أعلن وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية أحمد رستم تراجع معدل البطالة في مصر إلى 5.8% خلال الربع الثاني من 2026، مقابل 6% في الربع الأول، مع ارتفاع عدد المشتغلين إلى 33.6 مليون وزيادة قوة العمل إلى 35.64 مليون فرد.
ويأتي الإعلان بينما تواجه الأسر المصرية موجات متتالية من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية واتساع دوائر العوز، ما يضع الرواية الحكومية أمام اختبار حياة يومية قاس، ويجعل انخفاض البطالة رقما لا يكفي وحده لإعلان تحسن أحوال المواطنين.
جودة العمل قبل العدد
في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن قراءة الاقتصاد من خلال مؤشر منفرد تقود إلى صورة ناقصة، لأن تراجع البطالة لا يصبح إنجازا ملموسا إذا بقيت الدخول الحقيقية عاجزة عن ملاحقة الأسعار وتكاليف الاحتياجات الأساسية.
وعلى هذا الأساس، يلفت نافع إلى أن التضخم الممتد أضعف القوة الشرائية للمواطنين، وهو ما يعني أن وجود وظيفة لا يضمن بالضرورة قدرة الأسرة على الحفاظ على مستوى معيشة مستقر أو مواجهة الصدمات اليومية المتزايدة.
وبالتالي، تكشف الفجوة بين معدل التشغيل ومستوى المعيشة عن مشكلة أوسع تتعلق بنوعية الوظائف المتاحة، إذ يمكن لعامل أن يكون محسوبا ضمن المشتغلين رغم حصوله على أجر محدود أو عمله لساعات غير كافية.
كما أن اعتماد الخطاب الرسمي على أعداد المشتغلين وحدها يتجاهل الفروق بين وظيفة مستقرة بعقد وتأمين وأجر كاف، وبين عمل هش أو موسمي أو غير منتظم يضع صاحبه باستمرار تحت ضغط الفقر والديون.
ومن ثم، فإن تراجع البطالة من 6% إلى 5.8% لا يكشف وحده ما إذا كانت الوظائف الجديدة قادرة على تحسين حياة أصحابها، أو ما إذا كانت مجرد أعمال منخفضة الإنتاجية تحفظ الرقم الإحصائي دون تغيير اجتماعي حقيقي.
غير أن الحكومة تربط هذا التراجع باتساع النشاط الاقتصادي واستمرار المشروعات الكبرى، معتبرة أن قطاعات التشييد والبنية الأساسية خلقت فرصا مباشرة وغير مباشرة ودفعت بمزيد من المواطنين إلى سوق العمل خلال الأشهر الأخيرة.
ومع ذلك، يبقى السؤال حول مدى استدامة هذه الوظائف بعد انتهاء مراحل التنفيذ، ومدى قدرتها على توليد أجور حقيقية أعلى، خصوصا إذا ظلت الأسعار والخدمات الأساسية تنمو بوتيرة أسرع من دخول العاملين.
القطاع غير الرسمي يتسع
من ناحية أخرى، يحذر الخبير الاقتصادي وائل النحاس من اختزال سوق العمل في عدد الوظائف، مؤكدا أن جودة التشغيل والدخل الحقيقي والاستثمار المنتج عناصر أكثر دلالة على قدرة الاقتصاد على خلق فرص مستقرة ومستدامة للمواطنين.
وفوق ذلك، يشير النحاس إلى أن فترات الضغط الاقتصادي قد تدفع أعدادا كبيرة نحو أعمال غير رسمية أو منخفضة الأجر، فتتراجع البطالة حسابيا بينما يبقى العامل بلا حماية اجتماعية أو دخل يمكن الاعتماد عليه.
لذلك، تصبح نسبة البطالة أقل قدرة على تفسير الواقع حين يتوسع العمل المؤقت واليومي والعمل لحساب النفس تحت ضغط الحاجة، لأن من يعمل ولو بدخل محدود قد يدخل إحصائيا ضمن المشتغلين رغم استمرار هشاشته الاقتصادية.
علاوة على ذلك، فإن توسع الاقتصاد غير الرسمي يعني أن ملايين العاملين قد يظلون خارج مظلة العقود والتأمينات والحماية من الفصل، وهو ما يحول الوظيفة من مصدر أمان إلى مجرد وسيلة مؤقتة لتدبير النفقات.
وبناء على ذلك، لا تكفي زيادة عدد المشتغلين إلى 33.6 مليون لإثبات تحسن نوعي في السوق، ما لم تكشف الحكومة عن توزيع الوظائف الجديدة ومستويات الأجور ونسب التأمين وطبيعة العقود ومدى استمرارها.
إضافة إلى ذلك، فإن انخفاض بطالة الذكور إلى 3.4% مقابل ارتفاعها بين الإناث إلى 14.4% يكشف فجوة واسعة، ويطرح تساؤلات حول قدرة السياسات الحالية على توسيع مشاركة النساء في فرص العمل المستقرة.
وفي السياق نفسه، لا تبدو الفجوة بين الجنسين تفصيلا هامشيا، لأن ارتفاع بطالة النساء بأكثر من أربعة أضعاف الرجال يعكس قيودا هيكلية تتعلق بالفرص والأجور والحماية والخدمات المساندة للمشاركة في سوق العمل.
الأجور تحسم الصورة
في الوقت نفسه، تؤكد أستاذة السياسات العامة غادة برسوم أن مشكلة سوق العمل في مصر لا تتعلق فقط بندرة الوظائف، بل أيضا بضعف جودتها، خاصة داخل القطاع غير الرسمي الذي يفتقر فيه كثيرون للعقود والتأمين الاجتماعي.
وبالمثل، تضع برسوم جودة العمل في قلب تقييم سياسات التشغيل، لأن الوظيفة التي لا توفر استقرارا أو حماية أو دخلا معقولا قد تخفض البطالة رسميا، لكنها لا تنقل العامل بعيدا عن دائرة الفقر والهشاشة.
وعليه، فإن الحديث عن تحسن سوق العمل يحتاج إلى مؤشرات موازية تشمل الأجر الحقيقي وساعات العمل والإنتاجية والتغطية التأمينية، حتى لا يتحول رقم البطالة المنخفض إلى ستار يحجب اتساع العمل غير اللائق.
كذلك، يوضح واقع الأسر أن الدخل لا يقاس بمجرد وجود وظيفة، بل بما يستطيع الأجر شراءه فعليا بعد سداد الغذاء والسكن والمواصلات والعلاج والتعليم، وهي بنود تعرضت لضغوط كبيرة خلال السنوات الأخيرة.
لهذا، فإن أي احتفاء رسمي بانخفاض البطالة يظل منقوصا ما لم يترافق مع تحسن واضح في القوة الشرائية، لأن المواطن لا يقيس الاقتصاد بنسبة منشورة بل بقدرته على الوفاء باحتياجات أسرته دون استدانة.
في المقابل أيضا، تظهر تقديرات دولية أن الفقر ظل مرتفعا وأن التضخم أضر بالقوة الشرائية للأسر، وهو ما يفسر كيف يمكن أن يتحسن مؤشر التشغيل بينما تستمر شكاوى المواطنين من الغلاء وتآكل الدخول.
وبهذا المعنى، لا يوجد تناقض حسابي بين انخفاض البطالة واتساع الفقر، لأن الفرد قد يعمل بأجر منخفض أو لساعات محدودة أو في نشاط ضعيف الإنتاجية، فيبقى فقيرا رغم تصنيفه رسميا ضمن المشتغلين.
ومن جهة أخرى، فإن ربط انخفاض البطالة بالمشروعات القومية وحدها يتطلب نشر بيانات أكثر تفصيلا عن طبيعة الوظائف المتولدة وتكلفتها واستدامتها، حتى يمكن تقييم ما إذا كان الإنفاق العام صنع تشغيلا منتجا أم مؤقتا.
وأخيرا، يبقى الرقم 5.8% مؤشرا يستحق القراءة لكنه لا يصلح منفردا شهادة نجاح، فالحكم الحقيقي يتطلب معرفة ما إذا كان العامل المصري أصبح أكثر أمنا واستقرارا وقدرة على مواجهة الأسعار، أم مجرد رقم جديد في جدول حكومي.

