لم يعد الخوف من الغلاء لدى أسر مصرية يقتصر على اختفاء اللحوم من موائدها، بل امتد إلى الخبز نفسه، بعدما وجدت نفسها خارج منظومة الدعم، مطالبة بتدبير قوت أطفالها بأسعار تفوق قدرتها.
وتكشف شهادات الأسر المستبعدة فجوة بين تأكيدات الحكومة بشأن حماية المستحقين وواقع عائلات تقلص وجباتها وتقترض لتعليم أبنائها، بينما يثير الاتجاه نحو الدعم النقدي تساؤلات بشأن مصير الحماية الغذائية لملايين المواطنين.
الاستبعاد يدفع الأسر نحو الجوع
بحسب المادة المنقولة عن بيانات وزارة التموين، خرج نحو 850 ألف شخص من منظومة الدعم في يونيو الماضي، لتواجه الأسر المتضررة تكلفة للخبز تصل إلى عشرة أمثال ما كانت تتحمله قبل الاستبعاد.
وتختلف هذه القفزة المرتبطة بفقدان الاستحقاق عن الزيادة الرسمية لسعر الرغيف المدعوم، الذي ارتفع خلال عام 2024 من خمسة قروش إلى عشرين قرشا، بما ضاعف أعباء الحصول على الغذاء الأساسي.
ولخصت أم لأربعة أطفال التحول في معيشة أسرتها بقولها إن الخوف كان سابقا من عدم كفاية الأموال لشراء اللحوم، لكنه أصبح اليوم خوفا من العجز عن شراء الخبز لتلبية احتياجات أطفالها اليومية.
وتقول نساء شملتهن الشهادات إنهن أصبحن يتناولن طعاما أقل حتى يكفي الموجود أطفالهن، بينما توقفت بعض الأسر عن شراء الفواكه والبروتين الحيواني والحلويات، وأعادت ترتيب احتياجاتها حول الحد الأدنى للبقاء.
وفي إحدى الشهادات، لم تعد الثلاجة تحتوي إلا على قليل من الخضروات وقوالب الثلج، بعد اختفاء اللحوم تقريبا، بينما تقلص حضور الدجاج إلى مرتين شهريا، وصارت كميات الأرز تخضع لحساب دقيق.
وتنقل المادة عن بيانات أممية أن نحو تسعة ملايين شخص عانوا سوء التغذية خلال العام السابق للفترة التي تناولتها، بينما تجاوزت نسبة من واجهوا انعدام الأمن الغذائي ثلاثين بالمئة من السكان.
وتضع هذه المؤشرات قرارات الحذف أمام اختبار يتجاوز خفض الإنفاق، إذ تصبح دقة تحديد المستحقين مرتبطة مباشرة بقدرة الأطفال على الحصول على غذاء كاف، وبمنع تدهور أوضاع الأسر التي تعيش بالكاد.
معايير الاستحقاق تعاقب تضحيات التعليم
تتصدر مصروفات التعليم أسباب اعتراض بعض الأسر على الاستبعاد، بعدما اعتُبر تسجيل الأبناء في مدارس خاصة مؤشرا على القدرة المالية، رغم تأكيد أصحاب الشهادات أنهم اختاروا مدارس محدودة التكلفة وبمشقة بالغة.
وتشرح الأسر أنها لجأت إلى التعليم الخاص بحثا عن بديل للاكتظاظ وضعف الإمكانات في المدارس الحكومية، وأن الرسوم الدراسية تُدبر عبر تجميع المدخرات والاستدانة من الأقارب، وليس من فائض مالي مستقر.
وبلغت الرسوم في إحدى الحالات ثمانية آلاف جنيه سنويا، فيما أكدت الأسر الخمس الواردة في المادة أن مصروفات مدارس أبنائها لم تتجاوز عشرة آلاف جنيه، خلافا للصورة المرتبطة بالمدارس الدولية الباهظة.
في المقابل، تؤكد الحكومة أن الاستبعاد المتعلق بالتعليم يستهدف الأسر التي يلتحق أبناؤها بمدارس دولية مرتفعة المصروفات، وهو تعارض يستدعي مراجعة القرارات الفردية وكشف كيفية تطبيق المعايير على أرض الواقع فعليا.
ويرى هشام كامل، المسؤول السابق بوزارة التموين، أن رسوم المدارس الخاصة قد تعكس تضحيات تقدمها الأسر، ولا تشكل بالضرورة دليلا على قدرتها المالية، بما يضعف الاعتماد عليها منفردة لتقييم الحاجة للدعم.
وتحذر كريسن ثيين، عالمة الاجتماع السياسي بجامعة كاسل الألمانية والمتخصصة في أنظمة الدعم بالشرق الأوسط، من استبعاد أسر هشة بسبب أخطاء إدارية وثغرات تعوق وصول برامج الرعاية الموجهة إلى مستحقيها الفعليين.
وبحسب متحدث باسم وزارة التموين، قدم آلاف المواطنين تظلمات ضد الاستبعاد، لكن تقديم الشكوى وحده لا يعوض الخبز المفقود، ما يجعل سرعة الفحص واستعادة الحقوق معيارا أساسيا لجدية حماية الأسر المتضررة.
الدعم النقدي يثير مخاوف جديدة
تطرح الخطط المشار إليها في المادة الانتقال إلى مساعدات نقدية مباشرة اعتبارا من يناير، لكن نجاح أي تحول يظل مرتبطا بقيمة المخصصات وآلية زيادتها مع الأسعار، ودقة قواعد البيانات المستخدمة فعليا.
فالمبلغ النقدي الذي يغطي احتياجات الأسرة عند بدء التطبيق قد يفقد جزءا من قيمته مع التضخم، بينما يظل الاحتياج إلى الخبز والغذاء يوميا، ولا يحتمل انتظار مراجعات إدارية متباعدة أو معقدة.
وتشير المادة إلى اعتماد نحو 66 مليون شخص على الخبز المدعوم، وهو حجم يجعل أي تغيير في آلية توزيعه مسألة اجتماعية واسعة التأثير، تتطلب ضمانات واضحة لاستمرار وصول الغذاء دون انقطاع.
وتستند الحكومة إلى استهداف غير المستحقين وترشيد تكلفة الدعم، ضمن إصلاحات اقتصادية مدعومة من صندوق النقد الدولي، لكن شهادات المتضررين تثير سؤالا عن توزيع الأعباء وحدود تحميل الأسر الهشة كلفة الترشيد.
وللخبز مكانة سياسية تتجاوز قيمته الغذائية؛ فقد دفعت احتجاجات عام 1977 الحكومة إلى التراجع عن إجراءات خفض الدعم، ثم تصدر مطلب العيش شعارات ثورة الخامس والعشرين من يناير مع الحرية والعدالة الاجتماعية.
واليوم، يتحدد اختبار السياسة الحكومية في قدرة الأسرة على إطعام أطفالها، وفي ألا تتحول محاولة تحسين تعليمهم إلى سبب لحرمانهم من الخبز، أو يصبح إصلاح الدعم بابا جديدا لتوسيع دائرة الجوع.

