رفعت أربع منظمات حقوقية دعوى قضائية تطعن في الأمر التنفيذي الصادر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 6 فبراير 2025، والذي يجيز فرض عقوبات على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية وقضاتها وآخرين يعملون مع المحكمة سعيًا إلى العدالة في جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

 

وفي الدعوى المرفوعة أمام محكمة "المنطقة الجنوبية من نيويورك"، يقول المدعون (هيئة خدمات الأصدقاء الأمريكية، ومركز الحقوق الدستورية، وهيومن رايتس ووتش، ومعهد المجتمع المفتوح، وهو جزء من "مؤسسات المجتمع المفتوح")، إن العقوبات تشكل هجومًا غير قانوني وسافرًا على العدالة الدولية وينبغي إلغاؤها. 

 

وتؤكد المنظمات رافعة الدعوى أن العقوبات تجبرها على تقليص طيف واسع من العمل الحقوقي والقانوني بما ينتهك حقوقها بموجب التعديلين الأول والخامس من الدستور الأمريكي وبموجب "قانون استعادة الحرية الدينية" الأمريكي. كما تقول الدعوى إن العقوبات تتجاوز صلاحيات الرئيس وتستند إلى "حالة طوارئ وطنية" زائفة لا أساس لها في الواقع.

 

"العقوبات تتجاوز سلطة الرئيس وتنتهك القانونين الدولي والأمريكي"

 

وقال كبير المحامين أندرو لوينستين من مكتب "فولي هوج إل إل بي" للمحاماة: "اجتماع هذا العدد من المنظمات الحقوقية والإنسانية الرائدة للطعن في الأمر التنفيذي غير القانوني لترامب يبيّن الضرر الواسع الذي يُلحقه بمنظمات المجتمع المدني المكرسة لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة. يسعى المدعون إلى إنهاء نظام العقوبات هذا الذي يتجاوز سلطة الرئيس وينتهك القانونين الدولي والأمريكي، بما يشمل الحق في كل من حرية التعبير والدين".

 

وفتحت المحكمة الجنائية الدولية 18 تحقيًقا حول العالم، شملت أفغانستان، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وليبيا، والفلبين، ودارفور (السودان)، وأوكرانيا. 

 

ويشمل ذلك تحقيق فلسطين -دولة طرف في المحكمة الجنائية الدولية- الذي أدى إلى إصدار مذكرتَي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف جالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة. وقالت المنظمات إن تقويض المحكمة يصعّب على الناجين السعي إلى العدالة وإسماع أصواتهم عندما لا يجدون ملاذا آخر.

 

وقالت جويس عجلوني، الأمينة العامة لهيئة خدمات الأصدقاء الأمريكية: "جهود الحكومة الأمريكية لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية ومعاقبة الساعين إلى العدالة في الانتهاكات الحقوقية الجسيمة تلحق ضررا يتجاوز بكثير الأفراد والمجموعات الخاضعين للعقوبات. إنها إساءة إلى جميع ضحايا جرائم الحرب والإبادة الجماعية والناجين منها. يسعى هذا الأمر التنفيذي إلى ترهيب المدافعين عن حقوق الإنسان وردع أصحاب الضمير عن الدفاع عن حقوق الآخرين وكرامتهم. ننضم إلى هذه الدعوى لأننا نرفض الصمت عندما يُجرَّم السعي إلى العدالة".

 

فرض عقوبات على قضاة ومدّعين بالمحكمة الجنائية الدولية

 

والعقوبات واحدة من إجراءات كثيرة اتخذتها إدارة ترامب ضد حرية التعبير والاحتجاج والمناصرة دعمًا لحقوق الفلسطينيين. حتى الآن، استخدمت إدارة ترامب الأمر التنفيذي لفرض عقوبات على مدّعين عامين في المحكمة الجنائية الدولية، وثمانية من قضاة المحكمة، والمقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ 1967، وثلاث منظمات حقوقية فلسطينية رائدة.

 

في 13 يوليو 2026، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حملة مصعّدة لـ"تفكيك" المحكمة، تشمل زيادة استخدام العقوبات والضغط على الدول الأعضاء في المحكمة للانسحاب منها. بينما تزعم الولايات المتحدة أن تحقيق المحكمة الجنائية الدولية مع أمريكيين قد يفلتون من العقاب خارج إطار المحكمة يشكل تهديدا للسيادة الأمريكية، يمكن أصلا محاكمة الأمريكيين الذين يرتكبون جرائم في الخارج أمام محاكم أجنبية في الأماكن التي وقعت فيها الجرائم، وهو مبدأ راسخ في القانون الدولي.

 

قالت كاثرين جالاجر، محامية أولى في مركز الحقوق الدستورية وممثلة قانونية لضحايا أمام المحكمة الجنائية الدولية: "مثّلتُ لسنوات عديدة ضحايا سعيا إلى العدالة في جرائم أصحاب النفوذ، ورأيت أخيرا تحقيقات أساسية تفتح في المحكمة الجنائية الدولية، وإن جاءت متأخرة. وردًا على ذلك، اتخذت إدارة ترامب خطوة استثنائية ليس فقط لحرمان الفلسطينيين وضحايا التعذيب الأمريكي من التماس العدالة بشكل متساو، بل لتجريمهم ومعاقبتهم هم ومحاميهم ومناصريهم وشركائهم. يحتاج جميع ضحايا الجرائم الدولية – من السودان وأوكرانيا إلى فلسطين وأفغانستان – بل ويستحقون محكمة جنائية دولية مستقلة وقوية قادرة على أداء مهمتها في إنهاء الإفلات من العقاب، دون خوف أو محاباة". 

 

وتعرض الأفراد المعاقَبون والمنظمات الحقوقية الفلسطينية المعاقَبة لتجميد أو إغلاق حسابات مصرفية، ورفض معاملات مالية، وحرمان من خدمات رقمية، ومنع السفر. قد تواجه المنظمات الأمريكية، بما فيها تلك المدعية، عقوبات تصل إلى السجن 20 عاما وغرامات باهظة إذا قدمت خدمات إلى أشخاص أو كيانات خاضعة للعقوبات.

 

منعت العقوبات المنظمات المدعية الأربع من مواصلة أنشطة مثل تمثيل ضحايا جرائم الحرب كمستشارين قانونيين أو بدء مثل هذه الأنشطة، وتقديم مذكرات قانونية وسياساتية إلى المحكمة الجنائية الدولية، والتعاون مع المنظمات الحقوقية الفلسطينية الخاضعة للعقوبات في التقاضي، وتنسيق حملات المناصرة، والبحث في انتهاكات حقوق الإنسان، أو تقديم المساعدات الإنسانية. يلحق الأمر التنفيذي ضررا عميقا بقدرة المدّعين على التعاون مع آخرين، بمن فيهم المنظمات الحقوقية الفلسطينية الخاضعة للعقوبات، ما يضر بقدرتهم على حماية حقوق الإنسان وتعزيز قضية العدالة.

 

قال جيمس جولدستون، المدير التنفيذي لمبادرة العدالة في مؤسسات المجتمع المفتوح: "هذه العقوبات اعتداء على سيادة القانون، واستقلال القضاة والمدعين العامين، والمجتمع المدني الأمريكي والعالمي. فهي خيانة للقيادة الأمريكية التاريخية في قضية العدالة الدولية وصفعة لضحايا الجرائم الجسيمة والناجين منها في كل مكان ممن يعتمدون على المحكمة الجنائية الدولية باعتبارها محكمة الملاذ الأخير".

 

محاولة عرقلة عمل المحكمة

 

في 2025، وجدت محاكم اتحادية في نيويورك وماين أن الأمر التنفيذي انتهك التعديل الأول وأوقفت مؤقتًا أو نهائيًا إنفاذ نظام العقوبات ضد المدعين في تلك القضايا. ومنذ صدور الأمر التنفيذي في فبراير 2025، أعربت الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية، وهيئة قيادة "جمعية الدول الأطراف في المحكمة"، و"الاتحاد الأوروبي"، وخبراء الأمم المتحدة، والأمين العام للأمم المتحدة، والمفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ومنظمات المجتمع المدني، والمحكمة الجنائية الدولية نفسها بحزم عن رفض محاولة عرقلة عمل المحكمة.

 

والمحكمة الجنائية الدولية محكمة دولية دائمة أنشئت لمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وجريمة العدوان. وبعد جرائم الإبادة الجماعية في منتصف التسعينات في رواندا ويوغوسلافيا السابقة، أنشأ المجتمع الدولي المحكمة الجنائية الدولية لمنع المسؤولين عن الجرائم الخطيرة، بمن فيهم كبار المسؤولين، من الإفلات من العدالة. 

 

ولا تحل المحكمة محل مسؤولية الدول في تحقيق العدالة في هذه الجرائم، ولا يمكنها التدخل إلا إذا كانت الدولة غير قادرة إجراء محاكمات وطنية حقيقية أو غير راغبة في ذلك. للمحكمة ولاية على رعايا الدول الأطراف فيها ومن يرتكبون هذه الجرائم الجسيمة في أراضي دولة طرف، أيًا كانت جنسيتهم. انضم إلى المحكمة نحو ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

 

قالت ليز إيفنسون، مديرة العدالة الدولية في هيومن رايتس ووتش: "نقاضي إدارة ترامب لوقف الهجمات على العدالة الدولية والحيز المدني الضروري لضمان حماية الحقوق بشكل متسق حول العالم. ينبغي للحكومات أن تتحرك لحماية المحكمة الجنائية الدولية والساعين إلى العدالة أمامها لضمان ألا يكون أحد فوق القانون".


ولا تعد الولايات المتحدة وإسرائيل من بين الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، ولا تعترف أيٌّ منهما بسلطة المحكمة. 

 

رد البيت الأبيض

 

ونقلت وكالة "أسوشيتد برس" عن مسؤول في البيت الأبيض، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته رفضه الدعوى القضائية جارية، قائلاً إن إجراءات المحكمة الجنائية الدولية قد انتهكت سيادة الولايات المتحدة وأمنها القومي، وكذلك سيادة أقرب حلفائها، إسرائيل، وأمنهما القومي. ولم ترد وزارة الخارجية الأمريكية على الفور على طلب للتعليق.

 

وتأتي الجهود المبذولة للحفاظ على سلطة المحكمة الجنائية الدولية في ظل ضغوط هائلة تواجهها المحكمة، سواء من الداخل أو من أكثر من 120 دولة عضوًا فيها. ومن بين الذين فرضت عليهم الولايات المتحدة عقوبات العام الماضي كريم خان، الذي كان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية حتى إقالته من منصبه الشهر الماضي، بعد نحو عامين من ظهور مزاعم سوء السلوك الجنسي ضده، كما ورد بالتفصيل في تقارير وكالة أسوشيتد برس.

وأصدرت إدارة ترامب تلك العقوبات ضد خان وعشرات الموظفين الآخرين في المحكمة الجنائية الدولية ردًا على مذكرات التوقيف التي أصدرتها المحكمة بحق كبار المسؤولين الإسرائيليين، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، على خلفية الحرب في غزة والتحقيقات المتعلقة بالأفراد الأمريكيين في أفغانستان.