تقوم الحياة الروحية في الإسلام على اليسر ورفع الحرج، فلا يكلف الله الإنسان فوق طاقته، ولا يجعل العبادة قيودا ترهق النفس، وإنما يفتح أمام المؤمن طريقا متدرجا يبدأ بالفرائض وينمو بالنوافل حتى يبلغ منزلة المحبة والقرب.
كما تتسع هذه الحياة لأصحاب المراتب المختلفة، من المقصر الذي يجاهد ضعفه، إلى المقتصد الملتزم، ثم السابق بالخيرات، ولا تغلق أبوابها أمام العصاة، بل تدعوهم إلى التوبة وتمنعهم من اليأس مهما عظمت ذنوبهم.
دين يرفع الحرج
الحياة الروحية في الإسلام، على امتدادها وشمولها واستمرارها، حياة سهلة ميسرة، لا تكلف الإنسان شططا، ولا ترهقه عسرا، ولا تحمله من الآصار والأغلال ما يقصم ظهره، لأنه غير مكلف إلا بما يقدر عليه.
وقد نفى القرآن الحرج عن الدين نفيا واضحا، فقال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج:78)، لتستقر في وعي المسلم حقيقة أن العبادة طريق رحمة وليست بابا لتعذيب النفس.
وفي ختام آية الطهارة وتشريع التيمم، يقول الله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (المائدة:6).
فالطهارة لم تشرع لإيقاع الإنسان في العنت، ولذلك أباح الله التيمم عند فقد الماء أو تعذر استعماله، مؤكدا أن غاية التشريع تطهير الإنسان وإتمام النعمة عليه، لا تحميله ما يعجز عنه.
ويتجلى التيسير كذلك في فريضة الصوم، حيث شرع الله الرخصة للمريض والمسافر، فقال سبحانه: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة:185).
ووصف القرآن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بأنها تحرر الناس من الآصار والأغلال، فقال تعالى: {الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (الأعراف:157).
وهذه الآية تجعل رفع الأعباء الثقيلة عنوانا أصيلا للرسالة المحمدية، فالنبي صلى الله عليه وسلم جاء بالمعروف والطيبات والرحمة، ولم يأت بدين يقطع الإنسان عن الحياة أو يحمله فوق استطاعته.
ولهذا علّم الله المؤمنين أن يدعوه بقولهم: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} (البقرة:286).
وقد ثبت في الصحيحين أن الله استجاب هذا الدعاء، بما يؤكد أن رفع الحرج ليس فكرة وعظية مجردة، وإنما أصل ثابت في علاقة المؤمن بربه وفي التكاليف التي جاء بها الإسلام.
مراتب تتسع للجميع
لا تفرض الحياة الروحية في الإسلام صورة واحدة على جميع الناس، وإنما تراعي تفاوت الهمم والقدرات، وتفتح أبوابها للمبتدئ والمقتصد والسابق، مع بقاء الدعوة إلى الارتقاء مفتوحة أمام الجميع.
ويقول الله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} (فاطر:32).
فالظالم لنفسه قد يؤدي بعض الفرائض ويقصر في بعضها، ويترك بعض المحرمات ثم تغلبه نفسه فيقع في شيء منها، لكنه لا يخرج بذلك من دائرة العبودية، ويظل مطالبا بالمجاهدة والتوبة والاستقامة.
أما المقتصد فيلتزم بالفرائض دون تقصير، ويجتنب المحرمات دون تهاون، فيؤدي ما أوجبه الله عليه ويحفظ حدوده، من غير أن يتوسع بالضرورة في أبواب النوافل والورع عن المباحات.
وأما السابق بالخيرات فلا يكتفي بترك المحرمات، بل يتقي الشبهات استبراء لدينه وعرضه، ثم يرتقي فيترك المكروهات، وقد يدع بعض المباحات خشية أن تقوده إلى ما فيه بأس.
وفي جانب المأمورات، لا يقف السابق عند حدود الفرائض، وإنما يتقرب إلى الله بالنوافل، ويكثر من الطاعات حتى تصبح العبادة زادا لقلبه وطريقا إلى محبة الله ورضوانه.
وجاء في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بأفضل مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، وقدمه التي يسعى بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنّه».
فالفرائض تقرب العبد من ربه وتضعه على الطريق المستقيم، بينما ترفعه النوافل إلى منزلة المحبة، حيث يحفظ الله جوارحه ويوفقه في سمعه وبصره وعمله وسعيه ويجيبه إذا سأله ويحميه إذا استعاذ به.
الفرائض طريق الفلاح
تتسع الحياة الروحية لمن لا يملك طاقة الزهاد، ما دام صادقا في أداء ما فرضه الله، ولذلك لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم كثرة النوافل شرطا لنجاة كل مسلم ودخوله الجنة.
فقد سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم عن فرائض الإسلام، فعرّفه الصلوات الخمس والزكاة المفروضة وصيام رمضان، وكان يسأل عند كل فريضة: هل علي غيرها، فيجيبه النبي صلى الله عليه وسلم: «لا إلا أن تطوع».
وعندما قال الأعرابي: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفلح إن صدق»، وفي رواية: «دخل الجنة إن صدق»، فكان صدقه في أداء الفرائض طريقا للفلاح.
وهذا الحديث يرد على من يحول التدين إلى سباق مرهق أو يحتقر أصحاب الطاعات القليلة، فالواجب أساس النجاة، والنوافل باب للترقي، ولا يجوز تحميل الناس ما لم يفرضه الله عليهم.
وفي الوقت نفسه، اتسعت الحياة الروحية للعباد والزهاد من الصحابة، مثل أبي بكر وعمر وعلي وأبي ذر وأبي الدرداء وسلمان وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم، ممن سمت هممهم في العبادة والزهد.
وبذلك يجتمع الأعرابي الذي التزم الفرائض مع السابقين في العبادة داخل الطريق الإسلامي الواسع، فلا يطرد المقتصد، ولا يمنع المجتهد من الزيادة، ولا يجعل منزلة واحدة قالبا مفروضا على الجميع.
باب التوبة لا يغلق
تتسع الحياة الروحية في الإسلام للعصاة التائبين، فلا تغلق الرحمة أبوابها في وجوههم مهما بلغت جرائمهم، لأن الغاية ليست مطاردة المذنب بماضيه، وإنما إعادته إلى ربه بقلب منيب وعمل صالح.
ويقول الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر:53).
وفي النداء القرآني لطف بالغ، إذ خاطب الله المسرفين بقوله: «يا عبادي»، ليشعرهم بأن صلتهم بربهم لم تنقطع، وأن معاصيهم لا تبرر القنوط من رحمته أو اليأس من عفوه.
فالمذنب لا يعالج باليأس، وإنما بالتوبة، ولا يدفع إلى الاستقامة بإقناعه أن الطريق أغلق أمامه، لأن اليأس يضاعف الانحراف، بينما يفتح الرجاء باب العودة ويعين الإنسان على إصلاح ما أفسده.
وقد ذكر القرآن قوما جمعوا بين الشرك والقتل والزنى، ثم فتح أمامهم باب التوبة، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (الفرقان:68-70).
ولا تقف الرحمة عند محو السيئات، بل تبلغ أن يبدل الله سيئات التائبين حسنات عندما تصدق توبتهم ويقترن إيمانهم بالعمل الصالح، وهي منزلة تكشف اتساع المغفرة وعظمة فضل الله.
التوبة بعد أعظم الجرائم
قرأ الإمام الحسن البصري قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} (البروج:10).
ثم قال الحسن البصري متعجبا من سعة عفو الله: «قتلوا أولياءه، ثم لم يوئسهم من التوبة»، لأن الآية رتبت الوعيد على استمرارهم دون توبة، بما يدل على أن باب الرجوع ظل مفتوحا أمامهم.
وتقدم قصة المرأة الغامدية نموذجا آخر للتوبة الصادقة، فقد وقعت في كبيرة الزنى وهي محصنة، ثم جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم مصرة على أن تتطهر، متحملة تبعات اعترافها وشدة العقوبة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في شأنها: «لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم»، وهي شهادة نبوية تكشف أن صدق الرجوع إلى الله قد يرفع التائب إلى منزلة عظيمة.
وهكذا تجمع الحياة الروحية في الإسلام بين اليسر والتكليف، وبين الفرائض والنوافل، وبين الخوف والرجاء، فلا ترهق الإنسان بما لا يطيق، ولا تتركه أسيرا للتقصير، ولا تحرمه من العودة بعد الذنب.
إنها حياة تبدأ بالصدق في أداء الواجبات، وتنمو بمجاهدة النفس، وترتقي بالنوافل، وتتجدد بالتوبة، حتى يظل المؤمن سائرا إلى ربه مهما تفاوتت منزلته أو تعثر في بعض الطريق.

