما أعلن صيادون في الفيوم استعدادهم للإدلاء بأقوالهم وتحديد أماكن الوقائع.
وهذا الاستعداد يضع الجهات المعنية أمام مسؤولية مباشرة، إذ لم يعد الأمر مجرد منشورات أو أحاديث متداولة، بل شكوى قابلة للتحقق من خلال الانتقال الميداني، والاستماع إلى الشهود، وفحص المعدات والممرات ومواقع الصيد.
ومن ناحية أخرى، فإن استخدام الغطس واسطوانات الأكسجين والهربون، إذا ثبت، يمثل خطرًا يتجاوز مخالفة فردية، لأنه قد يستهدف الأسماك الكبيرة والأمهات، ويؤثر في التوازن البيئي وقدرة البحيرة على التعافي.
لذلك يطالب الصيادون بتكثيف الحملات داخل البحيرة، لا الاكتفاء بنقاط التفتيش على المداخل، مع ضبط المعدات المحظورة، وتحرير محاضر قانونية، وإعلان نتائج الحملات للرأي العام منعًا للانتقائية والشكوك.
ويحذر العطار من أن غياب المعلومات الرسمية يفتح المجال للشائعات، ويزيد التوتر بين الصيادين والعاملين في المراكب والجهات الحكومية، بينما يمكن لتقرير دوري معلن أن يوضح أعداد المخالفات والإجراءات المتخذة.
كما يرى لطفي أن إشراك الصيادين في القرارات ليس امتيازًا تفاوضيًا، بل جزء من ضمانات الحق في العمل، لأن القرارات التي تؤثر في سبل المعيشة ينبغي أن تُبنى على حوار حقيقي ومعلومات قابلة للفحص.
ويضيف المنظور القانوني الذي يطرحه خالد علي أن أي تنظيم للبحيرة يجب أن يحدد الجهة صاحبة الاختصاص، وحدود سلطتها، وطرق الاعتراض، حتى لا يصبح الصياد أسيرًا لتعليمات متغيرة أو قرارات شفوية.
إنقاذ الثروة السمكية يبدأ بالمحاسبة
وفي ضوء ذلك، تبدو الاستغاثة محاولة أخيرة لمنع انهيار الثقة، بعدما شعر صيادون بأن المخالفات الكبرى تمر دون ردع، بينما يتحمل الملتزمون وحدهم أعباء ارتفاع التكاليف، وتعقيد الإجراءات، وإغلاق الطرق.
ويطالب المتضررون بفتح الطريق فورًا، والتحقق من هوية من أقام السواتر، ومراجعة تراخيص المراكب، وفحص طرق الصيد، مع توفير قناة رسمية تستقبل البلاغات وتحمي أصحابها من الانتقام أو التضييق.
ثم إن معالجة الأزمة تتطلب خطة معلنة لحماية المخزون السمكي، تشمل فترات راحة بيولوجية، ومراقبة فعلية، وتسجيلًا دقيقًا للمراكب والمعدات، وعقوبات متدرجة تطبق على المخالف القوي قبل الصياد الضعيف.
كما أن الحفاظ على المحمية لا ينفصل عن تحسين أوضاع العاملين فيها، لأن الصياد الذي يضمن دخلًا عادلًا وقواعد مستقرة سيكون أكثر استعدادًا لحماية البحيرة، والإبلاغ عن التجاوزات، والالتزام بمواسم الصيد.
ويؤكد عمرو الصياد استعداد مقدمي الشكوى لتحديد أماكن الوقائع، وهو ما يتيح للجهات المختصة اختبار كل ادعاء على الطبيعة، بدلًا من الاكتفاء بالنفي أو تحميل الصيادين مسؤولية تدهور لم يثبت انفرادهم به.
وفي النهاية، لا يطلب الصيادون، وفق روايتهم، امتيازًا خاصًا أو حصانة من القانون، بل يطالبون بتطبيق القانون على الجميع، وفتح الطريق، وحماية البحيرة، وإعلان نتائج التحقيقات، ومحاسبة كل من تثبت مخالفته.
وتبقى وادي الريان أمام خيارين واضحين: إدارة شفافة تشرك الصيادين وتحمي الثروة السمكية، أو استمرار الغموض الذي يسمح بالاحتكار والصيد الجائر وإقصاء أصحاب المصلحة، ثم تحميل المجتمع المحلي وحده ثمن الفشل.
أما الحسم الحقيقي، فلن يتحقق بالتصريحات أو الحملات المؤقتة، وإنما بمعاينة عاجلة، وتحقيق مستقل، ورقابة دائمة، وسياسة بيئية عادلة تضع حق العمل وحماية الطبيعة في مسار واحد، بدلًا من استخدام أحدهما ضد الآخر.
وتنتظر مئات الأسر من الجهات المعنية أن تثبت أن المحمية ليست مساحة مغلقة أمام الصياد الملتزم، ولا ساحة مفتوحة للمخالف القادر على فرض نفوذه، بل مورد عام تحميه قواعد معلنة ومحاسبة عادلة.

