تتجه الأنظار إلى إسطنبول مع اقتراب اجتماع جديد لوزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان، في توقيت يتجاوز أهمية اللقاءات الدبلوماسية المعتادة، بعدما دخلت العلاقات بين ثلاث من دول المجموعة مرحلة جديدة بتوقيع تركيا والسعودية وباكستان «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، بينما بقيت مصر حتى الآن خارج الترتيب الدفاعي، رغم وجودها في قلب آلية التشاور السياسي التي تجمع الدول الأربع.
وأكدت وزارة الخارجية الباكستانية أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان دعا نظيره الباكستاني محمد إسحاق دار إلى اجتماع مجموعة الدول الأربع في إسطنبول خلال النصف الثاني من أغسطس، بعد اتصال ناقش خلاله الوزيران التطورات الإقليمية وجهود تحقيق الأمن والاستقرار. وتأتي الدعوة بعد اجتماع المجموعة في عمّان في 5 أغسطس، فضلاً عن اجتماعها التشاوري الرسمي في القاهرة في 21 يونيو الماضي.
لكن ما يمنح لقاء إسطنبول ثقله الحقيقي هو أنه سيكون من أوائل اجتماعات الدول الأربع بعد قيام تحالف دفاعي يجمع ثلاثة منها فقط، الأمر الذي يضع سؤالاً مباشراً على الطاولة: هل تظل مصر شريكاً سياسياً في المجموعة الرباعية، أم تتحول الاجتماعات المقبلة إلى بوابة لضم القاهرة إلى «اتفاق مكة»؟.
من آلية سياسية إلى اختبار أمني جديد
لم تبدأ مجموعة مصر وتركيا والسعودية وباكستان باعتبارها تحالفاً عسكرياً، وإنما كآلية للتشاور بشأن الأزمات الإقليمية وتنسيق المواقف حيال الملفات التي تمس أمن الشرق الأوسط ومحيطه. وفي الاجتماع التشاوري بالقاهرة في 21 يونيو، أكد الوزراء الأربعة أهمية استمرار التنسيق لدعم السلام والأمن والاستقرار الإقليمي، وبحثوا ملفات إيران وغزة وأمن دول الخليج والممرات البحرية.
وتواصل هذا المسار في عمّان في 5 أغسطس، عندما اجتمع وزراء خارجية المجموعة مجدداً على هامش الاجتماع الوزاري بشأن القدس، وهو ما يعكس تحول «R4» إلى قناة تشاور منتظمة بين أربع قوى إقليمية تمتلك ثقلاً سياسياً وعسكرياً وجغرافياً كبيراً. كما أكدت الخارجية المصرية، عقب مباحثات بدر عبد العاطي وهاكان فيدان في العلمين يوم 14 أغسطس، أهمية مواصلة التنسيق داخل الآلية الرباعية لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.
غير أن توقيع السعودية وتركيا وباكستان «اتفاق مكة للدفاع المشترك» نقل المعادلة إلى مستوى مختلف. فبحسب وزير الخارجية التركي، يقوم الاتفاق على مفهوم الدفاع الجماعي بصورة قريبة من المبدأ الذي تقوم عليه المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي، مع التزام الدول الأعضاء بمساندة الدولة التي تتعرض لهجوم، وفق آليات وقرارات تحدد طبيعة الدعم المطلوب. كما يتضمن الترتيب لجاناً سياسية وعسكرية وتعاوناً في الصناعات الدفاعية ورفع قابلية القوات للعمل المشترك.
وهكذا أصبحت المجموعة الرباعية تضم عملياً ثلاث دول مرتبطة باتفاق دفاعي جديد، ودولة رابعة هي مصر، شريكة في التنسيق السياسي لكنها ليست عضواً معلناً في المنظومة العسكرية. ومن هنا يبدو اجتماع إسطنبول مختلفاً عن الاجتماعات السابقة، حتى إذا لم يكن الانضمام المصري بنداً رسمياً معلناً على جدول أعماله.
تصريحات فيدان تضع مصر على أبواب الاتفاق
الحديث عن انضمام القاهرة لا يستند فقط إلى قراءة سياسية للتوقيت، وإنما إلى تصريحات علنية متكررة من وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي وضع مصر بصورة مباشرة ضمن الدول المرشحة للانضمام إلى التحالف.
فيدان قال إن الدول الثلاث المؤسسة لا تريد أن يظل الاتفاق مقتصراً عليها، وإن الهدف على المدى الأبعد هو توسيع المظلة لتشمل دولاً أخرى، مع بقاء السعودية وتركيا وباكستان دولاً مؤسسة تتولى وضع القواعد والهياكل الأساسية للمنظومة.
وعندما تحدث عن مصر تحديداً، وصفها بأنها «شريك طبيعي»، وقال إنه يعتقد أن القاهرة ستصبح جزءاً من التحالف في مرحلة لاحقة بعد معالجة عدد من المسائل الفنية، مشيراً إلى أن العلاقات بين الدول الأربع وصلت بالفعل إلى مستوى مرتفع من التنسيق. وأعاد فيدان الفكرة خلال زيارته إلى مصر منتصف أغسطس، مؤكداً أن أنقرة تشاورت مع القاهرة بشأن المبادرة منذ بدايتها، وأنه يأمل أن تصبح مصر «شريكاً رسمياً» قريباً.
هذه التصريحات تجعل اجتماع إسطنبول مرشحاً لأن يشهد على الأقل مناقشة مستقبل العلاقة بين الآلية الرباعية والتحالف الدفاعي الجديد، خصوصاً أن فيدان أكد في الوقت نفسه أن مجموعة الدول الأربع ستظل منصة سياسية مهمة، بما يعني أن أنقرة لا تنظر إلى التحالف بوصفه بديلاً عنها، وإنما مساراً أمنياً يمكن أن يعمل بالتوازي معها.
كما أن التقارب المصري التركي نفسه يضيف وزناً إلى الاحتمال؛ فالخارجية المصرية تحدثت في 14 أغسطس عن تنسيق وثيق بين القاهرة وأنقرة في الملفات الإقليمية، فيما قال فيدان إن التعاون يمتد إلى المؤسسات الدفاعية والصناعات العسكرية أيضاً.
القاهرة بين مكاسب الانضمام وحسابات الالتزام الدفاعي
مع ذلك، فإن الانتقال من التعاون السياسي إلى عضوية تحالف دفاعي ليس قراراً تلقائياً. وحتى 19 أغسطس 2026، لم يصدر إعلان رسمي مصري يفيد بأن القاهرة قررت الانضمام إلى «اتفاق مكة»، كما أن البيانات المصرية الأخيرة التي تناولت المشاورات مع تركيا ركزت على استمرار التنسيق داخل الآلية الرباعية من دون إعلان خطوة مصرية نحو عضوية الاتفاق.
والفارق هنا جوهري؛ فالعضوية في منصة للتشاور تتيح لمصر التنسيق مع شركائها مع الاحتفاظ بحرية واسعة في تحديد مواقفها من كل أزمة، بينما يرتب الاتفاق الدفاعي التزامات أمنية تتطلب تحديد آليات المساندة والعمل العسكري والاستخباراتي واللوجستي المشترك. وفيدان نفسه أوضح أن تطبيق الالتزامات سيعتمد على طلب الدولة التي تتعرض للهجوم والقرارات التي تتخذها المؤسسات المختصة داخل التحالف.
في المقابل، قد يمنح دخول مصر الاتفاق ثقلاً استراتيجياً أكبر للمنظومة الناشئة. فالقاهرة تمتلك موقعاً يتحكم في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وجيشاً كبيراً، وعلاقات أمنية ممتدة في البحر الأحمر وشرق المتوسط وشمال أفريقيا، فضلاً عن ارتباطها بعلاقات وثيقة مع السعودية وتطور تعاونها مع تركيا.
لذلك لا يمكن اعتبار اجتماع إسطنبول دليلاً مسبقاً على قرار مصري بالانضمام، لكنه يمثل اختباراً مهماً لاتجاه المجموعة بعد «اتفاق مكة». فإذا انتقلت المناقشات من التنسيق السياسي إلى ترتيبات أمنية مؤسسية، أو ظهرت إشارات مصرية رسمية إلى بحث شروط العضوية، فسيصبح الحديث عن انضمام القاهرة أكثر من مجرد طرح تركي.
أما إذا استمر الاجتماع في إطار الملفات الإقليمية وخفض التصعيد والتنسيق الدبلوماسي، فستظل مصر في موقع الشريك السياسي القريب من التحالف من دون أن تتحمل التزاماته الدفاعية.
وبين الاحتمالين، تبدو إسطنبول محطة كاشفة أكثر منها محطة حاسمة: لن يكون السؤال فقط عما ستناقشه الدول الأربع، وإنما عما إذا كانت القاهرة مستعدة للانتقال من مقعد الشريك داخل «R4» إلى مقعد العضو الرابع في التحالف الدفاعي الذي بدأ بثلاث دول في مكة.

