فجّرت واقعتا اختفاء المصارعين محمد مصطفى علي الشامي وزياد حجاج سؤالاً يتجاوز المخالفة الرياضية: لماذا تهرب المواهب والكفاءات من مصر، وهل يدفعها الفقر أم التجاهل أم القمع أم غياب التقدير.
كشفت واقعة الشامي في روما، ثم واقعة حجاج في سلوفاكيا، أن المسألة لم تعد حادثاً فردياً، خصوصاً بعد إحالة الملفين إلى النيابة وفتح تحقيقات حول المسؤوليات الإدارية داخل البعثات فعلياً.
المصارعة تكشف خلل المنظومة
أعادت التحقيقات الأنظار إلى إدارة البعثات، بعدما ظهرت مخالفات مرتبطة بتسليم جوازات السفر للاعبين، وأوقفت اللجنة الأولمبية رئيس وفد المصارعة وأحالته للجنة القيم، لتصبح مسؤولية المؤسسة جزءاً من القضية أيضاً.
غير أن مساءلة المسؤولين لا تعني إعفاء اللاعب من خطئه، فتمثيل المنتخب يفرض التزاماً، لكن اختزال الظاهرة في عقوبة الهارب يمنع الوصول إلى الأسباب التي تجعل رياضياً مدرباً يقرر ألا يعود.
ولزيادة وضوح الصورة، ناقشت دراسة برعاية وزارة الشباب والرياضة ظاهرة هروب وتجنس الرياضيين، وربطت المشكلة بتهميش بعض الألعاب الفردية وضعف الموارد والرعاية والإمكانات المتاحة لأبطالها مقارنة بما يعرض عليهم خارجياً.
كما سبق أن حذر عصام نوار، رئيس اتحاد المصارعة الأسبق، من أن ضعف الإمكانات وقلة الدعم يهدران مجهود اللاعبين، ويرتبطان فعلياً بهروب بعضهم إلى الخارج والتجنيس واللعب باسم دول أخرى.
وبالتالي تكشف رؤية نوار فجوة أساسية، لأن البطل ليس جسداً يتدرب ثم يسافر، بل إنسان يحتاج إلى استقرار نفسي ومالي ومسار واضح، وإلا تحولت البطولة الخارجية إلى نافذة محتملة للهروب.
ومن ثم يصبح المال عاملاً يصعب تجاهله، خصوصاً في الألعاب الفردية التي لا تمنح أصحابها عقوداً ضخمة، بينما يرى اللاعب خارج مصر تمويلاً أفضل وفرص احتراف قد تبدو بعيدة في الداخل.
ومع ذلك لا يفسر الفقر وحده قرار الرحيل، لأن صاحب الموهبة قد يتحمل دخلاً محدوداً إذا شعر بعدالة وفرصة وتقدير، بينما يدفعه الإهمال المتكرر للاعتقاد بأن مستقبله يبدأ فقط خارج البلاد.
الفقر وحده لا يفسر
علاوة على ذلك يرى الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده أن البيئات الطاردة وغير المشجعة دفعت عقولاً مصرية إلى الاستقرار بالخارج، وأن الاستفادة من الموهبة تتطلب احتضانها واستخدام قدراتها بدلاً من خسارتها.
وبناءً على ذلك يمكن قراءة هروب الرياضيين داخل سياق أوسع لهجرة الأطباء والمهندسين والباحثين، فصاحب الموهبة حين يكتشف أن قيمته المهنية والإنسانية أكبر خارج الحدود يبدأ مقارنة البقاء بعائد الرحيل.
لذلك لا تكفي مكافآت موسمية أو صور تكريم بعد الميداليات، لأن اللاعب يحتاج إلى دخل مستقر وتأمين ورعاية إصابة وفرصة بعد الاعتزال، وهي عناصر تحدد إن كان الإنجاز الرياضي طريقاً للحياة.
وفي المقابل يظل غياب التقدير أوسع من ضعف الدخل، فهو يظهر حين لا يجد اللاعب من يسمعه، أو يشعر أن الاتحاد يتذكره عند البطولة فقط، ثم يتركه أمام مشكلاته بعد المنافسة.
أما القمع فيظهر عندما تتحول الإدارة إلى أوامر ورقابة وعقوبات بلا مساحة للاعتراض أو الشكوى أو التفاوض، لأن منع الصوت داخل المؤسسة لا يصنع انضباطاً دائماً، بل قد يصنع رغبة في المغادرة.
وبهذا المعنى يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا يهرب لاعب واحد، بل لماذا يشعر بعض أصحاب الكفاءة أن الرحيل أقل تكلفة من البقاء، وهي إشارة لأن الدولة تخسر سنوات من التدريب والإنفاق.
العقوبة لا توقف النزيف
وفي تفسير أوسع، يؤكد عالم الاجتماع الدكتور أحمد زايد أن الهجرة لا تُفهم من زاوية المال وحده، بل تتداخل معها الثقافة الاجتماعية وصورة النجاح في الخارج وتأثير نماذج المهاجرين السابقين.
ومن هنا يكتسب السفر الرياضي حساسية خاصة، لأن اللاعب يرى بنفسه منشآت وتنظيماً ودخولاً مختلفة، ويلتقي بأشخاص يعيشون من الرياضة باستقرار، فتتحول المقارنة من حكايات يسمعها إلى تجربة مباشرة تغيّر حساباته.
إضافة إلى ذلك تحتاج الاتحادات إلى معرفة أوضاع لاعبيها قبل السفر، عبر تقييم نفسي واجتماعي حقيقي، ومتابعة المشكلات المالية والأسرية، وتوفير قناة آمنة للشكوى بعيداً عن الخوف من الاستبعاد أو العقاب.
وفي واقعة المصارعة الحالية، تعطي مخالفات جوازات السفر والتحقيق مع مسؤولي البعثة دليلاً على أن الخلل الإداري ليس افتراضاً، بل جزء من ملف رسمي، بما يمنع تحميل اللاعبين وحدهم كامل المسؤولية.
ومع ذلك يجب ألا تتحول الأخطاء الإدارية إلى ذريعة لتبرير الهروب، فاللاعب مسؤول عن قراره، لكن المسؤول الذي أهمل الإجراءات مسؤول أيضاً، والمحاسبة الجادة يجب أن تتحرك في الاتجاهين دون انتقائية.
لهذا يفترض أن تنتهي التحقيقات إلى إصلاحات تشمل إدارة الجوازات ومسؤولية المشرفين والدعم النفسي وعقود الرعاية ومستحقات اللاعبين وخطط ما بعد الاعتزال، بدلاً من إيقافات تنتهي آثارها مع هدوء الضجة.
كذلك تحتاج الألعاب الفردية إلى حماية أكبر، لأنها تنتج أبطالاً بموارد أقل واهتمام إعلامي أضعف، بينما يسهل على أندية ودول أخرى تقديم عروض تجعل البقاء قراراً عاطفياً أكثر منه اختياراً مهنياً.
ولهذا فإن معالجة هروب الكفاءات تبدأ من جعل العودة ذات معنى، عبر فرصة حقيقية ومسار مهني وكرامة وتقدير، لأن مطالبة الشاب بالانتماء بينما يشعر أن مستقبله مسدود لا تصنع الولاء.
وفي النهاية لا تحتاج مصر إلى بيانات تكتفي بوصف الهاربين، بل إلى مراجعة ما يدفع أصحاب المهارات للرحيل، فالخسارة ليست اختفاء لاعب فقط، بل تكرار الأسباب التي تنتج القرار نفسه.
وهكذا تكشف واقعتا الشامي وحجاج اختباراً أكبر: إما أن تتحول الصدمة إلى إصلاح يحفظ المواهب ويحاسب المقصرين، أو تبقى العقوبة عنواناً سريعاً بينما يستمر الفقر والتجاهل والقمع وغياب التقدير بدفع آخرين للخارج.

