صلاح الدين الجورشي
محلل سياسي وإعلامي، مدير مكتب العربي الجديد في تونس
يتساءل كثيرون في الداخل والخارج: هل تونس مُقدمة على تغيير سياسي كبير؟ هل فعلاً اقتربت نهاية حقبة الرئيس قيس سعيّد، كما تدّعي أطرافٌ في المعارضة؟... يقرن هؤلاء السؤال بالمسيرة المهمّة التي انتظمت في 25 من الشهر الماضي (يوليو)، إذ ردّد المشاركون شعار "ارحل" في وجه الرئيس، وما سبق ذلك من غضب واحتقان شعبي بسبب انقطاع الماء والكهرباء واشتعال حرائق عديدة.
يعتبر هذا الاستنتاج متسرِّعاً ومبالغاً فيه، ويعكس رغبة أصحابه أكثر منه تعبيراً عن الواقع الموضوعي، فالنظام لا يزال متماسكاً، ويتمتّع بدعم المؤسّسات الصلبة، إلى جانب أنصاره الذين يعتقدون أنّ الأزمات التي تواجهها البلاد ناتجة من المرحلة السابقة، وأنّ الرجل صادق ونظيف، ويحتاج إلى عامل الوقت لكي ينقذ البلاد والعباد. لهذا، من المستبعَد أن ينهار النظام بسرعة كما يفترض خصومه. وفي المقابل، تتوالى المؤشّرات الدالة على تآكل شرعية النظام وشعبيته، ويتفاقم عجزه عن حلّ المشكلات التي تواجه تونس والتونسيين. وهناك فارق واضح بين ضعف النظام والقول بانهياره. وهذه بعض المؤشّرات. أوّلاً: حصول تحوّل سياسي لدى أطراف في المعارضة والنُّخبة نضِج استعدادهم للقيام بتحرّكات احتجاجية مشتركة مرشّحة للاستمرار، وربّما للتمدّد. وهو ما كان مستبعداً حدوثه لأسباب أيديولوجية وسياسية. وأكّدت مسيرة يوليو، التي شاركت معها معظم التيّارات في التعبئة ورفع الشعارات وضبط ما اعتبروه أولويات المرحلة، القطيعة الواضحة بين رئاسة الدولة وبقيّة الأحزاب والمنظّمات، ومَن استثنى نفسه فلا يُقاس عليه.
ولعلّ الظاهرة اللافتة للنظر المشاركة الواسعة لشباب ليست لديهم تجربة حزبية وسياسية، بقدر ما يشعرون بالإحباط وانسداد الأفق. ثانياً: يعكس ما يجري داخل البرلمان، بوضوح، التفكّكَ الحاصل داخل المنظومة التي وُلِدت وتأسّست بعد 25 يوليو (2021). فما قاله نوّاب عن تحميل المسؤولية للرئيس سعيّد، وانتقاد للحكومة التي قاطعت البرلمان، والمطالبة باستقالتها، والتقييم السلبي جدّاً لحصيلة السنوات الخمس التي مرّت، لا يدل فقط على حصول تقاطع مع خطاب المعارضة (على الرغم من تباين الطرفَين)، بل أحياناً يكون أكثر قوّةً وتشدّداً. فالحزام السياسي للرئيس يتلاشى بشكل تراجيدي وبسرعة مذهلة. فعندما يُقدم عددٌ من النوّاب على صياغة عريضة يدعون فيها رئيس الدولة إلى عقد جلسة للبرلمان، فيرفض رئيس البرلمان تسلّمها، ويقول إنّ عليكم إرسالها من طريق البريد، إن أردتم، فتلك لقطة عجيبة وغير مسبوقة في تاريخ النشاط البرلماني.
ثالثاً: جاء تصريح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون ليزيد من حالة التوجّس والتوتّر. فلكي يحذّر بعض الدول من تصدير الإرهاب إلى تونس للانفراد بها من أجل ضرب الجزائر، هدّد بأنّ النظام "سيهدم خيمته". وشرحت صحف محلّية هُويّة هذه الأطراف، فأشارت إلى المغرب والإمارات. لكنّ مئات من النشطاء والمثقّفين التونسيين أصدروا بياناً انتقدوا فيه هذا التصريح، ورفضوا ما وصفوه بـ"التدخّل والوصاية". كذلك عبّر الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، عن تضامنه مع نظام الرئيس سعيّد.
وهناك من الإعلاميين المدافعين عن النظام مَن أشار إلى دولٍ تستضيف شخصيات تونسية معارضة، ومن بينها قطر وفرنسا. ويبيّن هذا الزخم الإعلامي والسياسي أنّ ما يجري في تونس لم يعد شأناً محلّياً فقط، وأنّه بصدد التحوّل إلى حالة من التجاذب الإقليمي والدولي من الصعب التكهّن بأبعادها إذا ما استمرّت، لكنّه يدلّ على الارتباك الحاصل في بلد له موقع استراتيجي مهمّ وحسّاس. رابعاً: ما يحصل في السطح السياسي ينعكس بالضرورة على الوضع الاقتصادي والمالي. فتعليق التداول في البورصة التونسية يومَين متتاليين، نتيجة الخوف من الإفراط في بيع الأسهم بعد تسجيل تراجع حادّ جديد للمؤشّر الرئيس للسوق، يدلّ على أنّ البلاد أصبحت مهدّدةً بمفاجآت قد يصعب التحكّم بها.
جميع هذه المؤشّرات يمكن التخفيف من حدّتها عندما يُغلّب العقل السياسي، وتتقدّم المصلحة الوطنية، وبالإيمان بأنّ التونسيين شركاء في وطن واحد لا يقبل التقسيم أو التفريط فيه.

