في ظل أزمة غلاء المعيشة، أصبح المستهلكون أكثر حساسية لأي زيادة مفاجئة في الأسعار، لكن آرون أتكينسون توال، أستاذ مساعد للتسويق في جامعة دورهام، يوضح أن قدرتنا على ملاحظة ارتفاع الأسعار تفوق بكثير قدرتنا على اكتشاف انخفاض حجم المنتجات التي نشتريها.
وبحسب سايكولوجي توداي، نراقب تغيرات الأسعار عن كثب، لكننا نادرًا ما نلاحظ تغيرات حجم المنتجات، وهو ما يدفع العلامات التجارية إلى تقليص منتجاتها بدلًا من رفع أسعارها. وعندما يقع التغيير في حجم العبوة تحت حد معين، لا نتجاهله فحسب، بل يصبح من الصعب علينا إدراكه أصلًا. لكن عندما نكتشف تقليص حجم المنتج، نحكم عليه بقسوة أكبر من حكمنا على زيادة سعرية تكلفنا المبلغ نفسه.
لماذا نلاحظ ارتفاع الأسعار ولا نلاحظ تقلص المنتجات؟
عندما تتعرض إحدى العلامات التجارية لضغوط بسبب ارتفاع التكاليف، فإن أمامها طريقتين لتحميل المستهلك هذا العبء المالي. يمكنها رفع أسعار منتجاتها، وهو تغيير يلاحظه الجميع تقريبًا، أو يمكنها تقليص حجم المنتج بهدوء مع الإبقاء على السعر كما هو، وهو ما يكاد لا يلاحظه أحد.
وتفضل علامات تجارية كثيرة الخيار الثاني، لأن المستهلكين غالبًا ما يغفلون عن التغيير، ما يساعدها على الحفاظ على ولاء العملاء خلال فترات الضغوط المالية. ويُعرف هذا الأسلوب باسم «انكماش التضخم» (Shrinkflation)، أي تقليص حجم المنتج مع الإبقاء على سعره.
ويظهر سعر المنتج على الرف بحجم واضح، فنراه على الفور ونستطيع تتبع تغيره بمرور الوقت. أما سعر الوحدة، مثل تكلفة الأونصة الواحدة، فيظهر بحروف صغيرة أسفل السعر الأساسي، ولذلك نميل إلى عدم ملاحظته. وقد يرتفع هذا السعر بمقادير صغيرة للغاية لا تلتقطها حواسنا، لكنه في النهاية يحمّلنا التكلفة نفسها التي كان سيفرضها ارتفاع السعر المباشر.
وتعد علب حبوب الإفطار وزجاجات منظفات الغسيل وأكياس الحلوى أو رقائق البطاطس من أكثر المنتجات عرضة لهذه الممارسة. ومع مرور الوقت، تبدو العبوة كما هي تقريبًا على رف المتجر للعين العابرة. وأحيانًا تتقلص العبوة فعلًا بمقادير صغيرة يصعب ملاحظتها، وأحيانًا تظل العبوة بالحجم نفسه تمامًا، لكنها تحتوي على كمية أقل من المنتج، مع استبدال جزء أكبر منه بالهواء.
وهكذا تستطيع العلامات التجارية تحميل المستهلك تكاليف إضافية من دون الإعلان عنها، لأن السعر لم يتغير، وهو ما يبقي العملاء راضين. وفي معظم الأحيان، لا ينظر أحد إلى ما هو أبعد من الرقم الظاهر على الرف.
كيف يخدع شكل العبوة إدراكنا لحجم المنتج؟
يصعب للغاية تقدير حجم أي منتج بمجرد النظر إليه، ولذلك نعتمد على تقديرات بصرية تستند إلى ما نراه. ويؤثر الارتفاع في هذه التقديرات، إذ يدفع العقل إلى الاعتقاد بأن العبوة تحتوي على كمية أكبر.
ووجد راجوبير وكريشنا عام 1999 أن المستهلكين غالبًا ما يتصورون أن العبوات الأطول تحتوي على كمية أكبر، حتى عندما يكون حجمها الفعلي مساويًا لحجم عبوات أقصر وأعرض. وهذا يعني أن شكل العبوة وحده يمكن أن يؤثر في حكمنا على حجم ما بداخلها. وربما يفسر ذلك انتشار العبوات المستطيلة والطويلة رأسيًا في منتجات مثل حبوب الإفطار والمنظفات ورقائق البطاطس، بما يوحي لنا بأننا نحصل على كمية أكبر مما نحصل عليه فعليًا.
وتفسر السيكوفزياء، وهي دراسة الطريقة التي تتحول بها المثيرات الفيزيائية إلى إدراكات حسية، سبب فعالية انكماش التضخم وقدرته على العمل في الخفاء. ويعرف هذا المبدأ باسم قانون ويبر-فيخنر، وينص على أن أصغر تغير يمكن للإنسان اكتشافه في شيء ما، أو «الفرق الملحوظ بالكاد» (JND)، لا يمثل مقدارًا ثابتًا، بل نسبة من الحجم الذي بدأنا منه.
وتتراوح النسب التي يشار إليها عادة لتقليص حجم المنتج بين 5 و15 في المئة، وإن كانت هذه النسب غالبًا مجرد قواعد تقريبية متداولة في القطاع. وبغض النظر عن النسبة الدقيقة، تكمن الفكرة الأساسية في وجود حد معين يصبح التغيير تحته غير ملحوظ تقريبًا، بدلًا من أن يكون مجرد تغيير نتجاهله.
ويمنح هذا القانون العلامات التجارية عتبة يمكنها العمل تحتها بعيدًا عن رصد المستهلك. فإذا أزيلت كمية صغيرة بما يكفي، فلن يكون هناك الكثير مما يمكن ملاحظته، مهما كان حجم المنتج أو وزنه الأصلي. لكن قدرة المستهلكين على عدم ملاحظة التغيير لا تدوم إلى الأبد.
وينطبق هذا الحد على التغييرات المنفردة. فإذا تقلصت العبوة نفسها مرتين أو ثلاث مرات خلال فترة قصيرة، فإن الخسارة الإجمالية تتجاوز حد الإدراك، ويصبح المستهلكون أكثر قدرة على ملاحظة النتيجة التراكمية للتغييرات مقارنة بأي تعديل منفرد.
ماذا يحدث عندما يكتشف المستهلك انكماش المنتج؟
درس يانسن وكازينجر عام 2026 بيانات ماسحات البيع بالتجزئة على مدى عقد كامل، شملت نحو أربعة ملايين منتج في متاجر التجزئة الأمريكية، مثل متاجر البقالة والصيدليات والمتاجر الكبرى. ووجد الباحثان أن ما يقرب من 2 في المئة، أي نحو 77 ألف منتج، خضع لتقليص في الحجم خلال تلك الفترة، بمعدل يفوق بأكثر من خمسة أضعاف معدل زيادة أحجام المنتجات، مع انخفاض محدود للغاية في الأسعار.
والأكثر إثارة للاهتمام كان تأثير هذه الممارسة في مبيعات الشركات. فقد أدى رفع السعر بنسبة 1 في المئة إلى انخفاض المبيعات بنحو 1.2 في المئة، بينما أدى خفض حجم المنتج بنسبة 1 في المئة إلى انخفاض المبيعات بنحو النصف تقريبًا. ولا تمثل هذه الفجوة ظاهرة جديدة؛ فقد وجد جورفيل وكولر عام 2004 أن المستهلكين أكثر حساسية تجاه تغيرات الأسعار مقارنة بتغيرات كمية المنتجات.
كما قاس يانسن وكازينجر طريقة استجابة المتسوقين لتقليص المنتجات. فبدلًا من الاكتفاء بكمية أقل، اشتروا منتجًا آخر، ما أدى إلى ارتفاع إجمالي الإنفاق، في سلوك يناقض الطريقة التي نتعامل بها عادة مع زيادة سعر نلاحظها بالفعل. فعندما يرتفع السعر الظاهر على الرف، وهو الرقم الذي نراقبه، نشتري كمية أقل. أما عندما يرتفع سعر الوحدة بهدوء، فإننا نشتري كمية أكبر.
لكن نجاح انكماش التضخم يتوقف عند لحظة اكتشاف المستهلك له.
وأجرى إيفانجيليديس عام 2024 خمس تجارب قارن فيها بين أحكام المستهلكين على زيادة سعرية وتقليص في حجم المنتج يحمّلانهما التكلفة نفسها. ورأت أغلبية كبيرة أن زيادة السعر عادلة، في ظل ارتفاع التكاليف في الاقتصاد آنذاك. لكن الآراء تغيرت عند تقليص حجم المنتج؛ إذ اعتبر عدد أكبر من المشاركين تقليص الحجم غير عادل مقارنة بعدد من اعتبروا زيادة السعر المماثلة غير عادلة.
ولا يبدو أن المال هو العامل المحرك لهذه الأحكام. بل يرتبط الأمر بما يوحي به تقليص الحجم من محاولة لخداع المستهلك. فتغيير سعر المنتج يمثل مسألة اقتصادية واضحة يمكن للجميع رؤيتها وفهمها، بينما تغيير حجم المنتج يعد قرارًا تصميميًا يتطلب جهدًا أكبر لاكتشاف تكلفته الحقيقية.
السعر يخضع للمنطق، أما الحجم فيخاطب العاطفة.
وإذا كان تتبع ارتفاع الأسعار أسهل من اكتشاف تقليص حجم المنتجات، فربما يكمن مصدر اعتراضنا الحقيقي هنا: ليس في دفع المزيد، بل في عدم إخبارنا بذلك. وعندما يتعلق الأمر برفع أسعار المنتجات أو تقليص أحجامها، يبدو أن الحجم مهم فعلًا.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/shopping-and-the-mind/202608/why-shrinkflation-works-until-we-notice

