لا تقوم الدعوة إلى الله على صحة الفكرة وحدها، بل على الطريقة التي تُحمل بها إلى الناس، فكم من حق أفسدته غلظة صاحبه، وكم من كلمة صادقة أغلقت القلوب لأنها خرجت من نفس متكبرة أو أسلوب قاس. ولهذا جعل القرآن الرحمة واللين من أعظم أسباب اجتماع الناس على الداعية، فقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].
ويحذر الشيخ محمد الغزالي من أن يتحول بعض المنتسبين إلى الدعوة والتربية إلى سبب في تنفير الناس من الدين، مؤكدًا أن حسن الخلق والوجه الطليق والروح السمحة ليست أمورًا هامشية، بل من صميم التدين. فالمربي والداعية لا يقدمان معلومات فقط، وإنما يمثلان رسالة بأخلاقهما، وكلما ازداد الإنسان معرفة بالله كان ألين قلبًا وأشد تواضعًا وأبعد عن الغرور واحتقار الناس.
الرحمة قبل الموعظة
اختصر القرآن منهج الدعوة في قاعدة عظيمة حين خاطب النبي ﷺ بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]، فالحق نفسه يحتاج إلى قلب رحيم ولسان لين حتى يصل إلى النفوس.
وهذه الآية لا تتحدث عن أسلوب تجميلي يمكن للداعية أن يأخذ به أو يتركه، بل تكشف سنة من سنن النفوس، وهي أن الإنسان قد يبتعد عن صاحب الحق إذا شعر منه بالقسوة والاستعلاء، بينما يقترب ممن يجمع بين الصدق والرحمة.
ومن هنا قال الشيخ محمد الغزالي: «أكره أصحاب الغلظة والشراسة، لو كان أحدهم تاجرًا واحتجت إلى سلعة عنده ما ذهبت إلى دكانه، ولو كان موظفًا ولي عنده مصلحة ما ذهبت إلى ديوانه، لكن البلية العظمى أن يكون إمام صلاة أو خطيب جمعة أو مشتغلًا بالدعوة؛ إنه يكون فتنة متحركة متجددة يصعب فيها العزاء».
إن خطورة الغلظة تتضاعف عندما تصدر ممن يمثل الدين في أعين الناس، لأن العامة قد لا يفصلون دائمًا بين رسالة الإسلام وبين السلوك الشخصي لمن يتحدث باسمه، فيصبح سوء الخلق حاجزًا بين الناس وبين سماع الحق.
ولذلك أكد الغزالي قائلًا: «إذا لم يكن الدين خلقًا دميثًا، ووجهًا طليقًا، وروحًا سمحة، وجوارًا رحبًا، وسيرة جذابة، فما يكون؟»، وهي كلمات تعيد الإنسان إلى حقيقة أن التدين لا يقاس بالمظهر وحده.
فالدين يظهر في الصبر على الناس، والرفق بأخطائهم، وحسن المعاملة، وسعة الصدر، والقدرة على الاختلاف دون ظلم أو إهانة، لأن الأخلاق ليست زينة تضاف إلى الدعوة بعد اكتمالها، بل جزء من جوهرها.
والداعية الذي يريد إصلاح الناس وهو عاجز عن ضبط غضبه أو كلماته يحتاج قبل أن يعظ غيره إلى مراجعة نفسه، لأن التربية تبدأ من القلب الذي يحمل الرسالة قبل اللسان الذي ينطق بها.
التواضع يحمي الداعية
ينتقل الغزالي إلى أصل أعمق من حسن الأسلوب، وهو حال القلب مع الله، فيقول: «إذا لم يكن الدين افتقارًا إلى الله، وانكسارًا في حضوره الدائم، ورجاءً في رحمته الواسعة، وتطلعًا إلى أن يعم خيره البلاد والعباد، فما يكون؟».
فكل معرفة صحيحة بالله ينبغي أن تثمر تواضعًا لا غرورًا، ورحمة لا قسوة، وشعورًا بالحاجة إلى الهداية لا إحساسًا بالتفوق على الآخرين، لأن الإنسان مهما بلغ من الصلاح يظل محتاجًا إلى عفو الله ورحمته.
ومن أخطر ما يفسد العمل الدعوي أن يتحدث الواعظ وكأنه بلغ نهاية الطريق، بينما ينظر إلى من أمامه باعتبارهم أصحاب الخطأ وحدهم، وهو ما عبّر عنه الغزالي بقوله: «بعض الوعاظ يتكلم فكأنه وحده المعصوم، والناس من دونه هم الخطاؤون».
وهذا الشعور يفسد النصيحة من داخلها، لأن المتلقي يشعر سريعًا بالفرق بين من ينصحه حبًا فيه وخوفًا عليه، وبين من يستخدم الموعظة لإثبات تفوقه أو إظهار نفسه في موضع القاضي على الناس.
ولهذا يحذر الغزالي من قسوة القلب والغرور بقوله: «إن القلب القاسي والغرور الغالب هما أدل شيء على غضب الله، والبعد عن صراطه المستقيم، ومن السهل أن يرتدي الإنسان لباس الطاعات الظاهرة على كيان ملوث وباطن معيب».
فليست العبرة بكثرة ما يظهر من العبادة إذا لم يتحول أثرها إلى رحمة وتواضع وإحسان، لأن الطاعة الحقيقية تزكي النفس، وكلما ازداد العبد قربًا من ربه ازداد معرفة بعيوبه ورحمة بعباده.
والإنسان الذي يرى نفسه دائمًا أفضل من الآخرين يكون أبعد عن إصلاحهم، أما من يعرف ضعفه ويستشعر حاجته إلى الله فإنه يخاطب الناس من موقع الأخوة والمشاركة في رحلة التزكية لا من موقع التعالي.
النصيحة التي تبني ولا تفضح
يرسم الغزالي صورة راقية للنصيحة حين يقول: «لو أن إنسانًا عرف معايبي فسترها عن الناس، وقصد ليكشف لي أخطائي ويرجع بي إلى ربي لشكرته ودعوت له… ورحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي».
هذه الروح تكشف الفارق بين النصيحة والتشهير، فغاية النصيحة أن يعود الإنسان إلى الله، لا أن يُكسر أمام الناس، وأن يصلح خطؤه لا أن يتحول إلى مادة للفضيحة والشماتة.
والمربي الصادق لا يبحث عن الانتصار لنفسه، وإنما عن إنقاذ من ينصحه، فيختار الوقت المناسب والكلمة المناسبة والطريقة التي تحفظ كرامة الإنسان وتجعله قادرًا على سماع الحقيقة دون أن يشعر بالإهانة.
كما أن الدعوة ليست مسابقة في كسب الجدل، لأن الإنسان قد يخسر المناقشة منطقيًا لكنه يزداد عنادًا إذا شعر بالإذلال، بينما يمكن لكلمة رفيقة أن تفتح بابًا أغلقته عشرات الخطب.
ولهذا تحتاج البيوت والمدارس والمساجد والمؤسسات إلى خطاب يجمع بين قوة المبدأ وسماحة الأسلوب، فلا يتحول اللين إلى تنازل عن الحق، ولا يتحول الثبات إلى فظاظة أو قسوة.
وقد كان النبي ﷺ النموذج الأعلى في ذلك، فجمع بين وضوح الحق وكمال الرحمة، حتى شهد له ربه بأن الناس لو وجدوا فيه الفظاظة وغلظة القلب لانفضوا من حوله، رغم أنه المؤيد بالوحي.
والاقتداء الحقيقي بالنبي ﷺ لا يكون فقط بتكرار أقواله، بل بمحاولة حمل شيء من رحمته وصبره وحلمه وحسن معاملته إلى الناس، لأن كثيرًا من القلوب تتعلم من السلوك أكثر مما تتعلم من المواعظ.
وفي النهاية، فإن الطريق إلى تجديد أثر الدعوة يبدأ من تزكية الداعية نفسه، ومن سؤال صادق يطرحه على قلبه: هل تقرب كلماتي الناس من الله أم تنفرهم، وهل يرون في أخلاقي أثرًا لما أدعوهم إليه.
فالرحمة ستظل لغة القلوب، والكلمة الطيبة قد تفعل ما لا تفعله المواعظ الطويلة، والوجه الطليق قد يفتح بابًا أغلقته القسوة، ومن أراد أن يدل الناس على الله فليحمل إليهم الحق بقلب يعرف الرحمة قبل أن يعرف الخصومة.

